البناء الزمني للأحداث في مجموعة “شواطئ الغربة” للكاتب خالد السحاتي

khaled sahaty

د. رشا الفوال

مقدمة:

على افتراض أن النصوص القصصية لا تُعتبر كيانات قائمة بذاتها، بل هى معطوفة وتابعة لنص آخر سابق هو النص المكتوب في لاوعي الإنسان؛ فكل حكاية مهما بدت منغلقة في بنائها السردي، تنبثق في جوهرها من شبكة أعمق من الصور والرغبات والذكريات المكبوتة.

 في مجموعة: شواطئ الغربة القصصية الصادرة عام 2019م، عن المكتب العربي للمعارف بالقاهرة، للكاتب: خالد السحاتي، لا نتوقف عند حدود اللغة أو البنية الشكلية، بل ننفتح على ما وراءها من بناء زمني للأحداث، وما يحمله ذلك البناء من تداعيات نفسية ورمزية، حيث يتحول النص إلى مساحة لعب بين الوعي واللاوعي، بين ما يُقال وما يتم كبته، من خلال هذا المنظور وانطلاقًا من مبدأ مثولية النص القصصي وحضوره الكُلي، تسعى القراءة إلى الكشف عن المسارات التي يتركها النص الخفي في ثنايا القصص، وعن الكيفية التي يُعيد بها الكاتب صياغة ذلك النص المقموع أو الغائب في صورة أدبية ظاهرة؛ ولأن البناء الزمني في القصة القصيرة يغدو أحد أهم المفاتيح التي تكشف عن طبيعة هذا الحضور؛ فالزمن في قصص المجموعة لا يسير بالضرورة وفق خط مستقيم، بل يتشظّى بين استرجاع واستباق، أو يتوقف في لحظات مكثفة تتجاوز الترتيب الخارجي للأحداث، ليعكس حركة الذاكرة واللاوعي أكثر مما يعكس تعاقب الواقع. إن تشابك الأزمنة داخل القصص يفتح مجالاً للتعبير عن النص الكامن حيث يطل الماضي المكبوت، أو ينكشف المستقبل بوصفه هاجساً داخلياً، فيتحول البناء الزمنية من مجرد إطار للسرد إلى انعكاس حيّ للتوتر بين الظاهر والباطن. وبذلك تسعى هذه الدراسة إلى تتبّع الأثر الذي يتركه النص اللاواعي في تشكيل الزمن القصصي، وكيف يعيد الكاتب صياغته في بناء فني مكثف يجمع بين اللحظة العابرة وامتداد التجربة الإنسانية في عمقها النفسي.

المحور الأول: البناء الزمني وعلاقة الخطاب القصصي بالواقع

يُشكّل البناء الزمني مُدخلاً أساسياً لفهم طبيعة الخطاب القصصي وعلاقته بالواقع. فالقصة لا تكتفي بعرض الأحداث وفق تعاقبها الخارجي، بل تُعيد تشكيل الزمن بما يتناسب مع رؤيتها للعالم وتجربتها الإنسانية، من هنا يُصبح الزمن في قصص المجموعة أداة فنية ودلالية تتيح للكاتب أن يعيد ترتيب الواقع، فيضغطه أو يُمدده أو يُجزّئه، ليكشف عن مناطق غير مرئية في التجربة الإنسانية. وبذلك يغدو الزمن انعكاساً مزدوجاً؛ فهو من جهة ينهل من الواقع اليومي، ومن جهة أخرى يعيد صياغة هذا الواقع في خطاب أدبي يفتح المجال أمام المتلقي لرؤية الواقع من منظور مختلف، يتقاطع فيه الموضوعي بالذاتي، والحاضر بالماضي، والواقعي بالرمزي.

في خضم البحث عن علاقة الخطاب القصصي بالواقع، نجد أن عملية التواصل في القصة القصيرة تتم بين راو ومتلقي، بالتالي فإعادة خلق مقامات كلامية تعوض غياب المقامات الواقعية، إذ تفترض اللغة وجود فرد راغب وليس متكلمًا فقط(1)، والزمن في تداخله الكلي مع الحدث_ باعتباره العلامة الدالة على مرور الوقائع اليومية_ هو الإطار الذي يشمل كل التفاصيل ويُضفي عليها صفة الانتظام، يتم ذلك من خلال مكون الوصف(2)، اتضح ذلك في قصة: خـربشـــات صبيـانــية حيث يصف لنا الراوي تفاصيل المُعلمة والفصل الدراسي قائلًا: ” منهمكة  طيلة وقتها بالنظر في مرآتها الصغيرة حقيبتها الرمادية الجديدة تنوء بما تحمل من معدات تجميل حشرتها في داخلها بشكل عشوائي، الفصل في حالة يُرثىّ لها، مقلوبًا رأسًا على عقب، الصغار يتراشقون ببـــــقايا الورق المــمزق وقشور البرتقال ويدبرون الحيل الماكرة لبعضهم ”

ولأن الذكريات من أبرز العناصر التي تربط الإنسان بالزمن، إذ تشكّل نقطة التقاء الماضي بالحاضر داخل وعيه الفردي ولاوعيه الجمعي؛ ففي تناولنا للذاكرة كوسيط زمني في قصص المجموعة، نجد أن الزمن يتشظى عبر استدعاء الذكريات، حيث تتحول لحظة الحاضر إلى بوابة تستدعي الماضي أو تكشف عن أثره الكامن في الوجدان، اتضح ذلك في قصة: انتقام، إذ يقول الراوي” رغـم أنـه أطفـأ الشمـــوع  لتـــوه، لـن يبتعد عنها مرةً أخرى، اكتشف أنه دونها لا شىء، وأدرك لماذا استطاعت أن تحتمل صخبه وقسوته وجنونه كل تلك السنوات “؛ فالذاكرة لا تنقل الحدث كما وقع، بل تُعيد صياغته وفق منظور الذات، مما يجعل الزمن القصصي انعكاساً لتجربة شعورية أكثر منه تسلسلًا للأحداث، من هنا تبرز الذكريات كآلية فنية تسمح للكاتب بخلخلة خطية الزمن وإضفاء عمق نفسي على السرد، بحيث يتقاطع الزمن الموضوعي مع الزمن الداخلي الذي يحدده إيقاع الذاكرة وتداعياتها؛ وكأن الماضي ليس مجرد مرحلة انتهت، بل قوة فاعلة في تشكيل الحاضر ورسم ملامح المستقبل داخل النص، إذ يقول بطل القصة: ” ازداد إصرارًا على مواصلة السير، وأقسم أنه لن يعود بدونها “

مع ملاحظة أن الامتداد الزمني يأتي دائمًا مصاحبًا للدلالة المكانية، من هنا ارتكز الفلاسفة على تسميته بالفضاء الضام للأشياء؛ فالزمان والمكان لا انفصال لأحدهما عن الآخر؛ وإذا كان المكان هو الهيكل فالزمن هو روحه التي تخرج به من عالم السكون إلى عالم الحركة والتجدد، بالتالي فالزمن لا يُعد مجرد وعاء محايد لمرور الأحداث، بل أداة فاعلة تمنح الوجود معناه وتحدد إيقاعه. في هذا السياق تعددت الأماكن في قصص المجموعة، مثال لذلك في قصة: شواطئ الغربة إذ يقول الراوي: ” وحــده كان يجلس مشتتا منكس الرأس في غرفة الضيوف بينما زوجته وطفليه   في الغرفة المجاورة يتناولون طعام الغداء “؛ فالمكان بلا زمن يظل معطىً جامدًا، بينما الزمن حين ينساب فيه يمنحه دلالته الحية ويحوّله إلى فضاء سردي قابل للتشكل وإعادة الصياغة. ولعل سرّ حضور الزمن في الخطاب الأدبي للكاتب يكمن في هذه الجدلية بينه وبين المكان، حيث تتبدى القصص وكأنها محاولة لإعادة تنظيم التجربة الإنسانية في بعديها المكاني والزماني معًا.

ولأن الذاكرة تلعب دور الوسيط الخفي الذي يعيد وصل الزمن بالمكان، فالذكريات ليست سوى لحظات زمنية مشبعة بأثر مكاني محدد؛ فكل استدعاء للماضي يحضر محمولًا على صورة مكانية بعينها، وكل مكان في القصص يتلون بزمنه الخاص. يتضح ذلك في قصة: انتشاء، إذ يقول الراوي: ” متسمر على مقعده الهزاز، يطالع صوره القديمة بنهم، تعود به كل منها إلى لحظتها “ هنا تُضفي الذاكرة على القصة بعدًا نفسيًا ورمزيًا يربط الإنسان بعالمه الداخلي والخارجي في آن واحد.

المحور الثاني: البناء الزمني وعلاقته بالحُلم وأنسنة الطبيعة

في القصة القصيرة لا يسير الزمن دائمًا بخط مستقيم، بل يتلوّن بأحلام الشخصيات وارتعاشات لاوعيها، فيغدو الحُلم زمنًا بديلًا يُذيب الحدود بين الماضي والمستقبل، ويجعل اللحظة الواحدة ممتدة بأكثر من معنى، يتضح ذلك في قصة: حُلم إذ يقول الراوي: ” فجأة استيقظ الحب فزعًا من هذا المشهد المزعج، وحاول أن يغفو قليلًا؛ ليحجز مكانًا في حُلم جديد “ في هذا الفضاء الحلمي تتأنسن الطبيعة، فتتخذ ملامح بشرية، وتشارك الإنسان همومه وأحلامه، حتى يصبح الزمن نفسه كائنًا حيًّا، من أمثلة ذلك قصص: ضجيج الصمت، وانتظار، وندم، وزخات. هكذا يتحول البناء الزمني إلى مرآة تعكس علاقة الإنسان بعالمه الداخلي والخارجي، وتجعل من الحلم والطبيعة شريكين في صياغة الحكاية ورسم دلالاتها.

 ربما لذلك نلاحظ أن الأبنية الزمنية عند الشكلانيين الروس قد تمت صياغتها في مجموعة من الأنساق أهمها: التتابع، التضمين، التنضيد، التوازي، الزمن الدائري، ونسق الخلط(3)، فيما اختزل: تودوروف بناء الحدث إلى ثلاثة أنساق بحسب ترابط العلاقات الزمنية هي: التسلسل والتضمين والتناوب(4)؛ فإذا تناولنا البناء الزمني المتتابع باعتباره توالي الأحداث الواحد تلو الآخر مع وجود رابط بينهما(5)؛ لوجدنا أنه يتضح من خلال المشهدية التي تُظهر أبعاد الحكاية وتفاصيل الأماكن مع تداخل زمن الأحداث؛ فيتقدم المستقبل على الماضي أو الحاضر على الماضي، مثال لذلك في قصة: انتظار، إذ يخبرنا الراوي عن توقعات البطل قائلًا: ” الحديقة تخلد إلى النوم، والليل يجلس على ناصية الطريـق في انتظار الرحلة القادمة، بعد لحظات قليلة سيفرح الجميع “.

ونجد البناء المتوازي الذي يتوزع فيه الحدث على محورين أو أكثر مرتكزًا على تعدد الأماكن وتباعدها وتزامن الأحداث، يتم ذلك في قصص المجموعة من خلال التقنيات السينمائية مثل القطع والانتقال من لقطة إلى أخرى، نرى ذلك بوضوح في قصة: ندم ” سألت نبتة الزعتر شجرة الكرز بعفوية: هل يريد هؤلاء لنا الخير أو السلام؟، حملقت  الدبابة في شجرة الكرز بشرز واضح، ثم أطلقت قذيفتها لتجيب عن السؤال، تحول الحقل إلى أشلاء ممزقة من الفروع والأغصان “

وفي البناء الدائري، نرى القصة التي تُسرد منطلقة من نقطة متأخرة في الأحداث، بحيث نبدأ من النهاية ثم نعود إلى الوراء من أجل عرض التفاصيل إلى أن نصل إلى النهاية التي نبدأ منها مرة أخرى، نرى ذلك في قصة: لا شىء، إذ بدأ الراوي العليم الحكاية بقول: ” لا شىء هنا يُشبه حنانها الأسطوري “ وختمها بقوله: ” أرجوك يا أمي انتظري قليلًا، أنا قادم إليك، سأترك كل شىء هنا، واعود لدفئك، فلا تغلقي الباب في وجهي “

ثم نجد البناء الزمني المضمن الذي نعتبره شكل من أشكال اشتغال صيغ الخطاب في تداخلها وتقاطعها في علاقة ذلك بالمحكي(6) والذي يتم من خلاله إدخال قصة في قصة أخرى، اتضح ذلك في قصة: طيف التي بدأت بحكاية الشاب الذي كان” يقوم كعادته في أول كل أسبوع بالتسوق لأسرته “ وأثناء الحكي تم تضمين قصته مع الفتاة التي أحبها” ومن دهشته وارتباك مشاعره نسي أن روحها غادرت الدنيا قبل عشرين عامًا “.

نأتي بعد ذلك لعلاقة المدة الزمنية وحالاتها في قصص المجموعة، تلك العلاقة التي تتمثل في تسريع السرد أو تبطيئه من خلال الوقفة الوصفية والحذف والقفز الزمني والحوار(7)؛ فعلى سبيل الأمثلة، نلاحظ ارتكاز الكاتب على آلية الاستباق في قصة: خربشات صبيانية باعتباره رؤية الهدف أو ملامحه قبل الوصول الفعلي إليه(8)؛ فالمعلمة “بادرت بتلمُس عصا الخيزران، وضربها على الطاولة بقوة لتثير الخوف في نفوسهم”

وآلية الاسترجاع المتعلق بالذات الإنسانية ووعيها الباطن في قصة: انتقام، مع ملاحظة أن من وظائف ذلك الاسترجاع اولًا: إعطاء معلومات عن ماضي عنصر من عناصر الحكاية(شخصية الحبيبة/ إطار الارتباط العاطفي/ عقدة الغياب)، ثانيًا: سد ثغرة ما في النص القصصي(الفقد)، ثالثًا: التذكير بأحداث ماضية وقع إيرادها فيما سبق من السرد.

والخلاصة كتقنية زمنية لجأ إليها الكاتب عندما تناول أحداثًا حكائية ممتدة في فترة زمنية طويلة فقام بتلخيصها في قصة: انتشاء حيث المعلم الذي ” يُطالع صوره القديمة بنهم، تعود به كل منها إلى لحظتها “ وعندما تم تلخيص أحداث سردية لا تحتاج إلى توقف سردي طويل وتسمى بالخلاصة الآنية في قصة: نهاية الحكاية

والارتكاز على ابطاء السرد من خلال المشهدية في قصة: المحفظة  حيث المقطع الحواري المونولوجي والتساؤل عن محفظة الرجل الذي غادر المكتبة، ثم المقطع الحواري الديالوجي بين بطل القصة وأمين المكتبة في اللحظة التي يكاد يتطابق فيها زمن السرد بزمن القصة.

ثم الوقفة الوصفية كتقنية زمنية في قصة: تجليات الأقدار تعمل على تعطيل زمن الحكاية واتساع زمن الخطاب، وللوقفة الوصفية في هذه القصة دورها المؤثر في توضيح الحدث ورسم ملامح الشخصيات وتحديد الزمكان.

خاتمة: في قصص مجموعة: شواطئ الغربة تتحرك الأحداث وفق أزمنة متعددة، ماضية يقوم الراوي باسترجاعها، وأزمنة حاضرة يرصدها مرتكزًا على مكون الوصف، وأزمنة مستقبلية يرجوها مع ملاحظة أن الزمن يأتي دائمًا مصاحبًا للدلالة المكانية.

من خلال ذاكرة الشخصية الرئيسية يتحول الزمن من خطٍّ مستقيم إلى شبكة متداخلة من اللحظات، تتوزع بين الحاضر والماضي وربما المستقبل، فيما يمنح المكان تلك اللحظات بملمسها المادي ومرجعها الواقعي. وبذلك تصبح الذاكرة في قصص المجموعة أداة فنية تعيد بناء الزمن داخل المكان.

يظهر البناء الزمني في هذه المجموعة القصصية كآلية فنية أساسية تكشف عن عمق التجارب الإنسانية، إذ لم يقتصر على تنظيم تعاقب الأحداث، بل تجاوز ذلك ليعكس توتر العلاقة بين الذاكرة والحلم والواقع. فالزمن هنا ليس خطًّا مستقيمًا، بل حركة متجددة تتداخل فيها الاسترجاعات مع الاستباقات، ويتحوّل الحاضر إلى فضاء تتجاور فيه آثار الماضي وتوقعات المستقبل. وبهذا يصبح البناء الزمني مرآة للذات في صراعها مع العالم، ووسيلة تمنح القصص بعدًا دلاليًا يتجاوز حدود الحكاية الظاهرة نحو أفق نفسي ورمزي أرحب.

الهوامش والمراجع:

1_ E. Benveniste problems de linguistique general Gallimard, 1966,”I homme dans la langue” p225

2_ عبد الله ابراهيم، البناء الفني لرواية الحرب في العراق، دار الشوؤن الثقافية العامة، ط1، بغداد، 1988م، ص 17

3_ نظرية المنهج الشكلي: نصوص الشكلانيين الروس، ترجمة: إبراهيم الخطيب، مؤسسة الأبحاث العربية، ط1، بيروت، 1982م، ص122

4_ تزفيتان تودوروف، مقولات السرد الأدبي، ترجمة: الحسين سحبان وفؤاد صفا، مجلة آفاق المغربية، العددان 8 و 9، 1988م، ص45

5_ محمد رشيد ثابت ، البنية القصصية ومدلولها الاجتماعي في حديث عيسى ابن هشام، الدار العربية للكتاب، ليبيا_ تونس، 1975م، ص 38

6_ سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي، المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت_ الدار البيضاء، 1989م، ص 258

7_ مها حسن القصراوي، الزمن في الرواية العربية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، الأردن، 2004م، ص38

8_ أحمد النعيمي، إيقاع الزمن في الرواية العربية المعاصرة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، الأردن، 2004م، ص 51

 

ناقدة مصرية حاصلة على درجة الدكتوراه في الآداب تخصص علم نفس، نالت جائزة أحمد فؤاد نجم فئة الدراسات النقدية. من…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع