ممدوح فرّاج النّابي
كتاب “كليلة ودمنة هو كتاب هندي الأصل، وقد ترجمه عنها إلى العربيّة عبد الله بن المقفع، وكان ثمرة الوساطة بين الثقافتين العربيّة والفارسيّة، وقد وُصِف الكتاب بأن “الحكماء يعرفون فضله والسخفاء يشتهون هزله“. علاقة الكتاب بالملوك منذ تأليفه علاقة وطيدة وإيجابية فمن المعروف أن تأليفه جاء كرغبة من الملك دبشليم (ملك الهند) لتخليد نفسه، والسّير على نهج أجداده وآبائه بحسن السيرة وإشاعة العدل “يذكر فيه أيامه وسيرته وينبئ عن أدبه وأهل مملكته“، ونقل الكتاب إلى الفهرية كان أيضًا بأمر ملك، فجاء بناء على رغبة كسرى أنوشران الذي كلّف طبيبه برزويه بالرّحلة إلى الهند كي يحصل على الكتاب لما سمع عنه “وما فيه من تقوية العقل والأدب“، ولم يكتفِ به وحده، بل أمره بإحضار “غيره من الكتب التي ليست في خزينته ولا في ملكه“. أمّا ترجمته إلى العربية فجاءت كنتيجة إلى عناية الخليفة أبو جعفر المنصور (714 – 755) بحركة الترجمة التي بدأت بوادرها في عصره بترجمة كتب الفلك والكتب الهندسية التي تعالج هذا العلم، وقد ترجم له ابن المقفع كتبًا كثيرة، وقد أسهم تعريب كتاب “كليلة ودمنة” إلى “تخصيب الخرافة العربيّة آنذاك، وفتح لها الأفق على الكنز الهندي الطافح بالخرافات” (عبد الله إبراهيم، موسوعة السرد، ج 2، 51).
بقدر ما كان الكتاب تدشينًا لأدبيات التورية باستخدام لسان الحيوان بديلاً عمّا يعجز عنه لسان الإنسان من التصريح به، حيث مرّر فيه بيدبا نصائحه للملك الذي تمّ ترويضه بالحكمة والعقل، على ألسنة الحيوانات والطير، وقد شاع بعد ذلك هذا النهج في أدبيات إخوان الصفاء كـ”تداعي الحيوان على الإنسان”، وكتاب ابن عرب شاه “فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء“، فإنه في الوقت ذاته يمكن اعتباره الشرارة الأولى لمشروع التنوير العقلي، وإعمال العقل كمقاوم لجنوح السلطة في الثقافة العربية؟ وإبراز دور الكلمة في الترويض والنصح والعلاج، وهو نفس الدور الذي لعبته شهرزاد لعلاج المرض النرجسي للملك شهريار بعد خيانة زوجته له، وسعاره في قتل جنس النساء كافة انتقامًا لكبريائه.
بيدبا ودبشليم
لكن مَن هو دبشليم؟ وما الذي دفع بيدبا لنصيحته؟ وما هي ملابسات كتابة الكتاب؟ ومَن الملهم لفلسفة الكتاب باعتبار الحكاية (أو السّرد) طريقًا للنجاة؟
الملك دبشليم جاء بناء على رغبة وتوافق أهل الهند بعدما هَزم ذو القرنين ملكهم، وعيّن عليهم رجلًا من خاصّته، ولكن أهل الهند رأوا أنه لا يصلح للسياسة، ولم ترضَ العامّة والخاصّة أن يُولّى عليهم رجلاً ليس منهم ولا مِن أهل بيوتهم وكان يستذلهم ويستقلهم، فخلعوه وولُّوا رجلاً مِن عندهم هو دبشليم، ولما استقرّ له الأمر تجبّر وتكبّر وحادَ عن نهج أسلافه، وأخذ يغزو مَن حوله مِن الملوك، فهابته الرعيّة، كما استصغر أمرهم، وأساء السيرة فيهم “وكان لا يرتقي حاله إلا إذا ازداد عتوًا، فمكث على ذلك بُرهة من الدهر” (ص: 12). أما بيدبا فهو فيلسوف من البراهمة “حكيم، يعرف بفضله، ويرجع في الأمور إلى قوله“، فعندما رأى ما على الملك من ظُلم وتجبّر، عمد إلى الحيلة ليصرفه عما هو عليه، ويردّه إلى العدل والإنصاف. وهو ما يبرز دور العلماء في نصح الحكام، وردهم عن غيهم، “فالحكماء لا يبشرون إلا بالخير” (ص: 17)، وقد اعتاد ابن المقفع على نصح الوزراء، ففي رسالته المعنونة “رسالة الصحابة“، يتوجه إلى أمير المؤمنين بالنصيحة، وكذلك في كتابه “في الأدب الكبير” نصائح للأمراء والوزراء.
وبعدما ساءه ما يفعله الملك اجتمع مع تلاميذه وأفضى إليه بما اهتدى إليه فكره فقال: “اعلموا إني أطلت الفكرة في دبشليم، وما هو عليه من الخروج عن العدل، ولزوم الشر، ورداءة السيرة وسوء العشرة مع الرعية” (ص: 13)، واهتدى إلى ما يجب أن يقوموا به، ورأى أن “مجاورة السبع والكلب والحيّة والثور على طيب الوطن ونضارة العيش غدر بالنفس” (ص: 14). وكان يعمد إلى العقل في كلامه، فالعاقل كما يقول: “قد يبلغ بالحيلة، ما لا يبلغ بالخيل والجنود“. وليوكّد دور العقل في صناعة الحيلة مهما كان طرفا الصراع غير متكافئين وهو يعلم مسبقًا أنه أمام ملك جبار لن يقبل نصيحته، بل سيقابلها بالنكران وربما الغدر، فحكى لتلاميذه حكاية القنبرة والفيل، وكيف استطاعت القنبرة أنْ تحتالَ على الفيل الذي كان يسخر منها متباهيًّا بفارق الحجم والقوة بينهما، وانتهى الحال إلى الاعتراض على استصغاره حالها مقارنة بقوة وجسم الفيل، باستخدامها العقل، فأسقطت الفيل بتعاون طيور الغابة “في الوهدة”.
الحكاية لم تكن مجرد تسليّة، وإزجاء لوقت الفراغ، وإنما كانت رسالة استباقيّة لردّة فعل التلامذة، وتحصينهم بالعقل، وحثّهم على استخراج مكامن القوة في داخلهم، مهما كان العدو قويًّا، أو أكبر حجمًا من تصوّرهم، فأحيانًا التصوّرات الوهميّة للعدو، تُضعف من الخِصم دون الحاجة إلى نزال، فأراد أن يقطع عليهم طريق التردد والخوف، بهذه الحكاية، خشية أن يكون قد تسلّل الخوف إليهم، لما عرفوه من قوة الملك دبشليم وبطشه، وهو ما أدركه الفيلسوف بيدبا، فالصّورة المترسِّخة للملك لدى الجميع، باطش ومتجبّر وغير عادل، ومن ثمّ فكرة مقاومته حتى ولو بالكلمة، شبه مستحيلة، فهو “لم تفزعه النوائب، ولم تؤدِّبه التجارب” لكن بحكايته التي بدأ بها حديثه، عضد قيمة ما يمتلكون من عقل، فهم الصفوة والنخبة، وبالعقل يستطيعون أن يواجهوا عتو الملك وصلفه.
اجتماع الفيلسوف بيدبا بتلامذته يؤكد على عدة حقائق مهمة.
- شعور بيدبا أن ما يفعله الملك مع الرعية يُخالِف العقد الضمني الذي تعاقد به الملك مع الرعية عندما ولُّوه أمرهم، فهو جاء بعد تمرد هم على ظلم الملك الذي ولاه الإسكندر عليهم، ومن ثم فالوضع لم يتغير بعد. فالباعث الحقيقي هو الخوف من أن يتولد السّخط والغضب على الملك الذي لأجداده وآبائه ميراث من أفعال الخير التي استوجبت الشكر لهم.
- فهو مع ما يتمتع به من حكمة ورأي، إلا إنه لم ينفرد بالقرار وحده، بل جعل الأمر شورى مع تلامذته “فليشر كل واحد منكم بما يسنح“، لربما أمدوه بحلٍّ. الرغبة في العمل الجماعي تكرّرت مرة ثانية عندما رضي الملك عن بيدبا وطلب منه أن يكتب كتابًا يخلّد سيرته، وقد عاد التلاميذ الذين فروا بعد أن حُبس بيدبا، فإذا به يجمع تلامذته من جديد، ويخبرهم بأمر الملك: “إن الملك قد ندبني إلى أمر فيه فخري وفخركم وفخر بلادكم، وقد جمعتكم لهذا الأمر“، لكن لم يجد عندهم ما يريده، فأزمع ألا ينفرد بالأمر بنفسه وقال: “أرى السفينة لا تجري في البحر إلا بالملاحين لأنهم يُعدِّلونها، وإنما تسلك اللُّجة بمدبرِّها الذي تفرّد بإمرتها، ومتى شُحنت بالركاب الكثيرين وكثر ملاحوها لم يؤمن عليها من الغرق”. (ص: 24)
- أراد الفيلسوف أن يُعلي من شأن الكلمة ورديفها العقل، كمضاد للقوة وجبروت السلطة، وكذلك بيان دور العلماء في مواجهة بطش الملوك، فليس لديهم إلا الحكمة والنصيحة، فكما يقول: “ونحن ما نَرُوض أنفسنا لمثل هذه الأمور إذا ظهرت من الملوك إلا لنرُدّهم إلى فعل الخير ولزوم العدل” (ص: 13)، فالحكمة تستلزم ردّه عن الغي فكما يقول “ولا يسعنا في حكمتنا إبقاؤه على ما هو عليه ِمن سوء السيرة وقُبح الطريقة، ولا يمكننا مجاهدته بغير ألستنا”. (ص: 13)
الحكمة لا تتطلب المواجهة الصادمة، وإنما يلزمها إستراتيجيات، وهذا ما نراه في خطابه للملك دبشليم، فلم يقدّم النصيحة مباشرة، وإنما التزم آداب مخاطبة الملوك ومجالستهم “وقف بين يديه، وكفر وسجد له واستوى قائمًا وسكت“، لاحظ إنه بقي صامتًا، مع إعلانه أنه جاء ناصحًا للمك، والنصيحة تقتضي الكلام لا السكوت، خاصة وقد أذن له الملك بالمثول بين يديه، فلِمَ الصمت؟ الصّمتُ جاء من باب الالتزام بمقام الحكمة والدهاء، فهو يريد أن يتجنّب أخطار الكلام “الزم السكوت فإن فيه السلامة” ولما طال صمته، أَذِنَ له الملك بالكلام عندئذ استهلّ حديثه، ببيان فضل الأدب وقوّته، ثمّ عمد إلى استمالة الملك إلى صفه، بتذكير نفسه أمامه بما يجب أن يُقال في حضرة الملوك، وكيف يكون السكوت هيبة لهم، وتعظيمًا لقدرهم، ثمّ لعب على عواطف الملك، وإذكاء غروره فذكّره بفعل أجداده وآبائه وأفعالهم الخيرّة التي تركت لهم رصيدًا حسنًا نظير “استعمال الإحسان إلى من خُولّوه، والرِّفق بمن وُلُّوه، وحُسْن السيرة فيما تقلّدُوه، على عِظم ما كانوه من غِرَّة المُـلك، وسَكْرَة الاقتدار“(ص: 19)، وبعد أن أثنى على سيرة أجداده، وأنه في منازلهم “أسسوا الملك، وبنوا القلاع والحصون، ومهدوا البلاد، وقادوا الجيوش، واستجاشوا العدة، وطالت لهم المدة، واستكثروا من السلاح، والكراع، وعاشوا الدهور في الغبطة والسرور”، لذا فهو يستنكر عليه أنه خالف دربهم، وسلك مسلكًا نقيضًا، مع إنه ورث عنهم الأموال والجنود والأرض، ومع هذا فلم يقم في ذلك بحق ما يجب عليه أن يقوم، بل كما خاطبه: “طغَيتَ وبَغيت وعَتَوت، وعلوت على الرعية وأسأت السيرة وعظمت منك البليّة، وكان الأولى والأشبه بك أن تسلك سبيل أسلافك وتتبع آثار الملوك قبلك“، ومن ثمّ، كي يعيد سيرة مَن يفتخر، ويبقي على ذكرهم، وجهه إلى حُسن “النظر برعيتك، وتسن لهم سنن الخير الذي يبقى بعدك ذكره، ويُعقبك الجميل فخره، ويكون ذلك أبقى على السلامة، وأدوم على الاستقامة…. والحازم اللبيب من ساس المـُلْك بالرفق واللين“. (ص: 19)
غدر وصفح
ما كان لملك مثل دبشليم أن يتحمّل مثل هذا الكلام، بكل ما هو معروف عنه مِن بطش وظلم؛ لذا بعد أن أنهى بيدبا حديثه، أظهر غضبه، فأغلظ له الجواب استصغارًا لأمره، وعقابًا له على تجاوز حدوده، وتغييب المسافة بينه وبين مقام الملك، قام بالتنكيل به، وأمر بأن يقتلَ ويُصلب، ثمّ بعد أن فكّر في الأمر، أحجم عنه، وأمر بحبسه وتقييده، هكذا كانت الرسالة. العقاب لكل مَن تُسوِّل له نفسه بأن يُعطي لنفسه صلاحيات تمنحه تقييم الملك، أو على أقل تقدير تضعه في درجة تقديم النّصح للملك، وهو ما يجعله رأسًا برأس حتى ولو كان الناصح بحجم بيدبا الفيلسوف الذي وصفه الملك نفسه بأنه “مِن أفضل أهل زمانه“، رسالة رادعة وقاسيّة وكما قال الملك “عبرة وعظة لمن عساه أن يبلُغَ ويروم ما رُمت أنت من الملوك إذا أوسعوا لهم في مجالسهم” (ص: 20)
العجيب بعد هذه الغضبة المضرية، يعود الملك إلى صوابه بعد ليلة من الليالي سَهِدَ فيها وطال سُهْدُهُ وهو يُفكّر في تفلّك الفُلك، وحركات الكواكب، وبينما هو على هذه الحالة تذكّر بيدبا الذي نسيه في محبسه أيامًا “فارعوى لذلك، وقال في نفسه: لقد أسأتُ فيما صنعتُ بالفيلسوف، وضيّعْتُ واجب حقّه وما حملني على ذلك إلا سرعة الغضب”، وأنّب نفسه لأنه لم يسمع له، وعلى الفور أمر باستدعائه إليه، ولمّا مَثل بين يديه اعتذرَ عنه، وإظهارًا لحُسن نيته أجلسه في مجلسه بعدما أمر بفك قيوده، ثم ألقى عليه من لباسه، فقبّلها بيدبا، ثم طلب منه أن يعيد عليه ما قاله سابقًا. هكذا استوزر الملك بيدبا وكعادة الوزراء عقدوا على رأسه تاجًا، وجلس في مجلس العدل والإنصاف، يأخذ للدنيء من الشريف، وعمل بيدبا بما نصح به الملك، فردَّ المظالم ووضع سُنن العدل، وأكثر العطاء والبذل. وأثمرت حياة بيدبا الجديدة في وضع كتب السياسة، فكتب كتبًا كثيرة فيها دقائق الحيل، الغريب أن الملك دبشليم “مضى على ما رسم له بيدبا من حُسن السيرة، والعدل في الرعيّة”، وكان أثر هذا عظيمًا “فرغبت إليه الملوك الذين كانوا في نواحيه، وانقادت له الأمور على استوائها، وفرحت به رعيته وأهل مملكته” (ص: 21).
عودة الملك إلى صوابه تؤكد الحكمة القائلة “إن الملوك لا تفيق من السكّرة إلا بمواعظ العلماء، وأدب الحكماء”، وهو ما استغله بيدبا الذي كان يعلم بخطورة نتيجة نصيحته، لكن إصراره رغم حرص تلامذته على ألا يفعل، اتقاء من غضبة الملك، لم يمنعه من أن يكتم ما بداخله، فالمعرفة “لا تكتمل إلا إذا تم نقلها وتعليمها، وإلا إذا أثرت في الناس”. (كيليطو، 2021، ج 2، ص 20)، وهو يلقب بالفيلسوف والحكيم، وصاحب الرأي، فبماذا يفيد كل هذا دون أن يحدث التأثير؟ فكما قال: ” كرهت أن يموت أو أموت وما يبقى على الأرض إلا من يقول: إنه كان بيدبا الفيلسوف في زمان دبشليم الطاغي، فلم يرده عمّا كان عليه” (ص: 22)
المهمة الشّاقة
ومثلما انصرف بيدبا إلى التأليف، كذلك انصرف الملك دبشليم إلى قراءة الكتب، بعدما استقر له المـُلْك وسقط عنه النظر في أمور الأعداء “بما تحقّق من عدل وإنصاف، فصرف همته إلى النظر في الكتب التي وضعتها فلاسفة الهند لآبائه وأجداده، وهي رسالة مبطنة لأثر العدل والاستقرار على الحياة الاجتماعية والثقافية. الأعجب أنه وقع في نفسه أن يكون له كتاب مشروح “يرتبط باسمه ويُخلّد ملكه، ويؤمن له على نحو ما النجاة بعد موته”. إذن الحاجة إلى التمجيد والتخليد هي التي دفعته لأن يطلب من بيدبا أن يؤلف كتابًا “يذكر فيه أيامه وسيرته وينبئ عن أدبه وأهل مملكته“، فهو يريد كتابًا يخلده “يكون ذاكرًا على غابر الدهور”، ولكن هل يتخلّى الملوك عن عاداتهم، وإظهار بطشهم بتأديب الرعية، وإبداء حسن الطاعة، فهذه سمة الحكم، فأوصاه أن يكون “ظاهره سياسة العامة، وتأديبها على طاعة الملوك، وباطنه أخلاق الملوك وسياستها للرعية” (ص: 23)
يقبَل بيدبا المهمة ويطلب من الملك مهلة مدتها حَوْل، ويذهب ليستشير تلامذته، لكن لم يجد عندهم فائدة فينفرد بالأمر وحدة، مستعينًا برجل من تلاميذه يثق فيه:
فلنقرأ ما جاء تحت كيفية وضع الكتاب وترتيبه لنعرف أطراف القائمين بالمهمة، وما دور الملك؟
“ولم يزل يُفكّر فيما يعمله في باب الكتاب حتى وضعه على الانفراد بنفسه مع رجل من تلاميذه كان يثق به، فخلا به مُنفردًا معه بعد أن أعدّ من الورق الذي كانت تكتب فيه الهند شيئًا ومن القوت ما يقوم به وبتلميذه تلك المدة وجلسا في مقصورة وردّا عليهما الباب، ثمّ بدأ في نَظْمِ الكتاب وتصنيفه، ولم يزل هو يُملي وتلميذه يكتب ويراجع هو فيه حتى استقر الكتاب على غاية الاتقان والإحكام. ورتّب فيه خمسة عشر بابًا، كل بابٍ منها قائم بنفسه، وفي كل بابٍ مسألةٌ والجوابُ عنها، ليكون لمن نَظَر فيه حظٌّ من التّبصرة والهداية، وضمّ تلك الأبواب كتابًا واحدًا وسمّاه كتاب كليلة ودمنة … فلم يزل بيدبا وتلميذه في المقصورة حتى استتمَّ عمل الكتاب في مدّة سنة” (ص: 24)
اختلاء بيدبا لكتابة الكتاب لا لَبْسَ فيه، وقد أخذ لذلك أجلًا حدّده للملك، هو أيضًا معلوم “سنة” كما طلب وقَبِلَ الملك، بالإضافة إلى جائزة سنيّة قرّرها له الملك لتعين “على عمل الكتاب“. أما القائمان بالمهمة فهما بيدبا، وأحد تلامذته الموثوقين، وقد تسلّح بعدة العمل: أدوات الكتابة “الورق من الهند”، والقوت الذي يتقوتان به هو وتلميذه، وتم إغلاق الباب عليهما طيلة المدة. لم نر الملك مثلا يتفقدهما أثناء الكتابة، حتى عندما مرّ الحَوْل لم يظهر الملك، بل أرسل رسوله يخبره “جاء الوعد، فماذا صنعت؟” فأجابه بيدبا: “إني على ما وعدت الملك فليأمرني بحمله بعد أن يجمع أهل المملكة لتكون قراءتي هذا الكتاب بحضرتهم” (ص: 25)
يُسَرُّ الملك بما أخبره به الرسول، فيحدّد الملك موعدًا يدعو فيه العظماء والأشراف، والعوام. ويهيئ لبيدبا مجلسًا يقرأ عليهم الكتاب، وحين جلس لقراءة الكتاب “سأله الملك عن معنى كل باب من أبواب الكتاب، وإلى أي شيء قصد فيه، فأخبره بغرضه فيه، وفي كل باب، فازداد الملك منه تعجُّبًا وسرورًا، فقال له: يا بيدبا، ما عدوت الذي في نفسي وهذا الذي كنت أطلبُ، فاطلُب ما شئت وتحكّم”(ص: 26). يكشف الحوار بين الملك وبيدبا، أن ما أطلع بيدبا عليه الملك أمام الجمهور المحتشدة، كان جديدًا، لا علم للملك به، كتبه بيدبا من خياله دون إملاء من الملك، لكنه وقع موقعًا حسنًا منه، وكأنه ما نفسه، أو الذي كان يطلبه. وهنا نفهم أن الملك لم يطلب من بيدبا أن يكتب هذا، أو حتى اقترح عليه الموضوعات، فكل ما جاء في الكتابة من موضوعات هو أمر خاص ببيدبا، لكن توافق مع رغبة الملك ودخيلته التي لم يطلع عليه بيدبا أو حتى أعلن عنها الملك.
الملك المحفّز
وهنا المفارقة، عَرضُ بيدبا لموضوعات الكتاب أمام الحشد من الجماهير التي دعاها الملك بناء على طلب بيدبا، ينمّ عن أن الملك أوّل مرة يسمع ما جاء في الكتاب، أي لم يكن له خبر بما فيه موضوعات وأبواب، ولكن ما إن نقرأ المتن حتى نكتشف أن الملك دبشليم مارس دور شهريار في ألف ليلة وليلة؛ دور المحفّز للسرد والحكاية؛ فالملك مع كل باب حاضر كشخصية مزدوجة: متلقٍ ومحفّز، وأحيانا دور الفاعل (الملهم) في الحكاية بأن يقترح موضوعَ كل باب، فصوته حاضر هكذا: “أخبرني، حدثني … إلخ”.
يتكوّن الكتاب من خمسة عشر بابًا بعد المقدمات وباب رحلة برزويه للحصول على الكتاب، ثم باب ترجمة برزويه وهي التي طلبها بنفسه، فجاءت الأبواب كالتالي: “باب الأسد والثور، باب الفحص عن أمر دمنة، باب الحمامة المطوقة، باب البوم والغربان، باب القرد والغيلم، باب الناسك وابن عرس، باب إبلاد وإيراخت وشادرم ملك الهند، باب مهرايز وملك الجرذان، باب السنور والجرذ، باب الملك والطير قبرة، باب الأسد وابن آوي، باب السائح والصواغ، باب ابن الملك وأصحابه، باب اللبؤة والشعهر، باب الناسك والضيف”. يأتي حضور الملك مع استهلال كل باب من أبواب الكتاب، وهذا الحضور يتنافى مع غياب الملك أثناء التأليف، فمثلًا قبل أن يعرض بيدبا حكاياته فمع أول باب “باب الأسد والثور” يبدأ السّرد هكذا: قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: اضرب لي مثلاً متحابين يقطع بينهما الكذوب والمحتال، حتى يحملهما على العداوة والبغضاء” ثم يأتي الرد والجواب مِن بيدبا هكذا: “قال بيدبا: إذا ابتلى المتحابان…” (ص: 61)
وفي بعض الأبواب استهلال الملك ينمُّ عن وعيه بما سرد بيدبا سابقًا ففي باب “الفحص عن أمر دمنة” يبدأ الاستهلال هكذا: “قال دبشليم لبيدبا الفيلسوف: قد حدثتني عن الواشي الماهر المحتال، كيف يفسد بالنميمة المودة الثابتة بين المتحابين. فحدثني بما كان من حال دمنة وما آل أمره إليه بعد قتل شتربه، وما كان من معاذيره عند الأسد وأصحابه حين راجع الأسد رأيه في الثور، وتحقّق النميمة من دمنة”. (ص: 99). وفي باب “الحمامة المطوقة” يأتي صوت دبشليم الملك متسائلًا: “لقد سمعت مَثَلَ المتحابين كيف قطع بينهما الكذوب، وإلى ماذا صار عاقبةُ أمره من بعد ذلك، فحدثني إن رأيت عن إخوان الصفاء، كيف يبتدئ تواصلهم ويستمتع بعضهم ببعض. قال الفيلسوف: إن العاقل لا يعدل بالإخوان شيئًا. فالإخوان هم الأعوان على الخير كله والمؤاسون عند ما ينوب من المكروه، ومن أمثال ذلك مثلُ الحمامة المطوقة، والجرذ، والظبي، والغراب. قال الملك: وكيف كان ذلك؟” (ص: 114).
وفي باب “البوم والغربان” يستهل الراوي الباب هكذا: “قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت مثل إخوان الصفاء، وتعاونهم فاضرب لي مثل العدو الذي لا ينبغي أن يُغترَّ به وإن أظهر تضرُّعًا وملقًا، وأخبرني عن العدو هل يصير صديقًا، وهل يوثق من أمره بشيء، وكيف العداوة وما ضررها، وكيف ينبغي للملك أن يصنع إذا طلب عدوه مصالحته.
قال الفيلسوف: مَن اغتر بالعدو الذي لا يزال عدوًا أصابه ما أصاب البوم من الغربان، قال الملك: وكيف كان ذلك؟ (ص: 126) يتكرّر حضور الملك مع كل مفتتح باب، يأتي الملك بالمثل، ويريد من بيبدبا أن يضرب له مثالًا عليه، ويجيبه بيدبا بالحكمة، لكن الملك يريد التوضيح والاسترسال فيحفزه بقوله: وكيف كان ذلك؟
كما يأتي حضور صوت دبشليم الملك أيضًا داخل الحكاية نفسها فعندما اختتم بيدبا حكايته بجملة تشويقية هكذا: “من أمثال ذلك السنور والجرذ اللذان اصطلحا لما وقعا في ورطة شديدة”، فيأتي صوت الملك المتلهف إلى الاستماع للحكاية متسائلًا: ”وكيف كان ذلك؟” وهي ذات الجملة التي كان يكرّرها شهريار لحثّ شهرزاد على استكمال حكايتها فيقول: “وكيف كان ذلك؟” رغبة في الاستماع ومنح الراوي الإذن بالشروع في السّرد، وهو نفس ما فعلته شهرزاد مع أبيها عندما حكى لها حكاية “الحمار والثور وصاحب الزرعة”، فتساءلت: “وماذا جرى لهما يا أبتِ؟” كنوع من الفضول لمعرفة مصيرهما الذي حذّرها أبوها من أن تلقاه بإقدامها على الزواج بالملك. يتكرّر سؤال المعرفة الذي هو في الأساس إبداء رغبة في الحكي والاستماع، عندما يطلب دبشليم الملك من بيدبا أن يحكي له عن إخوان الصفاء، فيصوغ بيدبا حكمة مفادها: “إن العاقل لا يعدل بالإخوان شيئا فالإخوان هم الأعوان على الخير كله”. ثم يضرب مثلًا بالحمامة المطوقة والجرذ والظبي والغراب، فيقول الملك” وكيف كان ذلك؟”
هل معنى هذا أن الملك كان حاضرًا أثناء كتابة الكتاب، وليس كما جاء في مقدمة الكتاب بأن بيدبا اختلى مع تلميذه لمدة حول، ثم جاء بالكتاب للملك؟
في الحقيقة كما هو معلوم أن بيدبا انفرد بكتابة الكتاب مع تلميذه، الذي كان يُملي عليه ما يقوله، وأن الملك أعطاه فسحة من الوقت للخلوة بنفسه لكتابة الكتاب، ولم نسمع من الملك قبل اختلاء بيدبا مع تلميذه للكتابة بأن فرض عليه شروطًا، أو أوصاه بشيء، أو حثّه على أن يذكره مع كل باب من أبواب الكتاب، بل ترك له الأمر يفعل ما يشاء، طلبه كان واضحًا ومحدّدًا، وهو كتابة كتاب يُخلّده، ويبقي له “ذكرًا على غابر الدهر” دون أن يفرض أية شروط أخرى، أو أية تفاصيل ترتبط بكيف يكون هذا الذكر والخلود، ومن ثمّ، فحضور الملك مع مفتتح الأبواب، بالسؤال والاستفسار، هو من بنات أفكار بيدبا، أما لماذا جاء هذا الحضور؟ فقد جاء كحيلة من بيدبا ليحقّق عدّة أهداف هي:
أولاً: الالتزام بشرط تخليد الملك، فكيف يُخلّده إذا لم يذكر اسمه، كما إن تذكير الاسم لا يكفي، إذن ما الحل؟ الحل كما فعل بيدبا بأن حرص على أن يخلق له وجودًا، وصيغة فاعلة، وكأنّ الحكي كله وضرب الأمثلة بناء على طلب الملك، فاستحضره، وجعله هو الذي يختار الموضوع في كل باب، فالخلود السردي هو الأبقى.
ثانيًا: من المعروف أن الحكاية لا تسرد إلا بوجود مُحفّزات لها، والمحفِّز أو الملهم كما عرفنا في الليالي هو الذي جعل الحكايات تتوالد، ومن ثمّ، والكتاب جاء في صيغة حكايات فلسفيّة كان لا بدّ من محفّز وملهم لها، فأعطى بيدبا للملك دورَ المحفزّ على نحو ما فعلت شهرزاد مع دنيا زاد، بأن كانت هي المحرِّضة لها، على قطع طول الليالي بالحكايات، لم نعرف عن دنيا زاد شيئًا سوى أنها أخت شهرزاد، ولولا الدور الذي أعطته لها شهرزاد لكانت صارت مجهولة، مثل زوجة شهريار التي خانته، والتي لا نعلم عنها شيئًا سوى ما حدث من خيانة، ونفس الشيء حدث مع شهريار الذي استطابته الحكايات، وأخذ هو يستحث شهرزاد على الحكي بجملته الشهيرة “كيف حدث هذا؟”.
ثالثًا، إن الرّسائل المبطّنة التي حكاها بيدبا على لسان الحيوان، هي رسائل سياسية عن الحكم وأصوله، والعدل وغيرها، ولا يمكن أن تمرَّ هذه الرسائل إلا إذا كانت محصّنة بشخصية أعلى، ومن ثم كان حضور الملك، كحصانة لهذه الحكايات وتمريرها دون أن يقع ما كتبه في دائرة الحظر والمنع، أو يقع الكاتب نفسه تحت دائرة السخرية من الملك أو التحريض عليه.
هكذا كانت العلاقة بين الحكيم (بيدبا) والملك (دبشليم)، علاقة بدت في أولها صدامية، وصلت إلى إعدامه، فعدل إلى حبسه، ثم انتهت اعتذار وصداقة، وطلب المشورة، وردّ اعتباره باستوزاره وكتابة منافيستو للحكم الرشيد، رفض أن يمتثل للواقع ويتصالح مع اشتراطات السُّلطة (غير العادلة) التي فرضتها على الرعيّة، أو حتى يبرّر لها هذه التصرفات التي أساءت لميراث أجداده وآبائه، كما رفض التزام الحياد والصمت، وإنما التزم بدوره الحقيقي كمثقف، وعدم الوقوف مكتوف الأيدي، رغم علمه بالمخاطر التي سيتعرض لها جرّاء موقفه الذي اختاره في أن يكون على يسار السلطة، فهو لم يكن ينتمي إلى فئة مثقف النُّخبة الذي يعتزل الناس ولا يشعر بما يَضِيمهم، وإنما كان مثقفًا عضويًّا بتعبير جرامشي، ملتحمًا مع الجمهور يحسُّ بآلامهم، ويعبّر عمّا يعانونه من بطش السُّلطة وتجبّرها، وهو دور تفرضه الكلمة على حاملها، مدركًا مُهمّة المثقف التي هي (كما قال جورج طرابيشي): «أشبه ما تكون بذبابة سقراط: أن يوقظ لا أن يُنيّم، وأن يلسع لا أن يّخدّر»، وهو ما فعله تمامًا، فاستطاع بذكائه وخبرته أن يوظّف إمكاناته كمثقف عضوي لخدمة الشعب، وترويض الملك، هذا هو الدرس المهم، فلم يأخذ من سُلطة المثقف دافعًا لأن ينال من الملك، بل على العكس تمامًا، هو مُدرك لطبيعة سُلم العلاقة الطبقية بين الحاكم والمحكوم، محافظًا على شعرة معاوية، فوصل إلى رأس السلطة مهما كانت ثمة عراقيل للوصول إليها، ومرّر رسالته بالحيلة، ثم بالكلمة، فالنصيحة واجبة من ذوي العقول، وإن سُدّت الطرق المباشرة أمامهم، فالحازم اللبيب مَن سَاس الـمُلْك (أو الـمَلِك) بالـُمدارة والرّفق”، وهو ما فعله الحكيم، وما يجب أن يفعله ذوو الألباب.
اقرأ أيضاً: المُلهم في الليالي














