سارة مرشوح
لا يمكن الحديث عن الكاتب والأديب والمثقف المغربي الخضر الورياشي دون الخوض في جوهر صراعه الأبدي: صراع الوعي مع الركود، وصراع الكلمة مع العشوائية. إنّه ليس مجرد قاص وصحفي له إصدارات مميزة مثل: “تعويذة شهرزاد”، و”قصتي مع جاكي شان”، و”قاتل أبيه”. بل هو شعلةٌ فكريةٌ قُدّر لها أن تضيء في مدينة قررت أن تُحاصر ساكنيها بجدرانها الإسمنتية والروحية على حد سواء؛ مدينة لا تقرأ، تسكنها الفوضى، ويبقى فيها المجال الثقافي نُدبةً بعيدة لا تكاد تُرى.
في هذا اليباب الروحي، يقفُ الأستاذ الخضر الورياشي كـ جغرافية مضادة. فمكتبته ليست مجرد رُكام ورق، بل هي المنارة الوحيدة التي تجعل الصمود ممكناً. إنّه قدرٌ موجع، قُدّر له أن يكون “كاتب الحي الذي لا يُطرب”؛ زامرٌ يعزف لحن الحقيقة الصارخ وسط صمت المنهمكين في الوهم. قد لا يُدرك أحدٌ قيمة نغمته، لكنّ صدى وجوده كان كافياً لإنقاذ ولو روح واحدة من سبات الجهل.
مَشَى العَقْلُ في أرضٍ تَنامُ عُقُولُها
وَوَحْدَهُ رَكِبَ الآلامَ لَمْ يَجِدِ رُفَقَا
هُوَ النُّورُ، لَكِنْ فِي زَمَانٍ أَبَى الضِّيَا
فَأَلْقَى عَلَيْهِ القَوْمُ مِنْ جَهْلِهِمْ غَسَقَا
إنّ وجعه العميق ليس موقفاً عابراً، بل هو حالة وجودية يعيشها كل حامل قلم مثقل بعبء الوعي. وقد عبّر عن هذا الإحساس بصدق مؤلم في إحدى نصوصه، قائلاً :
تهيمن عليّ حالة اكتئاب مبطنة، ممزوجة بشعور كبير باليأس واللاجدوى، وصرت أعاف نفسي كحامل قلم مثقل بهمومي الذاتية وهموم الناس والوطن، وقَلّت رغبتي في الكتابة وإن حافظت على رغبتي في القراءة. فقد يفتقد المرء العزاء في الكتابة ويتبينه في القراءة، لكن ليس مع جميع الكتب؛ فمن الكتب ما تضاعف شعور القارئ باليأس والضجر، فأغلب ما يوجد في الكتب هو (ما ينبغي أن يكون)، ولكنه لا يكون في الواقع، ويعيش في الخيال وفي أوهام الكاتب! ونظرت إلى نفسي فرأيت أني مسافر زاده الخيال، وبضاعته الأوهام، وجوادي يقطع بي الصحاري والفيافي، ولا يكاد يتراءى لي في الآفاق واحة أو ظل ظليل. فقط شمس حارقة في النهار، وقمر مظلم في الليل، وذئاب تعوي، وأفاعي تسعى خلفي، وسراب. وما نفع الأدب في عالم قاسٍ يتدافع فيه وحوش لا يرحمون بشراً أو طيراً أو شجراً، وحتى الحجر يطاوعونه ويصير أداة جريمة في أيديهم ؟
نُسَافِرُ فِي بَحْرِ الحُرُوفِ لِوَاحَةٍ
نَجِدْ فِي ضِفافِ الوَهْمِ بَسْمَةَ زَاهِدِ
وَنَرْجِعُ لِلْعَصْرِ الَّذِي ضَاعَ فِيهِ المَدى
فَنَلْقَى كِتَابَ الضَّوءِ فِي كَفِّ جَاحِدِ
لكن، يبقى السؤال هنا أكثر مرارة من أي نقد اجتماعي: ما قيمة الثقافة في مدينة صامتة؟ نمتلك في مدينتنا رُكاماً هائلاً من الأساتذة والدكاترة والنقاد؛ عقولٌ درَسَتْ، وشواهدٌ تزاحمت، لكن أين هم؟ تمر القضايا الاجتماعية الكبرى عاصفةً، لا نرى لهم حضوراً، ولا نسمع لهم قراءةً أو نقداً، ولا ندرك الغاية الحقيقية وراء سنوات الدرس الطويلة. هل كانت الثقافة مجرد درع أكاديمي خاص، أم مشروعاً وطنياً مُعطّلاً؟ إن المدينة تتعطش لوعيهم، لكن “اللكن” يظل هو الجدار الإسمنتي الذي يفصل النخبة عن الشارع. وسط هذا الركام الثقافي الساكن، يقف صوت واحد، يشاغب ويناضل، يستفز الفكر بسخرية لاذعة ونقد حارق، ويكافح بالقراءة التي لا تنتهي… شخص واحد فقط يتجرأ على حمل عبء الوعي.
القراءة بالنسبة له ليست مجرد استهلاك للكلمات، بل هي عملية تطهير روحي، وفرارٌ إلى عوالم الجمال المُطلق، حيث تكمن الروح الأبديّة للفكر البشري. هناك، يجد الأستاذ سكينته وحبّه. ولكن عندما يعود إلى الواقع، إلى مدينة “العشوائيات والفوضى”، ينقلب الحب غضباً؛ غضباً مُقدساً يتفجّر نقداً وإدانةً لوضع الأمة التي “لا تقرأ، ولا تنتج، ولا تزرع.”
أتحمّلُ هذه المدينة؛ ليس لجمالٍ في دروبها الموغلة في العشوائية، ولا لحضن ثقافي يضمّ الغرباء، بل لأنّ فيها نوراً واحداً لا ينطفئ: هو الخضر الورياشي. هو النقيض المُطلق لمدينة قررت أن تخلع رداء القراءة وتلبس ثوب الركون. وبسببه وحده، أُدرك أنني لست وحيدة في هذا المنفى الروحي. كم كان صادقاً عندما كتب في افتتاحيّة كتابه “نواكشوط الكتابة”: تلك الآهة التي تشاركني وحشة القارئ: “القراءة.. آهٍ من القراءة! أشعُر أن القراءة فعلٌ نادر، مثل مرضٍ نادر، لا يصيب إلا المجانين… مجانين!؟
نعم، نحن المجانين! نحن الذين نبحث عن الحق والخير والجمال في صفحات لا يراها أحد، ثم نعود إلى هذا الواقع لنجد أن ما قرأناه غريبٌ تماماً عن تفاصيل حياتنا.
أعظم ما يميّز الورياشي هو تناغم التناقض في فلسفته الحياتية والكتابية: “يقرأ الأدب بحب ويكتب عن الحياة بغضب”.
هذا الغضب هو ما يجعله يكتب بالحدة التي تهاجم وتستفز، والتي جلبت عليه السب والشتم والاتهامات. لكنه يدرك أن الكتابة الحقيقية ليست دغدغة للمشاعر، بل هي عملية شقّ مؤلمة. وهذا ما يُفصح عنه بعمق في “آهته” الأخرى: “آهٍ من الكلام! أول معنى الكلام الجرح..! فكل كلام يجرَح الفكرَ والشعورَ، ويشُقّ العقلَ والفؤادَ، فإما تنبت زهرة، أو تشتعل جمرة. والكلام كله جِراح.”
كلماته جِراحٌ تهدف للإنبات. يهاجم الجمود لأنه يرى أن القناعات الراكدة يجب أن تُشقّ، إما لتورق وعياً جديداً (الزهرة)، أو لتُلهب روح الثورة على الذات (الجمرة). إنها جرأة الطرح المُتأتية من إيمان عميق بأن الكاتب عليه أن يُصارع العالم بعقله لا بعاطفته.
إنّ علاقتي به هي عقدٌ أبدي تجدّده الكتب؛ فكل مرة يتبادل معي فيها كتاباً، يسحبني من شرنقة الوهم التي تُنسج خيوطه حول هذه المدينة. ومكتبته هي قِبلة النفوس العطشى، إذ أنّ القرب من مثله من الأفذاذ هو ميثاق على البصيرة الممتدة. فكل حديث معه هو مَوقدٌ يذيب جليد الريب، وكل رأي منه شعاع يتجاوز آلاف الشهب، يُشرق في سماء الدرب الطويل، مبيناً للإنسان كوامن العبقرية التي لم يكن ليبلغها لولا نور قمته السامقة. وإن كان البعض يرى أن أسلوب الرجل هو انعكاسه الصادق، فإنّي أقول: إن أعظم الإبداعات هي التي تفوق مبدعيها؛ لتصبح كيانات خالدة تتجاوز قيد الجسد لتُعيد صياغة التاريخ والفكر، تاركة الأثر أعمق من الظل.
بهذا الوجع المُنبعث من “جراح الكلام” ورؤية “الوحوش” التي تسعى في الأرض، يختتم الخضر الورياشي شهادته الوجودية؛ لا ببيان استسلام، بل بإعلان حرب على الوهم. إنه يرفض أن يكون مجرد زامر أعمى، يطرب لمن يريدون له ذلك. إنّ مأساة هذا الكاتب ليست في عزلة القارئ، بل في عبء الوعي الذي يجعله يعيش خارج زمن مدينته. يرى الورياشي أن النخبة الثقافية قد استبدلت مهمة المقاومة الفكرية بهدوء الرضا المُعلَّب، تاركةً الشارع غنيمة للفوضى والركود. لقد تحولت الثقافة إلى مجرد زينة أكاديمية لا تملك الجرأة على شقّ الجمود، فصار وجوده هو النقيض المطلق: صوت يحمل لعنة المعرفة وسط جموع احتفلت بـ نعمة الجهل. هذا هو عمق الصراع: أن تكون النبوءة في زمن الـ “الآن” الذي يصر على أن كل شيء مكتمل. الورياشي لا يكتب عن القادم، بل يكتب ليدمّر اللحظة الحاضرة المُزيفة التي تُخدِّر الوعي، تلك اللحظة التي تتشبث بالراحة الزائفة كقناع لحقيقة التآكل الروحي. قلمه هو عملية تشريح مستمرة لوهم الإنجاز والمسرة. وهنا، يتجسد أقصى درجات ألمه، حيث يُعلن بصدق مؤلم عن الفارق بين المنتهى المرجو والآن المُحتمل:
“في يوم من الأيام كل شيء سيكون على ما يُرام: هذا أملُنا. اليوم كل شيء على ما يُرام: هذا وهْمُنا.”

















