د. سارة حامد حواس
في رواية ” زمن سعاد”، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، يرجع بنا الدكتور خالد منتصر إلى حقبتي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، مُشيرًا إلى بعض الظواهر السياسية والاجتماعية التي ظهرت في ذلك العصر، خصوصًا بعد نكسة ١٩٦٧ أي في فترة رئاسة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر مُرورًا بالرئيس المصري الراحل أنور السادات وتأثر المجتمع المصري بالحركة الوهابية التي ظهرت بوضوح بعد سفر العديد من المصريين إلى منطقة الخليج، وظهور الجماعات الإسلامية التي انتشرت بسرعة في عروق المجتمع المصري و انتقلت بعد ذلك إلى المؤسسات الحكومية والجامعات والمدارس.
”زمن سعاد” وهو عنوان الرواية، يشير إلى زمن الفنانة المصرية الراحلة سعاد حسني، أي الزمن الذي اشتهرت فيه، وأيضا الزمن التي انطفأت فيه ورحلت عام ٢٠٠١، لكن الدكتور خالد منتصر لم يتخذ منها بطلة لروايته كما التبس عند بعض القراء عند رؤيتهم صورتها على غلاف الرواية، لكنه اتخذها خلفية سياسية وتاريخية وثقافية للفترة التي أراد أن يُلقي عليها الضوء.
وفي الوقت نفسه، لم يبعد خالد منتصر عن سعاد حسني الفنانة وأشار إليها في بعض المواضع حيث تكلم عن علاقتها بالفنان عبد الحليم حافظ وبالمجتمع الذي كان يتعامل معها فقط كامرأةٍ فاتنة ذات جسدٍ ممشوق وعينين يذوب فيهما الرجال.
تحدث أيضًا عن علاقتها الطيبة وتأثرها بالشاعر المصري صلاح چاهين.
ذلك الرجل الذي كانت تتكئ عليه في أزماتها وتثق فيه وفي حكمته. لذا، فإنني أرى أن العنوان كان اختيارًا صحيحًا ومُناسبًا للرواية.
والرواية تنقسم إلى تسعة عشرة فصلًا، كل فصلٍ على لسان بطل من أبطال الرواية وهم: سُعاد وهي صديقة الفنانة سعاد حسني، راقصة في فرقة رضا للفنون الشعبية التي أُصيبت في قدميها وهي في حفل بروسيا، وتوقفت عن الرقص فأُصيبت باكتئاب وزوجها فارس الأشموني الفنان التشكيلي الذي كان يرسم ”سميرة” والدة سعاد، ووقع في حب ابنتها سعاد فتزوجها وأنجب منها توءمًا طارق وسلمى. طارق الذي انضم إلى الجماعات الإسلامية بعدما تزوج من خديجة وسلمى الابنة الحرة التي تخصصت في الطب النفسي وعندما وقعت في حب ابن الجيران أيمن الذي تخصص أيضا في الطب ولكن في تخصص مختلف وهو النساء والتوليد، لكنه كان بهائي العقيدة، ولرفض المجتمع زواجهما، اضطرا للسفر إلى هولندا ليتزوجا
وأنجبا هناك كما كانوا يسمونها ”سعاد جونيور” اقتداءً بسعاد حسني التي كانت سلمى ترى فيها شقاوة وذكاء وجمال وموهبة الفنانة سعاد حسني.
أحداثٌ ومشادات تتوالى بين الأخ والأخت طارق وسلمى بين أخ متشدد ومتزمت وبين أخت حرة منطلقة وناجحة ومتحققة في حياتها وبين الأب فارس الذي سافر إلى الخليج وتخلى عن روح الفنان والخضوع إلى شروط شركة لا ترضى برسم جسد طفل صغير على علبة زبادي لأنه حرام! وبين الأم سعاد الضويني التي فقدت روحها وذاتها عندما فقدت قدرتها على الرقص لإصابة في القدم.
من أكثر الأشياء التي أعجبتني في هذه الرواية هي ثقافة الكاتب الدكتور خالد منتصر ومعرفته المتنوعة في الفن التشكيلي حتى عندما كان يتحدث عن محمود سعيد الفنان التشكيلي المصري الشهير الذي زرت متحفه في الإسكندرية العام الماضي وتأثرت كثيرًا بما رأيته من بورتيريهات فائقة الجمال، كان يذكر تفاصيل اللوحات كأنه هو الذي رسمها غير أنه ذكر في الرواية بعض اقتباساتٍ من حوارات محمود سعيد عن الفنان التشكيلي: ”اللوحة التي أرسمها لواحدة منهن تجعلني أدرك الحاجة التي لا تقاوم للتعبير عن عالم كامل من الرؤى والأحاسيس”. (ص.٤٠)هذه العبارة من رسالة من محمود سعيد لصديقه هنري ١٩٤٢.
كما أنه تحدث عن الفنان حسين بيكار وهو أحد رواد الفن التشكيلي في مصر والعالم العربي، حتى عندما تحدث عن أحاسيس البطل فارس الأشموني وهو يرسم بمتعة وعندما فقد قدرته على الرسم من روحه بسبب وأد أفكاره لأسبابٍ متعلقة بالخلفيات الدينية التي كان يعيش فيها وقتذاك. كما ظهر تأثر خالد منتصر بالشعر العربي والغربي وتمثل ذلك في ذكره لبعض أبيات من الشاعر المصري صلاح جاهين والشاعر الأمريكي والت ويتمان والشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث، كلٌّ في سياقه داخل الرواية. كما أعجبتني كثيرًا نهايات الفصول. فكل فصلٍ ينتهي عند جملةٍ تجعلك تكمل الرواية رغما عنك وتشدك إلى نهايتها خطوة بخطوة من دون ملل أو استعجال. وما يشدني بشكل عام في الروايات التفاصيل الدقيقة، لأنني أعرف منها شخصية الراوي وبصمة روحه والمدى الذي ينطلق منه وإليه. فالرواية ليست حكاية فحسب، بل روحٍ لها نبض وتفاصيل وعادات وطقوس يكتبها الراوي عاكسًا خبراته الحسية والروحية والمعرفية التي تصقل الرواية ولا تثقلها.

















