البلوز والسينما: مروية الدم والموسيقى في فيلم “Sinners”

sinners

عبدالرحمن إبراهيم

بدأت موسيقى “البلوز” في اكتساب شعبيتها الكبيرة في أوائل القرن التاسع عشر؛ نوتة موسيقية صنعت صخبها من ذات المعاناة التي تشكلت في قهر السود واستعبادهم، جوهرها هو الرجوع إلى الماضي للتحرر من قيود الفكرة ذاتها، أو بالأحرى الوصمة التي بنت حولها أسوارًا لا يمكن أن تعبرها أحلامهم، حتى أصبحت الطريقة الوحيدة التي شعروا فيها بالحرية.

​اللحظة التي تُعزف فيها الموسيقى هي اللحظة التي يجدون فيها شيئًا يمتلكونه، ليس فقط لأن هذا النوع من الموسيقى بدأ بإيقاع حر لا ينفك أن يؤصل لثقافة تشكل نمطها على يسار الواقع الذي فرض عليهم، ولكن لأنها أصبحت أيضًا أحد تفضيلات الرجل الأبيض الذي -للمفارقة – أحب موسيقى “البلوز” ولم يحب من يعزفها.

​الأصالة المتجذرة التي خُلق تراثهم حولها هي هويتهم المفقودة تحت أنقاض النظرة التي يراهم بها مستعبدوهم، وهي ذاتها أيضًا التي اتخذت أشكالًا متعددة في السينما، خصوصًا وأن صورتها الأكثر شيوعًا في السينما الأمريكية تظهر في أشكال العنف التي يعامل بها أصحاب البشرة البيضاء أصحاب البشرة السوداء، من وحشية سادية؛ يمكن أن تكون هي الفكرة المبدئية التي تقوم عليها أغلبية الأعمال التي تتناولها دون أن تتطرق إلى انحرافاتها. لكن بعد مرور قرن ونصف على إلغاء العبودية، بدأ صناع السينما في اتخاذ قالبها التاريخي لحياكة قصص تفتقد في بعضها إلى خطابها المناهض، ولكن حين يتم تصوير وحشية الرجل الأبيض على خلفية واقع الفصل العنصري كمصاصي دماء تروي الدماء عطشهم، يمكن أن يكون ذلك أحد أكثر الصور دقة في وصف تاريخ أكثر عصور أمريكا دموية، والتي ما زالت ترمي بظلالها السوداوية حتى اليوم.

​حانة الأرواح المعذبة

​لعل هذا التصور الرمزي الدقيق هو ما نجح فيه فيلم الرعب Sinners (الخطاة) الذي تدور أحداثه في ثلاثينيات القرن الماضي على خلفية واقع الفصل العنصري في أمريكا، وتحديدًا في دلتا ميسيسيبي، بعد عودة الشخصيتين الرئيستين – التوأمين “سموك” و”ستاك” في القصة – إليها بعد عملهم في مجال العصابات في شيكاغو، ليفتتحوا حانتهم الخاصة التي تعزف موسيقى “البلوز”، مصطحبين معهم عازف البيانو “دلتا سليم” وابن عمهم “سامي” (الذي ستظهر القصة فيما بعد أنه يمثل الشخصية الحقيقية لسام مور، عازف موسيقى البلوز الشهير) الذي يعزفها على جيتار والدهم الميت.

​موسيقى خلقت إيقاعها بالطريقة التي تلائم حدادها، وبالطريقة نفسها خلق الفيلم إيقاعه على نهج موسيقاها. هذه الحانة التي فتحت أبوابها لفلاحين لا تكاد تضمد قوت يومهم جروحهم بقدر الموسيقى، أصبح فيها الرجل الأبيض الذي تجسد في الروح الشريرة التي تطارد هذا العرق المختلف يمتص دماءهم، ليحولهم إلى أشباح لا تعي ذاكرتها بالقدر الذي تعي فيه أن تكون مسوخًا مشوهة، قد سُلب منها هويتها بالقدر الذي سُلب منها حياتها.

​المجاز وسياسة الأفكار

​لا يتعامل “الخطاة” مع مصاصي الدماء بوصفهم أشباحًا هدفها إثارة الرعب، ولكن كأدوات يتم استخدامها بوعي لصناعة حوار تتضمنه المجازات بكل أصولها الثقافية والسياسية والاجتماعية، ترمي بظلالها أيضًا على واقع اليوم المقسم بين مواطنين ومهاجرين تشكل نزاعاتهم الآن امتدادًا لأصول سياسات أمريكا التاريخية والمتجذرة في واقع الفصل العنصري بكل أشكاله. لا ترتق القصة فيها جروحها بقدر ما تحاول حياكة أيديولوجيتها بنجاح.

​فهنا يعلن صناع العمل منذ البداية وبكل صراحة أن قصة الفيلم هي إدانة صريحة للبيض وليست قصة كرتونية أو مقتبسة من مجلات “كوميكس”، لكنها لا تنفق الأفكار في وسيط من الثرثرة أو الوقوع في فخ البكائية الفجة، بل تتخذ من الأصالة جوهرًا لامتداد تاريخ هذا العرق المضطهد، بأسلوب ممنهج منذ البداية لرأب أي صدع قد يحدثه تصنيف العمل.

​حتى مشاهد الرعب التي لم تظهر إلا في منتصف الفيلم، لم تأتِ أيضًا إلا في سياق فكري متمثل في إشكالية مضادة؛ فهنا المهاجر الأيرلندي الأبيض الذي له تاريخ سابق من الاضطهاد في سياقات بعينها، يحاول أن يمتثل لدور الجلاد في رؤية راديكالية تكشف تناقضاتها الجوهرية، وتسعى في طرحها إلى صياغة مقترح فكري موازٍ لتلك الإشكالية. فشخصية (Remmick) الأيرلندي الأبيض الذي يزور حانة التوأمين ملبيًا نداء الموسيقى – في إشارة واضحة إلى التاريخ المشترك بين العرقين من الاضطهاد – هو ذاته الذي يجمعه تاريخ مشابه، لكنه يبحث عن امتيازات يراها استحقاقًا للبحث عن مكانة أفضل داخل سياق لا يحكمه إلا “سادة أو عبيد”.

​لم تكن الفرضيات التي ساقها العمل من أطروحات فكرية إلا بقدر امتثال القصة منذ البداية لسياقها الأيديولوجي، فرغم أن تصنيف الفيلم يندرج ضمن أفلام الرعب، لكنه انحاز إلى واقع مجازي داخل واقع أمريكا الحقيقي في ذلك الوقت. فرؤية “رايان كوغلر” مخرج الفيلم وكاتب السيناريو لم تقتصر على إنكار أمريكا للعرق نفسه وبناء تحيزاتها وقراراتها بناءً عليه، ولكن بناءً على إنكارها لفكرة التطور الداروينية نفسها، ومن منطقها أن هذا الامتداد العرقي لا يجب أن يصحبه امتداد ثقافي أو حتى مكانة مساوية في المجتمع، وعليه أصبحت العبودية أحد سبل تحجيم قدرته على التطور فكريًا وثقافيًا.

​”البلوز”.. ذراع الموسيقى الخفي

​اكتسبت موسيقى “البلوز” أهميتها في ذلك الوقت كأحد أشكال التمرد على النمط السائد لهذه الفكرة، ووثقت تاريخهم خارج أسوار العبودية في العالم الحر. ورغم أن موسيقاهم تم استغلالها من قبل الرأسمالية البيضاء التي تربحت شركات الإنتاج من وراء بيع أسطواناتها، لكنها ستظل بمثابة ذاكرة حرة محت أثر العبودية تحت أنقاضها.

​مشاهد عزف الموسيقى في الفيلم لم تتوانَ عن رصد هذا التناغم الجسدي الذي لا تنفك أفكاره تتحرر إلا ويتبعها الجسد أيضًا، ويرصد فيها الكادر الحانة بمحدوديتها كأحد أكثر الأماكن حرية؛ فلاحون يبحثون عن ترف ينسيهم شقاء العمل الذي فرضته عليهم دولة بجغرافيتها الواسعة كأنها تكبل الطرق والمساحات مثلما كبلت الأعناق والأيدي، ولا تقبل سن قوانينها إلا بما يلائم إنكارهم للآخر، ووضعه داخل قوالب لا يعي فيها إلا حتمية القبول بمسلماتها، حتى بقي الصراع الذي شُيد على طول بداية قيام الدولة، قائمًا تحت انقسامها.

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع