التشكيل العراقي المعاصر في كتاب مروان ياسين الدليمي: قراءة نقدية

marwan yasseen

بولص آدم

   صدر حديثًا عن دار ماشكي، وبدعم من جمعية التشكيليين العراقيين في بغداد، كتاب «الفضاء التشكيلي: الانزياح الجمالي في التشكيل العراقي المعاصر، قراءة في تجاربه وتحولاته» للكاتب والناقد مروان ياسين الدليمي، بوصفه دراسة نقدية تتناول التجربة التشكيلية العراقية ضمن أفق معرفي وجمالي، يرى إلى اللوحة باعتبارها بنية تفكير بصري تتقاطع فيها الذاكرة مع الرؤية، ويتحوّل فيها اللون من عنصر تمثيلي إلى طاقة لإنتاج المعنى، ومن مادة حسية إلى أداة لإدراك العالم وإعادة تشكيله.

بعد عنوان الكتاب، يطالع القارئ العبارة التي اختارها المؤلف لتتصدر عمله، وهي للفيلسوف والكاتب الأميركي إلبرت هوبارد: «الفن ليس شيئًا، إنه طريقة». وتؤدي هذه العبارة وظيفة المفتاح التأويلي الذي يفتح المنظور النقدي للكتاب، إذ توجه الاهتمام إلى كيفية تشكل العمل الفني وآليات بنائه، وتنسجم مع تصور الفضاء التشكيلي بوصفه نسقًا من العلاقات البصرية التي تتولد داخلها الدلالات، بما يجعل اللوحة مجالًا للتفكير البصري وإنتاج المعنى.

ينطلق الكتاب من مساءلة مفهوم الفضاء التشكيلي بوصفه بنية إدراكية متحولة. فاللوحة تتشكل داخل شبكة من العلاقات بين اللون والكتلة والفراغ والضوء والإيقاع، وتنتج دلالتها داخل حركة التلقي نفسها، حيث يتداخل فعل النظر مع فعل الإدراك، وتتغير الصورة وفق ديناميكية القراءة البصرية.

ويكتسب هذا التصور أهميته من كونه يعيد تعريف وظيفة الصورة في الفن المعاصر، حيث تتحول اللوحة إلى مجال للتفكير البصري، وتصبح العلاقات الداخلية فيها مصدرًا للمعنى. وتنعكس هذه الرؤية على طبيعة التحولات التي شهدها التشكيل العراقي المعاصر، إذ يتجه الاشتغال الفني نحو كيفية بناء الصورة من الداخل، وإعادة تنظيم المرئي داخل وعي المتلقي.

في هذا السياق، يحتل الفراغ موقعًا بنيويًا داخل التكوين التشكيلي. فالفراغ يعمل كقوة تنظيمية تعيد توزيع العناصر داخل اللوحة، ويوجه الإيقاع البصري، ويسهم في إنتاج التوازن بين الكتلة واللون. ويغدو عنصرًا مساويًا للعناصر المادية الأخرى في بناء الدلالة، ويشارك في صياغة خطاب الصورة بدل أن يظل مساحة صامتة بينها. وتتقاطع هذه الرؤية مع تحولات الفن، حيث أُعيد التفكير في العلاقة بين الامتلاء والغياب باعتبارها علاقة إنتاج دلالي. وقد أعادت التجارب الحداثية تعريف الفضاء التشكيلي بوصفه مجالًا مفتوحًا، تتداخل فيه العناصر وتتشكل فيه المعاني عبر التوتر البصري، لا عبر الاكتمال الشكلي.

ويؤسس الكتاب مفهوم الانزياح الجمالي بوصفه آلية مركزية لفهم التحولات داخل التجربة التشكيلية. فالانزياح يتجلى في إعادة تنظيم العلاقات البصرية داخل اللوحة، وانتقال العمل الفني من الاستقرار التمثيلي إلى دينامية داخلية تنتج المعنى عبر التحول. ويتشكل المعنى هنا داخل البنية نفسها، من خلال حركة العناصر وتغير مواقعها البصرية والدلالية.

ويشتبك الكتاب مع مجموعة من الأسئلة المركزية في التجربة التشكيلية العراقية، منها كيفية تحول اللون إلى حامل للوعي، وكيفية إنتاج الفضاء للمعنى، وآليات التوازن بين التجريب الفني وخصوصية الهوية البصرية، وطبيعة العلاقة بين الذاكرة الفردية والجمعية داخل العمل التشكيلي.

ويقدم الكتاب قراءة تحليلية لتجارب ثلاثة وعشرين فنانًا عراقيًا، من بينهم: ضياء العزاوي، مؤيد محسن، رشيد عباس، خليف محمود، حسن حداد، شاهين علي، لوثر إيشو، فلاح العاني، حازم صالح، ديلان عابدين، سبهان الغبشة، نادية أوسي، نسرين الملا، كرار ستار، محمد المندلاوي، طلال غانم، أحمد خليل الربيعي، حكم الكاتب، وجدان الماجد، عماد منصور، علي رشيد، علي نعمة، وضياء ربيع.

وتتوزع هذه التجارب ضمن مشهد بصري متعدد الاتجاهات يعكس تنوع التشكيل العراقي المعاصر، حيث تتجاور الأساليب والتقنيات والرؤى، ويتداخل البحث عن الهوية مع التجريب، وتتحرك الذاكرة البصرية داخل صيغ تشكيلية متغيرة. ويظهر هذا التعدد بوصفه علامة على حيوية المشهد التشكيلي وقدرته على إنتاج أشكال جديدة من التعبير.

ولا يقتصر الكتاب على توصيف هذه التجارب، وإنما يتجه إلى تحليل بنياتها الداخلية، وكشف آليات اشتغالها البصري، وربطها بالسياق العام للتحولات الجمالية في الفن المعاصر. وبهذا تتحول القراءة النقدية إلى تفكيك للبنية التشكيلية من الداخل، وإلى محاولة لفهم منطق الصورة أكثر من الاكتفاء بوصفها.

ويتميز هذا العمل النقدي بدعمه التحليل النظري بنماذج من الأعمال التشكيلية لكل فنان، حيث تُستحضر اللوحات بوصفها شواهد بصرية مباشرة تسند القراءة النقدية، وتمنحها حضورًا ملموسًا. وتتحول العلاقة بين النص والصورة إلى حوار مفتوح، يتداخل فيه المفهوم مع المثال التشكيلي في إنتاج الدلالة.

ويحتل مفهوم الانزياح الجمالي موقعًا مركزيًا في منهج الكتاب، إذ يُفهم بوصفه فعلًا إبداعيًا يعيد تشكيل العلاقات داخل اللوحة، ويمنح عناصرها إمكانات تعبيرية جديدة. وتتحرك لغة المؤلف بين التحليل التشكيلي والتأمل الفلسفي، بما يجعل القراءة امتدادًا للعمل الفني، وإعادة اشتغال له داخل اللغة النقدية.

وتنبع أهمية الكتاب من كونه يضع الأعمال الفنية ضمن سياق تاريخي وثقافي أوسع، ويربط بين التجارب الفردية ومسارات الفن الحديث، مع الحفاظ على خصوصية التجربة العراقية بما تحمله من ذاكرة مكانية وتجربة إنسانية متراكمة.

وفي المحصلة، يقدم الكتاب مقاربة نقدية ترى في الفن فعلًا معرفيًا، وفي اللوحة مساحة للتفكير، وفي الفضاء التشكيلي بنية لإنتاج المعنى، وفي الانزياح الجمالي شرطًا لولادة الرؤية، حيث يتحول العمل الفني إلى طريقة في إدراك العالم وإعادة تشكيله عبر الصورة واللون والفراغ.

بولص آدم

76 مقال
أديب وفنان سينمائي عراقي، من أعماله: ـ كتاب: «ضراوة الحياة الآمتوقعة»، (القاهرة 2010). ـ «اللون يؤدي إليه»، (بغداد 2013). ـ…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع