عاطف محمد عبد المجيد
حكمة أبي
ذات مرة قال لي أبي، رحمه الله رحمة واسعة: اللي يِخطّي خطوة مش قدّه يِتْمزِق يا ولدي ، وما يعنيه أبي هنا هو أننا علينا أن نعرف قدراتنا بشكل جيد، لا أن نجري وراء وهْم، ظانين أننا نستطيع أن نفعل كل شيء، بينما نحن في الحقيقة لا نستطيع أن نفعل أي شيء. صحيح أن الطموح مطلوب وبشدة ولا تستقيم أي حياة سوى بطموح يشعل فيها جذوة الحياة وروحها كلما خبت أو خفتت شعلتها، لكن مع وجود الطموح لا بد من وجود وسائل وأساليب تمكننا من الوصول إلى ما نريد، أما أن نبالغ في الأمل، أن نترك عقولنا للخيال، دون أن نتكئ على قاعدة صلبة من القدرات الفعلية فهذا ليس سوى حلم سيتبخر ما إن نصحو من النوم.
دعاء أمي
كانت أمي، أمد الله في عمرها وعافاها مما تشكو منه، تدعو لي قائلة روح يا ولدي ربنا يكفيك شر المستخبي في الغيب ، وهذه دعوة ما أجملها! خاصة ونحن نعيش في زمن يلد كل ثانية مصيبة، ويزداد فيه سوء الأيام يومًا بعد يوم، حتى أننا صرنا نتحسر على ما مضى من أعمارنا. لكن هل سيعود الزمن إلى الوراء مرة أخرى؟ بالطبع لا، وهذا ما لن نفكر في الحلم به، فما مضى لن يعود ولا في الأحلام. كل ما نرجوه هو أن يتحسن حال الزمن، أن يعود جميلًا كما كان، وألا يكون عشَمنا في هذا، كعشم إبليس في الجنة، كما تردد أمي.
سعاد
هناك أشخاص يتحملوننا مهما حدث منا تجاههم، يغفرون لنا زلاتنا وكل خطايانا التي نرتكبها في حقهم، يغضون الطرف، كثيرًا، عن أفعالنا الصبيانية التي تطفو على السطح لفترة، أو لفترات، في حياتنا ثم تخبو وتتوارى. من خلال هؤلاء نعرف معنى العفو والتسامح، رغم أننا نفعل ما يضايقهم ويُحزنهم. و سعاد واحدة من هؤلاء، أو هي كل هؤلاء بالنسبة لي، إذ كثيرًا ما تحملتني وصبرت على سخافاتي، وانتظرتني حين بعُدت عنها، حتى عدتُ إليها نادمًا عما أجرمت في حقها. سعاد التي إن كنت مدينًا لغيرها بشيء، فأنا مدين لها بكل شيء.
شجارات رؤى
رؤى فرحتي الأولى، يوم أن وُلدت اقتسمتُ وأمها آلامَ المخاض التي استمرت من الثامنة صباحًا حتى الثالثة عصرًا، ولك أن تتخيل حجم القلق والمعاناة، خاصة وهي تجربتنا الأولى. ولدت رؤى، ولم يكن لي شاغل سواها، أراقبها وهي نائمة، أتأمل حركات يديها الصغيرتين، حركات قدميها، تعبيرات وجهها. جاءت فغيرت مفردات الحياة، شغلت هي كل التفاصيل، وبات للحياة طعم ومذاق جميل. رؤى التي كثيرًا ما نختلف معًا، وكثيرًا ما تعترض على أفكاري وآرائي، تناصر المرأة بتعصب شديد، بل يمكنها أن تُلقي بأي شخص يحاول ظلم المرأة من أعلى ناطحة سحاب في أمريكا، لها فكرها الخاص، آراؤها التي لا تستقيها من أحد، تكتب القصة وتقرأ كثيرًا وتنقد ما تقرأ، متفوقة في دراستها، كانت تأمل أن تصبح إعلامية كبيرة ومبدعة أكبر، غير أنها غيّرت مسارها والتحقت بكلية الهندسة جامعة القاهرة. أحب رؤى حبًّا لا حد له، وكثيرًا ما أحاول أن أغيظها بحديثي عن حبي العظيم لجمان أختها الصغرى حتى تغير منها وتعبّر هي عن حبها لي، لكنها لا تفعل. حين أُقبلها يظهر خجلها، وحين أدعوها لحضني تأتي إليه على ظهر الخجل. كثيرًا ما أطلب منها هذا لكنها تقول لي إن التعبير عن الحب ليس بالقبلات ولا بالأحضان. الآن كبرت رؤى، تجاوزت عامها العشرين، نختلف كثيرًا، نتشاجر أحيانًا، نتخاصم ربما، لكن تبقى طوال الوقت أميرتي التي حملتها رضيعة، أحبها وأحترم وأقدر عقلها وفكرها وآراءها.
حُلم عبد الرحمن
إنه الفارس الذي كانت تنتظره كل العائلة، بعد أن بكّرت بأنثى، وبعد أن كان أخي الأكبر قد رُزق بعدد وافر من الإناث. اختارت عمته اسمه، على اسم جد أبيها. ولد وهو يحب الرسم، لكنه ذات حصة تربية فنية، حاول أن يُري معلمته في المدرسة إحدى رسوماته التي نُشرت له في مجلة قطر الندى، غير أنها، ودون أية كلمة تشجعه بها، وضعت المجلة على المنضدة في هدوء. وهو صغير قال: هيَّ الحياة ليه الواحد ميقعدش فيها والفلوس تيجي لغاية عنده؟ ليه لازم يتعب علشان يجيب الفلوس؟، بينما حينما كبُر اختار مجالًا متعبًا، اختار دراسة العمارة بكلية الهندسة، ونعرف جميعًا مدى التعب الذي يعانيه طالب الهندسة والعامل بها، وهكذا يبدو أنه تخلّى عن فكرته القديمة وتمنيه أن تجيء النقود إليه دون أن يتعب.
صُحبة جمان
آخر عنقودي التي سميتها جُمان، وهي كلمة تعني اللؤلؤ لمن لا يعرف معناها، التي عادت يومًا ما من الحضانة وهي في قمة سعادتها، وحين سألتها عن السبب قالت لي إن ميس الحضانة لم تكلفها بأية واجبات منزلية، تخوض معركتها هذا العام مع الثانوية العامة، داعيًا الله تعالى لها بالتوفيق والنجاح الباهر تكليلًا لكل جهودها وتعبها في كل سنوات تعليمها الماضية، كانت وهي صغيرة تنتبه لكل شيء، كأنها حكيمة متأمِّلة، لا شيء يمر عليها مرور الكرام. ذات مرة، وهي في سنواتها الأولى، ونحن نتحدث عن إبليس قالت ربنا عسل وأمّور ، هكذا رأت الطفلة الله تعالى، ومرة، وهي التي لا تحب السمك ولا تريد حتى أن تشم رائحته، أخبرتها أنني سأبحث، على جوجل، عن فوائد السمك، فقالت لي ضاحكة يا رب تطلع فوائد وِحْشة! . جمان، لحبها لي ولما تفعله معي، هي الإنسانة الوحيدة التي لو قيل لي إنني كُتب عليّ أن أعيش في جزيرة منعزلة، وليس مسموحًا لي إلا باختيار شخص واحد يرافقني إلى تلك الجزيزة ويعيش معي، فستكون هي هذا الشخص.
تساؤل عاطف
ككثيرين ممن يمتهنون حرفة الكتابة، أو يتخذونها كهواية محببة إلى نفوسهم، أظل مثقلًا بتساؤلاتٍ مُؤرِّقة تتعلق بفعل الكتابة، أتساءل عادةً، عن ذلك المجهول الذي دفعني بقوةٍ إليها، وما هي المغريات، أو الإغراءات، التي زيَّنتْ لي طريقي إليها، فارشةً إياه بالورود والياسمين. ليس هذا وحسب، بل أتساءل أيضًا عن جدوى ما أقوم به، وهل هنالك مِن صدًى لكتاباتي؟ أمْ أن الأمر لا يتعدَّى حدود النفخ في القِرَب المقطوعة أو ذرّ الرماد؟











