الحكاية التي تحرس النهر: قراءة جمالية في “آشا: الجعران والقمر”

سمر نور

إنجي همام

لا تقدّم سمر نور في “آشا: الجعران والقمر” رواية تُقرأ بوصفها حكاية عن قرية نوبية واجهت الجفاف، بل تشيّد نصًا يعمل كطبقة ثانية من الوجود، حيث تتحول الحكاية إلى أداة بقاء، ويغدو السرد نفسه فعل مقاومة ضد الفناء، ويصبح النص في جوهره مساءلة عميقة لمفاهيم الزمن، والنوع، والاستمرارية.

​البنية السردية: “حكاية من الله” وتجاوز الزمن الخطي

​تبدأ الرواية بكسر الحاجز بين الراوي والمتلقي من خلال “الترنيمة النوبية” المؤسسة: «حكاية.. حكاية من الله». هذا الاستهلال ينزع عن النص صفة الصنعة الفردية ليمنحه صبغة “الأزلية”؛ فالقصة ليست حدثاً عارضاً، بل هي قدر مكتوب يُستعاد عبر الذاكرة الجمعية. البناء هنا ليس خطياً تقليدياً، بل هو بناء “دائري” يشبه حركة الجعران؛ حيث تبدأ “آشا” من مغارة شهدت يأساً مطلقاً وقراراً بانتظار الموت، لتتحول تلك المغارة إلى رحم ولادة جديد.

​ آشا ونوري: صراع البيولوجيا وانتصار الرمز

إن ​”نوري” كبير القرية وصانع السواقي، هو أيضا الحكيم الذي يدرك أن “صرير الساقية” هو نبض الحياة. وعندما يواجه “نوري” انقطاع سلالة الذكور في قرية “الشباك”، فإنه لا يستسلم للمنطق القبلي السائد، بل يعيد صياغة مفهوم “الملكية” والقوة عبر البنات.

أما “آشا”، فهي المعجزة التي ولدت من رحم جاف لزوجين تجاوزا سن الإنجاب (نوري الستيني وفاتي الخمسينية). إنها لا تمثل فرداً، بل تمثل “البعث”؛ وهو ما يفسر ارتباطها الرمزي بالجعران منذ لحظة ميلادها في “مغارة الجعارين”. آشا هي النقطة التي يلتقي عندها التاريخ المأساوي (موت الأبناء السبعة في الحروب والمجاعات) مع الأمل الأسطوري في بقاء الأرض.

​ ثنائية الجعران والقمر: نظام دلالي للكون

​تستحضر الرواية أسطورة “الجعران والقمر” كمرآة تعكس صراع الإنسان مع القدر والواجب.

​الجعران (الخنفساء): في المخيال الشعبي هو “الكافر” وجامع الفضلات، لكنه في عمق النص هو “المطهر” الذي يجمع آثام البشر وخطاياهم. حركته الدؤوبة في دفع قرص الشمس بعيداً عن القمر ليست إلا تضحية أبدية جعلت منه “تميمة” لآشا.

​القمر: يظهر في الأسطورة كشخصية “ماكرة” ولئيمة استغلت الحب. هذا القمر هو الذي يضبط إيقاع السرد؛ فهو الشاهد على الليالي التي تُروى فيها الحكايات فوق مصطبة “فاتي”، وهو الذي يضيء دروب العودة للمغادرين.

​ اللغة بوصفها طقساً والأنوثة كفعل مقاومة

​لغة سمر نور في هذا العمل هي لغة “وسيطة” تشبه طمي النيل؛ طرية ولكنها قادرة على التحجر في شكل تماثيل. الجمل قصيرة، محملة بشحنات حسية عالية (رائحة المسك في المغارة، سواد بشرة إسحاق وجمال، بياض جلباب نوري).

الرواية تقدم طرحاً “نسوياً” مغايراً؛ فالقهر الذي واجهته نساء القرية تحول إلى “قوة سيادية”. حين يقول نوري: «لن يستطيع رجل أن يرفع صوته في وجه آشا»، فإنه يعلن نهاية عصر وبداية آخر، حيث السلالة تنتمي للأم، وحيث الأنوثة ليست نقصاً بل هي “الأصل” الذي يعمر القرى المهجورة.

“آشا: الجعران والقمر” هي رواية عن “المكان الذي يرفض أن يموت”، من خلال دمج رحلة المستشرق “بوركهارت” مع خيالات “كرم باش” وأساطير “فاتي”، قدمت الكاتبة سمر نور نصاً نقدياً للحضارة والذاكرة، يؤكد أن الحكاية هي التي تمنح الأشياء وجودها، وأن “آشا” ليست مجرد طفلة، بل هي الوعي الجديد الذي ولد من عمق الجبل ليحرس النهر.

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع