طارق فراج
لا تنحصر قيمة الأدب في وظيفته التعليمية أو في نقل الأخبار والوقائع، بل تتعدد وظائفه بتعدد التجربة الإنسانية نفسها. فهو يتيح للإنسان أن يتخيل، وأن يلعب باللغة، وأن يتجاوز الواقع ولو مؤقتا، وأن يتأمل مصيره، كما يمكن أن يتحول إلى وسيلة للاحتجاج وكشف الظلم والدفاع عن الحرية.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الجوانب بوصفها وظائف منفصلة دائما؛ حيث يمكنها أن تجتمع في العمل الواحد. فكتاب «ألف ليلة وليلة» مثلا يمنح القارئ متعة الحكاية وعجائب الخيال، لكنه يطرح أيضا أسئلة السلطة والخوف والنجاة والعدالة. وتبدو رواية غسان كنفاني، «رجال في الشمس»، عملا ملتزما سياسيا، لكنها في الوقت نفسه مبنية على رموز فنية وتكثيف سردي لا ينتقصان من قيمتها الجمالية.
التوافق الوجداني واستمرار التلقي:
يمكن الحديث عن التوافق الوجداني بوصفه قدرة العمل الأدبي على إقامة صلة بين تجارب بشرية تنتمي إلى عصور وثقافات مختلفة. وقد أشار جوته إلى أوجه التوافق والتناغم بين ظواهر وأحداث متباعدة، وهي فكرة ترتبط بمفهومه عن «الأدب العالمي». غير أنها لا تبلغ، بالمعنى الدقيق، مرتبة نظرية مكتملة تقول إن كل عمل عظيم يهز وجدان القارئ في كل عصر؛ ولذلك فالأدق ربطها بفكرة التناغم الإنساني العميق وبمفهوم الأدب العالمي، لا بتعريف اصطلاحي ثابت.
من المهم كذلك ألا ننسب إلى سارتر «نظرية التزامن» بوصفها نقيضا مباشرا لهذا المفهوم. ففي كتابه «ما الأدب؟» يرى أن الكاتب يكتب من داخل وضع تاريخي واجتماعي محدد، وأن الكتابة فعل موجه إلى قارئ وجمهور بعينهما. لكنه لا يقول إن الكاتب لا يخاطب إلا أبناء عصره أو وطنه أو طبقته؛ فالعمل قد يتجاوز سياقه الأول، ويعاد تفسيره في عصور وثقافات مختلفة.
ومن أبرز الأمثلة على استمرار الفاعلية الأدبية مسرحيات شكسبير، ورواية «دون كيخوته» لميجيل دي ثربانتس، و«الكوميديا الإلهية» لدانتي. ولا يعني استمرار هذه الأعمال أن موضوعاتها منفصلة عن تاريخها، بل إن خلودها النسبي يرجع إلى قدرتها على الجمع بين الخصوصية التاريخية والأسئلة الإنسانية القابلة لإعادة القراءة.
فرواية «دون كيخوته»، مثلا، ترتبط بسياق إسبانيا في مطلع العصر الحديث، لكنها تثير أسئلة تتجاوز ذلك السياق، مثل العلاقة بين الخيال والواقع، وبين الصورة التي يصنعها الإنسان عن نفسه والعالم الذي يواجهه. وقد أبرزت دراسات العمل تنوع موضوعاته، ومنها التعليم والصداقة والطموح والولاء والصدق، فضلا عن توتره المركزي بين المثال والواقع.
وفي الأدب العربي تمثل «ألف ليلة وليلة» نموذجا واضحا لاستمرار التلقي عبر الثقافات. فالحكايات لا تكتفي بعرض العجائب، بل تستخدم السرد وسيلة للنجاة وتأجيل العنف وإعادة توزيع القوة. وتظل حكايات شهرزاد قابلة لإعادة الكتابة والتأويل، كما يظهر في أعمال عربية حديثة، من بينها رواية نجيب محفوظ «ليالي ألف ليلة» التي أعادت بناء عالم الليالي ضمن رؤية روائية معاصرة.
ويمثل شعر المتنبي وأبي العلاء المعري مثالا آخر على قدرة النص العربي القديم على مخاطبة القارئ الحديث. فالمتنبي لا يقرأ اليوم بوصفه شاعر مدح وفخر فحسب، بل شاعرا للذات والطموح والموت والكرامة، بينما يفتح المعري أسئلة فلسفية حول الحياة والمصير والمعرفة. ولا يعود استمرار حضورهما إلى انفصالهما عن عصرهما، بل إلى قابلية تجربتهما لإثارة أسئلة تتجدد بتجدد القراء.
اللعب الجمالي
توجد صلة مهمة بين الأدب واللعب في فلسفة كانط، لكن من الضروري صياغتها بدقة. فكانط لم يقل إن الأدب كله «لعب للروح»، وإنما تحدث في «نقد ملكة الحكم» عن اللعب الحر بين المخيلة والفهم بوصفه أساسا للتجربة الجمالية. ففي الحكم على الجمال تنشط هاتان الملكتان في انسجام، من غير أن تخضع التجربة الجمالية لمفهوم عملي أو منفعة مباشرة.
ومن هنا يمكن القول إن الأدب يتضمن بعدا لعبيا حين يتيح للكاتب والقارئ تجربة اللغة والصور والأشكال والاحتمالات. فالكاتب لا يستعمل اللغة لإيصال معلومة فحسب، بل يعيد ترتيبها، ويكسر المألوف فيها، ويصنع منها علاقات جديدة.
ويتجلى هذا الجانب في أعمال لويس كارول، ولا سيما «أليس في بلاد العجائب»، حيث يؤدي اللعب بالألفاظ والمنطق إلى بناء عالم عجائبي ساخر. ويظهر أيضا عند خورخي لويس بورخيس، الذي يحول المتاهة والمرآة والكتاب والزمن إلى أدوات لتجريب الأفكار والسرد. أما «لعبة الحجلة» لخوليو كورتاثار، فتجعل القارئ شريكا في تشكيل مسار القراءة من خلال ترتيب سردي غير مألوف.
وفي الأدب العربي تبدو الوظيفة اللعبية بوضوح في بنية «ألف ليلة وليلة». فالحكاية تولد من حكاية، والسرد يتشعب ثم يعود إلى إطاره، وتستخدم شهرزاد التأجيل والتشويق وتغيير وجهة النظر لتبقي شهريار أسيرا لفعل الاستماع. كما تمثل المقامات، ولا سيما مقامات بديع الزمان الهمذاني والحريري، شكلا من اللعب اللغوي؛ إذ تقوم على السجع والجناس والمفارقة والحيلة البلاغية، وتجعل من براعة التعبير جزءا من المتعة نفسها.
وتقدم رواية صنع الله إبراهيم «اللجنة» نموذجا حديثا للعب السردي؛ فهي تستخدم السخرية والتجريد والمبالغة لتكشف آليات السلطة والامتثال. وهنا لا يتعارض اللعب مع النقد، بل يصبح أداة لإنتاجه.
التخييل والانفصال المؤقت عن الواقع
يمثل الأدب أحيانا مجالا للتخييل والانفصال المؤقت عن ضغوط الواقع. فيلجأ القارئ إلى الرواية أو الشعر بحثا عن المتعة أو السلوى أو توسيع مجال الممكن، ويلجأ الكاتب إلى الخيال لإعادة بناء العالم وفق قوانين مختلفة عن قوانين الحياة اليومية.
لكن من الخطأ اختزال هذه الوظيفة في مفهوم «الهروب» وحده. فالعالم المتخيل قد يعوض الواقع، لكنه قد ينتقده أيضا أو يكشف آلياته أو يقترح بدائل له. ولهذا تبدو عبارة «التخييل والانفصال المؤقت» أكثر دقة وأقل إطلاقا للأحكام من عبارة «أدب الهروب».
وتمثل ثلاثية «سيد الخواتم» لج. ر. ر. تولكين مثالا على بناء عالم تخييلي واسع، لكنها لا تقتصر على إبعاد القارئ عن الواقع؛ فهي تتناول السلطة وإغراء القوة والتضحية والصداقة وآثار الحرب. وكذلك لا يصح وصف روايات جول فيرن بأنها هروب محض، إذ تجمع بين المغامرة والخيال العلمي والتأمل في المعرفة والتقدم والاستعمار.
أما الشاعر الإسباني جوستافو أدولفو بيكير، فتقدم قصائده نموذجا للغنائية الرومانسية التي تحتفي بالعاطفة والذكرى والحلم، لكنها تتضمن أيضا قلقا وجوديا وشكا في قدرة اللغة على التعبير. لذلك لا ينبغي تعميم وصف «الهروب» على شعره كله.
وفي الأدب العربي تقدم «ألف ليلة وليلة» واحدة من أوسع تجارب التخييل في التراث السردي العالمي. فقصص السندباد والمدن المسحورة والرحلات إلى العوالم الغريبة تمنح القارئ مجالا واسعا للدهشة، لكنها ترتبط كذلك بأسئلة الرغبة والخوف والسلطة والنجاة. وقد وصفت دراسات حديثة بعض حكاياتها بأنها تتضمن عوالم أخرى ورحلات إلى العالم السفلي ومدنا متخيلة، بما يجعلها أكثر من مجرد سرد للتسلية.
ومن النماذج العربية القديمة قصة «حي بن يقظان» لابن طفيل، وهي عمل فلسفي أندلسي من القرن الثاني عشر الميلادي يبني عالما شبه معزول لكي يختبر أسئلة المعرفة والعقل والدين والمجتمع. فالعزلة هنا ليست هروبا سلبيا، بل تجربة فكرية تسمح بإعادة النظر في المسلمات. ومن النماذج الحديثة رواية عبد الرحمن منيف «مدن الملح»، التي تستخدم عالما روائيا واسعا لتمثيل التحولات العنيفة التي أحدثها النفط في المجتمع والمدينة والسلطة. إنها تستعين بالتخييل، لكنها تفعل ذلك لكي تكشف الواقع لا لكي تلغيه.
الأدب الملتزم
يرتبط الأدب الملتزم بفكرة أن الكتابة لا تقع خارج التاريخ، وأن الكاتب مسؤول، بدرجات مختلفة، عن الطريقة التي يستخدم بها اللغة في العالم. وقد كان جان بول سارتر من أبرز المدافعين عن هذا الاتجاه، ولا سيما في كتابه «ما الأدب؟».
ولا يعني الالتزام أن تتحول الرواية إلى خطبة سياسية أو أن تخضع القيمة الفنية للموقف الأيديولوجي. فالأدب الملتزم يظل أدبا، ويحتاج إلى بناء فني وشخصيات وحوار وصور وإيقاع. كما أن الالتزام لا يفرض موضوعا واحدا أو موقفا سياسيا واحدا؛ فقد يكون دفاعا عن الحرية، أو كشفا للقمع، أو تمثيلا للفئات المهمشة، أو مقاومة للنسيان.
ويرى سارتر أن النثر فعل موجه، وأن الكاتب يكشف العالم بتسميته ووصفه، وبذلك يضع القارئ أمام مسؤولية ما يراه. وكان نقده موجها أساسا إلى التصور الصارم لـ«الفن للفن»، لكنه لم يجعل جميع الفنون أو الأجناس الأدبية متشابهة؛ فقد ميز بين النثر والشعر وغيرهما من أشكال التعبير.
ومن أمثلة الأدب الملتزم في الأدب العالمي:
• مسرحية «الذباب» لسارتر، التي تستخدم أسطورة أوريست لمناقشة الحرية والمسؤولية والمقاومة.
• مسرحية «الأيدي القذرة» لسارتر، التي تطرح التوتر بين المبادئ السياسية والممارسة الحزبية.
• رواية «عناقيد الغضب» لجون شتاينبك، التي تنتقد الفقر والاقتلاع والاستغلال الاقتصادي، وتتعاطف مع العمال والمهاجرين.
• شعر بابلو نيرودا السياسي، الذي ارتبط بقضايا التحرر ومناهضة الفاشية.
• مسرحية «بيت برناردا ألبا» لفدريكو جارثيا لوركا، التي تكشف القمع داخل الأسرة والمجتمع، وبخاصة قمع النساء والرغبة الفردية. وهي لا تقتصر على إدانة المجتمع الإسباني، بل تشتغل أيضا على السلطة والشرف والمراقبة والبنية الأبوية.
ويزخر الأدب العربي بنماذج بارزة لهذا الاتجاه. فرواية «الأرض» لعبد الرحمن الشرقاوي تصور صراع الفلاحين مع ملاك الأرض والسلطة، وقد وصفت ضمن تيار الواقعية الجديدة والأدب السياسي الملتزم في مصر في خمسينيات القرن العشرين. كما تناولت أعمال يوسف إدريس مشكلات الفقراء وسكان الريف والمهمشين.
وتقدم أعمال نجيب محفوظ نموذجا أكثر تركيبا؛ فـ«الثلاثية» ترصد حياة أسرة قاهرية عبر أجيال متعاقبة، وتربط الحياة الخاصة بالتحولات الاجتماعية والوطنية والسياسية. أما «اللص والكلاب» فتستخدم قصة الانتقام لتناقش الخيانة والعدالة والاغتراب وانهيار العلاقة بين الفرد والمجتمع.
وفي فلسطين يمثل غسان كنفاني نموذجا واضحا للأدب الذي يجمع بين الجمال والالتزام. ففي «رجال في الشمس» لا يكتفي بتسجيل مأساة اللاجئين، بل يبني رمزا مركزيا حول الصمت والعجز وفقدان الفعل. أما محمود درويش فقد جمع في شعره بين المقاومة السياسية والتأمل في الحب والمنفى واللغة والموت؛ ولذلك لا ينبغي اختزاله في وظيفة الشاعر السياسي وحدها. فقد ظل الشعر عنده فعلا لغويا وجماليا، إلى جانب كونه وسيلة للدفاع عن الهوية والحرية.
الرغبة في البقاء والخلود الرمزي
يندرج تحت هذا الجانب وعي الأدباء بإمكان أن يستمر العمل بعد موت صاحبه. ولا يعني ذلك أن كل كاتب يكتب بقصد صريح ومباشر نحو الأجيال القادمة، بل إن بعض النصوص تكشف رغبة في بقاء الاسم أو القصيدة أو الذاكرة.
ويقدم ستاندال مثالا واضحا على الوعي بالقارئ المستقبلي؛ فقد نسب إليه قوله إنه سيفهم في عام 1880، كما ارتبط اسمه بتوقع اعتراف متأخر بأعماله. والأدق أن نقول إنه كان يتوقع تأخر تقدير أدبه، لا أنه كتب كل أعماله حصريا من أجل «مجد لا يفنى».
وفي الأدب اللاتيني يعلن هوراس، في القصيدة الثلاثين من الكتاب الثالث من «الأود»، أنه أقام لنفسه نصبا أبقى من البرونز. فالشعر، في تصوره، يستطيع أن يمنح الشاعر بقاء رمزيا يتجاوز فناء الجسد. ولا يعني ذلك خلودا حرفيا، بل استمرار الاسم والعمل في الذاكرة الثقافية.
وتقدم سوناتات شكسبير، ولا سيما السوناتتان 18 و55، تصورا للشعر بوصفه حافظا للجمال والذكرى. غير أن السوناتات مجموعة متعددة الموضوعات والأصوات، فلا ينبغي اختزالها كلها في فكرة الخلود الشعري.
أما بورخيس فالفناء والذاكرة والخلود موضوعات متكررة في أعماله، لكن موقفه منها معقد ولا يصح اختزاله في القول إن الكتابة تنتصر ببساطة على الموت. فهو يختبر أحيانا رغبة الإنسان في الخلود، ثم يكشف ما تحمله هذه الرغبة من غرور أو تناقض.
وفي الأدب العربي يتجلى الوعي بالخلود الشعري في شعر المتنبي، الذي جعل من الشعر والذكرى والاسم جزءا من بناء الذات. وتكشف القراءات الحديثة لشعره أن الموت عنده لا يمثل نهاية بيولوجية فحسب، بل يرتبط بالكرامة والمجد والهوية، وأن الشاعر يبحث عن بقاء لغوي ورمزي عبر الشعر. ويحضر هذا البعد في قوله:
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
فالبيت لا يقدم سيرة ذاتية فحسب، بل يصوغ هوية شعرية تريد أن تبقى في الذاكرة، إذ يجمع الشاعر بين السيف والقلم ليجعل من نفسه حقيقة معروفة للمكان والزمان معا.
ويمثل أبو العلاء المعري نموذجا مختلفا؛ فخلوده لا يقوم على تمجيد القوة أو الشهرة، بل على بقاء السؤال الفلسفي والنبرة النقدية. وقد ظل شعره ورسائله، ومنها «رسالة الغفران»، حاضرين لأنهما يواجهان قضايا الموت والشك والمعرفة والشر مواجهة فكرية عميقة. ويكفي أن نتذكر بيته المشهور الذي يدعو فيه إلى خفة الوطء على الأرض لأن ترابها من أجساد من سبقونا، لندرك كيف تتحول فكرة الفناء عنده إلى تأمل إنساني يتجاوز عصره.
أما محمود درويش فقد جعل من الشعر وسيلة لحفظ المكان والاسم والذاكرة الجماعية، حتى بدا بقاء القصيدة شكلا من أشكال مقاومة المحو. ويبرز ذلك في «جدارية»، وهي نص طويل يواجه فيه الشاعر فكرة الموت ويجعل من اللغة والذاكرة سبيلا لمقاومة الفناء.
وختاما نقول إن هذه الجوانب تكشف أن الأدب لا يؤدي وظيفة واحدة. فهو قد يكون توافقا وجدانيا بين أزمنة مختلفة، ولعبا باللغة والمخيلة، وتخييلا يوسع حدود الممكن، والتزاما بكشف الظلم، ورغبة في مقاومة الفناء عبر الذاكرة.
غير أن هذه الوظائف لا تعمل منفصلة بالضرورة. فقد تجتمع في النص الواحد عناصر اللعب والالتزام والخلود، كما في «ألف ليلة وليلة»، أو عناصر التخييل والنقد السياسي، كما في «مدن الملح»، أو عناصر المقاومة والجمال والذاكرة، كما في شعر محمود درويش. ومن ثم فإن قيمة الأدب لا تقاس بمدى خدمته وظيفة واحدة، بل بقدرته على الجمع بين التجربة الجمالية والأسئلة الإنسانية والتاريخية التي تمنحه قابلية البقاء وإعادة القراءة.

















