استرداف “الصوت” وتعميق البنية السردية للعمل

د. حسني صبحي حسان

تتجاوز فلسفة وفرضيات توظيف الصوت في بنيات العمل الفني لكونه مجرد عنصر تكميلي للصورة، لتصبح أداة تعبيرية دلالية تعمق البنية السردية وتخلق بعدًا عاطفيًا وجماليًا يحاكي الواقع أو يكسره. لذا يعتبر الصوت وسيلة للنفاذ إلى الوجدان، لامتلاكه ذلك التأثير الحيوي لاجترار حواس ووجدان مُحوّلًا التجربة الفنية من مجرد مشاهدة إلى إحساس وتفاعل روحي. 

فلا يقتصر دور الصوت على التفسير، بل يعتبر الصوت مكون رئيس وكيان ذو بعد جمالي سردي لا يقل أهمية عن الصورة، ويمتد ليعضد صياغة الأفكار، والتعبير عن المشاعر وحمل الإحساس بصدق، وتكثيف الحالة الدرامية وتوجيه انتباه المتلقي، والمساهمة في بناء الشخصيات وحكاية القصة، وتعميق الرؤية الفنية للعمل، بما يخلق تجربة سمعية محيطية تنسج بيئة متكاملة 

فارتكل الفنان الحداثي لنسج فضاءات مفعمة جديدة ترتكز علي مواد مطواعة كالألياف المرنة والخيوط البلاستيكية والاسلاك المعدنية واسياخ الحديد وغيرهما. لتفرض عملية التحرك داخل وحدة هذا الفضاء ( فعل الإزاحة ) ( بالأيدي والجسم ) لتسهيل فعل الاختراق والعبور ليغدو الجمهور سابحا بين ثنايا الألياف لما تفتضيه الحركة والتجول من استعمال لجميع الأعضاء انطلاقا لما يتضمنه فعل الاختراق والنفاذ من تفاعل يطبع بدوره ذلك الفضاء. لتقترن بذلك  عملية التفاعل داخل الفضاء بردود فعل المادة الملموسة المرنة التي في حركتها وانثناءاتها يمكن أن تلامس أجزاء مختلفة من الجسد كالأيدي والوجه والجسد… وفي حراكها يمكن أن يخلق التجانس الحركي فيما بينها إيقاعا وذبذبة بصرية داخل العمل أو خارجه .

لذا انحاز الفنان الحداثي في خضم هذا المنحى بإقامة علاقة تفاعلية ما بين المتفرج المتفاعل وأحاسيسه ضمن كينونة العمل لكنه لم يقتصر على حاسّة اللمس بل حاول إقحام جملة من الحواس الأخرى في صلب العملية التفاعلية والمتمثلة في الصوت. وهذا الصدد والتوجه الفني انعكس صداه عند عدد كبير من الفنانين الذين حاولوا البحث في الإدراكات الحسية وفي مجالات تفعيل المدركات وفي الطرق والأساليب لتفعيل جميع الحواس ليتحول الأثر إلى سمفونية متناغمة بين جميع الحواس «فقام الفنانون بالبحث في الإدراك البصري فتطور مفهوم الإدراك الحسي في زمن الرمزية».

فأقحم الفنان عنصر الصوت كعنصر مضاف جديد في بنية العمل الفني، مستثمرا بذلك اطروحات التقدم العلمي والتكنولوجي وما يقدمه ذلك للفنان من خامات ووسائط وبدائل فنيه تغير وتبدل شكل وبنيه العمل الفني، وتسهم في توصيل فكرته ورسالته بإيجاز دون ما وسيط، لتظهر التأليفات والبنائيات الفنية على نحو جديد يحاول من خلالها الفنان أن يصهر المتفرج داخل وحدة بنيته في غنائية مطّردة محاولا جعله متماهيا مع المكتسبات السابقة كالحركة، والاهتزاز، والذبذبة البصرية، وإشراك المشاهد. وبالتالي فإن ذلك ما خلق بين المشاهد والعمل علاقة حقيقية وعميقة إذ أن المشاهد قد ساهم مساهمة شخصية ومباشرة لخلق التأثيرات البصرية التي تجذبه. إن هذه العلاقة يمكن مقارنتها بالعلاقة ما بين الموسيقي وأوتاره فالجمهور «يلعب» دور الفنان.

فعن مجمل أعماله يقول الرائد “سوتو” (بالنسبة لي، إن العمل لا يوجد مستقل عن المشاهد، وعن حركته من خلال هذه الأعمال المخترقة. إن المشاركة تصبح لمسية، وغالبا ما تكون أيضا سمعية، فالإنسان يلعب مع عالمه المحيط. المادة، والزمن، والفضاء هو ثالوث لا يتجزأ، والحركة هي القوة التي توضح هذا الثالوث.

وبالتالي من خلال هذا الثالوث الذي تكون من قبل الفنان يأتي سوتو متلاعبا مع المتفرج ناسجا معه جملة من الأحاسيس التي تنشأ بعل التفاعل مما من شانها ان تخلق تناغما بين المادي واللا مادي فيكون ذاك الأخير هو الحقيقة الأكثر تمثلا لواقع اللحظة التي يكون فيها المتفاعل سابحا بين ثنايا الأزمنة والذكريات تلك التي يحاول سوتو ان يعايشها ويتحسسها في شراكة مع المتفرج عبر تفاعل وتشارك يغدو فيه اللا مادي هو الحقيقة الأكثر تمثلا لهذا العالم).

فجاءت التجهيزات الفراغية للفنان “سوتو” لتعتمد علي أنابيب واسطوانات معدنيه مدلاه من الاسقف داخل قاعات العرض، وفي الهوا الطلق، في تكرارات رأسيه متساقطة رأسياً من قضبان معدنية وخيوط نيلون تبلغ ضعف طول قامة الإنسان لتقوم بغزو الفراغ كله تهزها حركه الجمهور المتواجد بداخلها وجوارها لتتدافع الانابيب محدثه أصواتا متناغمة ذات إيقاع يختلف من مكان لأخر علي حسب قوه التصادم والاهتزاز وتدافع الانابيب وحركه الهواء. كما يملأ الحجرة ” مؤثر صوتي ” كصوت الأنابيب المتدافعة والمحتدمة ببعضها ويصبح هذا الصوت ترميز لاختراق المشاهد ودفع وحداته.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع