مروان ياسين الدليمي
1
الأمل الذي يطرقُ بابَ القلبِ كلَّ مساءٍ
ولا يدخل
يتركُ أثرَ كفِّه على الخشبِ
ويمضي.
أراهُ جالسًا عند حافةِ سريري
يهزُّ ساقيه مثلَ طفلٍ عنيد
يُحدِّقُ في ساعتي
حتى تتلعثمَ عقاربُها
فتُخطئَ العدَّ
كلَّما مرَّتْ على اسمٍ
كنتُ قد خبَّأته في درجِ الطاولة.
قصَّتي
هذه التي ربَّيتُها بيديَّ
كما تُربَّى شجرةُ ليمونٍ في فناءٍ ضيِّق
صارتْ تسعلُ في الليل.
أسمعُ خشخشةَ أوراقِها
وهي تتوسَّلُ الماء
لكنَّ أصابعي
ممتلئةٌ بالهواء.
أراقبُها تموتُ ببطءٍ
كشمعةٍ
لا يملكُ صاحبُها شجاعةَ إطفائها.
الضوءُ يبهتُ
والجدارُ يقترب
وظلِّي يطولُ حتى يلامس السقف
ثم يعودُ خائبًا إليَّ.
لم أفقدْها بعد
لكنَّني أفقدُ قدرتي على الحسم.
أمشي في المطبخِ
فتتبعني الكراسي
تسألني بصوتٍ خشبيٍّ:
إلى متى ستتركُ الحكايةَ على النار
دون أن تُنضجها
أو تُلقي بها في الرماد؟ .
النافذةُ تُلوِّحُ لي
كصديقةٍ تعرفُ سرِّي
والشارعُ يُصغي.
حتى الغبارُ
يكتبُ اسمي على الطاولة
ثم يمحوه
كمن يتدرَّبُ على الفراق.
أقولُ لنفسي:
الشجاعةُ ليستْ أن نتحمَّلَ الموت
بل أن نختارَه حين يصيرُ أقلَّ قسوةً
من هذا التأرجح بين سماءٍ لا تمطر
وأرضٍ لا تعترفُ بخطواتنا.
ومع ذلك أمدُّ يدي
فلا أُجْهِزُ على شيء.
أتركُ القصةَ تتنهَّدُ في صدري
وأتركُ الأملَ يتدلَّى كنجمةٍ واهنة
تُضيءُ بما يكفي
كي أرى مرضي
ولا أشفى.
2
في الصباحِ
أوقظُ وجهي من المرآة
فلا يتعرَّفُ إليَّ.
تقولُ لي عيوني:
لقد سهرتَ مع الأملِ طويلًا
وتركتَ الفقدَ ينتظرُ دوره
مثلَ ضيفٍ مهذَّبٍ
يعرفُ أنَّ دخوله حتميّ.
أمشي في الشارعِ
فتتدلَّى الإشاراتُ الضوئيَّةُ من كتفيَّ
حمراءُ حين أفكِّرُ بالحسم
خضراءُ حين أتراجع
وصفراءُ كلَّما مرَّتْ ذكرى
لم تكتمل.
قصَّتي تمشي إلى جانبي
تسعلُ بين الحينِ والآخر
وتشدُّ كمَّ معطفي
كطفلةٍ تخافُ العبور.
تقول: لا تتركني هنا
في منتصفِ الجملة.
لكنَّني أخافُ النقطةَ
أخافُ أن أضعَها
فتنطفئَ الأشياءُ دفعةً واحدة.
أجلسُ في المقهى
الفنجانُ يُحدِّقُ في فمي
كعينٍ داكنة يسألني:
أهذا كلُّ ما تبقَّى من الحلم؟
رغوةٌ خفيفةٌ
تزولُ عند أوَّلِ نفَس؟ .
حتى الكرسيُّ يئنُّ تحتي
كأنَّه يحملُ معي وزنَ التردُّد.
الساعةُ على الجدارِ
تتظاهرُ باللامبالاة
لكنَّها تُبطئُ خُطاها
حين أفكِّرُ بالإجهازِ على الحكاية
كأنَّ الزمنَ نفسه
يخشى قراري.
أقولُ: ما الذي يُميتُنا حقًّا؟
أن نفقدَ
أم أن نُبقيَ البابَ نصفَ مفتوحٍ
كي يعودَ ما لا يعود؟ .
الأملُ ليس ضوءًا فقط
إنَّه خيطٌ مشدودٌ حول العنق
لا يخنقُ بما يكفي
ولا يتركُنا نتنفَّسُ بحرِّيَّة.
في المساءِ
أعودُ إلى غرفتي
تسبقني قصَّتي إلى السرير
تتمدَّدُ بصمت
وتنظرُ إليَّ نظرةً طويلة.
أفهمُ منها كلَّ شيء
ولا أفعلُ شيئًا.
أمدُّ يدي مرَّةً أخرى
تقتربُ الشمعةُ من نهايتها
اللهبُ يرتجفُ
كقلبٍ يعرفُ الحقيقة
وأنا أرتجفُ معه
بين رغبةٍ في الرحمة
وخوفٍ من الفراغ.
وهكذا
يبقى الأملُ معلَّقًا
وتبقى القصَّةُ
تتعلمُ كيف تموتُ ببطء
وأتعلَّمُ أنا كيف أراقبُها
دون أن أغلقَ عينيَّ.
3
في الليلِ الأخير
لا أنام
بل أضعُ رأسي على وسادةِ الفكرة
وأصغي.
قصَّتي تتنفَّسُ بصعوبة
كشيخٍ يعرفُ أنَّ الفجرَ
لن يُعيدَ له شيئًا.
تقولُ لي بصوتٍ خافت:
إنَّ الإنهاءَ ليس قتلًا
بل رحمةٌ مؤجَّلة.
ألمسُ جبينَها
فأشعرُ بحرارةِ الأيَّامِ التي أجلتُها
الرسائلِ التي لم أكتبْها
الاعترافاتِ التي خبَّأتُها في درجِ الصمت.
كلُّها تتجمَّعُ حول سريري
كطيورٍ داكنة تنتظرُ إشارةً
لتغادرَ صدري.
أفتحُ النافذةَ قليلًا
يدخلُ الهواءُ
وفي يده سكِّينُ الفجر.
لا يهدِّدُ
لكنَّه يلمعُ بما يكفي
كي أرى هشاشتي.
أفهمُ متأخِّرًا
أنَّ الأملَ الذي تعلَّقْتُ به لم يكن سماءً
بل مرآةً.
كلَّما نظرتُ فيها رأيتُ خوفي
لا الحلم.
أكثرُ ما يُمرِضُ الإنسان
أن يُطيلَ التحديقَ في ما يحتضر
وأن يُسمِّيَ تردُّدَه وفاءً.
أن يخلطَ بين الصبرِ والعجز.
أقتربُ من الشمعة
لهبُها صار خيطًا رفيعًا
يرتجفُ بين وجودٍ وعدم.
أضعُ أصابعي حوله
لحظةَ تردُّدٍ أخيرة ثمَّ أهمسُ للقصة:
أكثرُ ما يُمرِضُ الإنسان
ليس الفقدُ وحده
بل ذلك الأملُ المُعلَّقُ
كقميصٍ على حبلِ ريح
لا يجفُّ
ولا يسقط.
لا يحدثُ شيءٌ خارق.
الجدارُ يبقى جدارًا
والساعةُ تواصلُ عدَّها
والشارعُ يمضي في ضجيجه.
لكنَّ صدري يتَّسعُ قليلًا
كما لو أنَّ نافذةً سريَّةً
فُتِحتْ في الداخل.
الفقدُ يمرُّ بي هادئًا
يضعُ يدَه على كتفي
لا ليؤذيني
بل ليذكِّرني
أنَّ النهاياتِ أحيانًا
أصدقُ من انتظارٍ
لا يجرؤُ على اسمه.
أجلسُ وحدي
والصمتُ يقتربُ ككائنٍ أليف.
لا أشعرُ بانتصار
ولا بهزيمة.
فقط
أشعرُ بأنَّني أخيرًا
لم أعدْ أشاهدُ قصَّتي تموت.
لقد تعلَّمتُ
أن أكونَ شاهِدًا على نهايتي الصغيرة
وأن أمنحَها قرارا
ما لم أمنحه لنفسي طويلًا .














