تحرير وتحقيق وتقديم: محمد فرحات.
ديوان “إنه الإنسان” ملحمة نجيب سرور الأولى ضد الاستبداد والقهر، دون في تلك التجربة الفريدة تفاصيل حكايته منذ عام 1955 إلى 1961 حين بعثه من قبل الحكومة المصرية للاتحاد السوفيتي، لدراسة فن الإخراج المسرحي، بُعث نجيب سرور وهو عضوٌ ناشط في تنظيم حدتو اليساري، في أوج الصراع بين اليسار العربي والمصري خصوصًا ضد السلطات الناصرية في ذروة لمعَانِها وتوهجها بعد تأميمها قناة السويس وخوض صراعًا عنيفًا مع قوى الاستعمار، انتهت بانتصارها سياسيًا وإعلاميًا، ثم الوحدة مع سوريا 1958، وكان لليسار العربي تحليله الخاص حيال تلك التجربة كونها اتحاد بين أنظمة حكم برجوازية لتوطيد مصالح الرأسمالية، أو على الأقل رأسمالية الدولة، فما كان من نجيب سرور إلا أنه ندد بالوحدة في أحد المؤتمرات السوفيتية الرسمية، مما وضع السلطات السوفيتية في حرج شديد مع صديقها النظام المصري الناصري، فطالبت السلطاتُ المصرية السلطاتَ السوفيتية بترحيل نجيب سرور وصديقه ماهر عسل من ترجم له نص تنديده، ويضغط قوى اليسار العربي في موسكو، رفضت السلطات السوفيتية ترحيل سرور وعسل، فما كان من السلطات المصرية إلا أن سحبت جنسية نجيب سرور وصديقه.
وعلى إثر مشادة بين نجيب سرور وأحد ضباط الشرطة السوفيتية، نفت السلطات السوفيتية نجيب سرور للمجر، مجبرةً إيّاه على هجر زوجه ساشا كورساكوفا وابنه شهدي.
وفي بودابست عانى نجيب سرور الويلات لمدة عام كامل، إلا أن رجاء النقاش الناقد المصري قد كتب عن مأساته في جريدة الجمهورية المصرية تحت عنوان “مأساة فنان مصري في بودابست” استرحم فيه السلطات المصرية أن تعفوَ عن نجيب سرور، فاستجابت السلطات المصرية، وعاد نجيب سرور للقاهرة بعد معاناة شديدة، ولكنها لن تكون المعاناة والمأساة الأخيرة في حياة نجيب سرور.
والديوان لم ينشر كاملًا قبل ذلك على حد علمي، وهو في إطار مشروع طموح لإعادة نشر تراث نجيب سرور، وذلك بعد تبويب تراثه المكتوب بخط يده في أكثر من خمسين ألف ورقة، وتحت إشراف الصديق العزيز فريد نجيب سرور.
ومخطوطة الديوان كانت ضمن تلك الأوراق، وكانت في صورة كراسين خُطّ فيها الديوان بخط فائق الجمال والروعة.
وفي فترة لاحقة تم اكتشاف وثيقة سياسية تاريخية عظيمة كتبها نجيب سرور كمقدمة لديوان إنه الإنسان، وعنونها ب”مقدمة لابد منها” أرخ نجيب سرور فيها للصراع اليساري الناصري في الفترة من 1956- 1961، والكتابة عن ثمانية من شهداء اليسار المصري اللذين قضوا تحت وطأة التعذيب الوحشي من قبل السلطات وقتها.
وهذه النسخة الكاملة من الديوان بمقدمتها القيمة نقدمها لجمهورنا العربي ندعوه فيها لتأمل كيف يصنع الاستبداد بالإنسان، ومحاولة للتطلع لعالم عربي ديمقراطي يحترم الإنسان اللبنة الأولى لبنائه.
محمد فرحات.
الشهداء. أكتوبر 2023.
***

الإهداء..
شهدي عطية،*1
فريد حداد،
محمد عثمان،
رشدي خليل،
سيد أمين،
مصطفى شوقي،
سعد التركي،
على متولي الديب،
شهداء شعبنا البطل،
نجيب سرور
يونيو 1962.
**

“مقدمة لابد منها*”
بقلم نجيب سرور.
أغنيـاتي يا حزينة
يا عصارات السنين،
ستظلين سجينــة،
طالما شعبي سجين!
قلنا إن أحداث هذه القصة تبدأ فى منتصف القرن العشرين.. والحقيقة إنها تبدأ قبل ذلك بزمن طويل، بقرون تمتد فى الماضي السحيق إلى فجر التاريخ. ذلك لأنها قصة شعب قبل أن تكون قصة هؤلاء الثمانية الذين سنتحدث عنهم [*]. إن كلا منهم يحمل في قلبه الكبير خلاصة هذا التاريخ الطويل المجيد المرير.. الحافل بالهزائم والانتصارات.. بالخيانات والبطولات..بالدموع والبسمات.. فليس فى تاريخ الإنسانية جمعاء شعب امتحن بالطغيان ونكب بالسفاحين كما امتُحن ونُكب شعبنا المصري..والذى يلقي نظرة ـ ولو سريعة ـ على تاريخنا منذ بناء “الهرم الأكبر” حتى بناء “المجتمع الاشتراكي الديمقراطي التعاوني” لا يملك إلا أن يتساءل فى دهشة: كيف تأتى لهذا الشعب أن يعيش إلى الآن بالرغم من أن عشرات القرون قد تحالفت على إفنائه.. على هدم كيانه..على اعدام كل مقومات الحياة فيه!
إن هذا اللغز الذي يحير الجميع لا يشكل بالنسبة إلينا ـ نحن المصريين ـ لغزًا.. إن مفتاحه دفين فى صدورنا نحن.. لا فى صدر أبي الهول.. حيث اعتاد أن يبحث عنه المؤرخون والسائحون!.. إننا نعرف مدى حب شعبنا للحياة..مدى شوقه إلى الحرية.. مدى إصراره على البقاء..ومدى طموحه إلى المستقبل..!! يقولون إنه شعب صبور.. أجل نعرف ذلك..ولكنه صبر التربص لا صبر الاستسلام.. إن البركان يلوح للنظرة السطحية هادئًا بينما يغلي فى داخله التنور متأهبًا فى أية لحظة للانفجار.. ليكشف عن جوهره النارى الملتهب!
لا.. لم يركع شعبي أبدًا..
لم يستسلم..
أبدًا.. أبدًا.. لم يستسلم..
فلكم حمل النير..تألم..
كان كتومًا.. كالبركان..
يطوى فى الصدر التنور..
ثم يثور…
ذلك لغز شعبنا..اللغز الذى لم يستطع أعداء شعبنا أن يحلوا رموزه. ومن هنا يفاجأون دائمًا بما فى جوف البركان الهاديء.. من حممٍ.. ويذهبون بحيرتهم.. وبخيبتهم ويبقى شعبنا شامخًا فى كبرياء! إن سر انتصار هذا الشعب على أعدائه.. هو أنه استطاع دائمًا أن يخفي عنهم سره.. أن يخدعهم.. أن يرخي لهم الحبل حتى يشنقوا أنفسهم..أما الفترات التى يسمونها فترات الهزيمة.. فلم تكن فى الواقع إلا فترات التربص والاستعداد والتأهب للانتصار القادم!..
والغريب أن الأعداء اللاحقين كانوا دائمًا يرفضون أن يتعلموا من تجربة الأعداء السابقين.. لأن الطغاة لا يحاولون فقط أن ينسوا التاريخ.. بل ويصرون على طمسه.. لأن التاريخ يحدثهم عن معدن الشعب الذى يريدون قهره.. وعن المصير الذى ينتظر من يريد قهره! إنهم يريدون أن يعتقدوا بأنهم ـ لا الشعب ـ صانعو التاريخ.. صانعوا المعجزات!..
ذلك ـ مثلًا ـ ما يعتقده جمال عبد الناصر.. حين يقول فى كتابه فلسفة الثورة [*]: “إن ظروف التاريخ أيضًا مليئة بأدوار البطولة المجيدة التى لم تجد بعد الأبطال الذين يقومون بها على مسرحه، ولست أدري لماذا يخيل إلى دائمًا أن فى هذه المنطقة التى نعيش فيها دورًا هائمًا على وجهه يبحث عن البطل الذي يقوم به، ثم لست أدري لماذا يخيل الي أن هذا الدور الذي أرهقه التجوال فى المنطقه الواسعة الممتدة فى كل مكان حولنا، قد استقر به المطاف متعبًا منهوك القوى على حدود بلادنا يشير إلينا أن نتحرك، وأن ننهض بالدور ونرتدى ملابسه فان أحدا غيرنا لا يستطيع القيام به…”
ذلك نموذج للفهم الزائف للبطولة.. نموذج للفردية.. للميول الفاشية..لاحتقار الشعب.. فليس خافيًا أن عبد الناصر لا يقصد الشعب المصري حين يقول “إن أحدًا غيرنا لا يستطيع القيام به”.. وما كان يستطيع ـ حتى لو أراد ـ أن يقصد ذلك..فليست للشعب المصري مطامع توسعية فى المنطقة.. التى يحددها عبد الناصر بالدائرتين العربية والأفريقية..إنما يعود الضمير هنا على عبد الناصر نفسه.. وعصابته.. ومن ورائهم البورجوازية المصرية الكبيرة!.. وما سقنا هذه الفقرة إلا لأنها تشكل حجر الأساس فى البناء الاشتراكي الديمقراطي التعاوني.
وحين تكون تلك الميول الفاشية نقطة الانطلاق إلى هذا البناء..يكون من الطبيعي والمنطقي للغاية أن سجون الواحات والمحاريق والفيوم والقناطر وغيرها أعمدة هذا البناء!!.. وحين تكون النظرة الفردية للتاريخ هي نقطة الانطلاق إلى العمل..تصبح الميول التوسعية أمرًا منطقيًا كذلك..ويحدث التطابق بين “الدور” الذي يتحدث عنه عبد الناصر و”الدور” الذي يتحدث عنه هتلر فى كتابه كفاحي* “على الشعب الألماني فى تطلعه إلى المستقبل أن يعتبر بلاده دولة عظمى مدعوة إلى تمثيل دورها على المسرح العالمي”!..
ويصبح قمع الشعب وقهره وارهابه وخنقه قاعدة القواعد التى تُسير جهاز الدولة “العظمى.
وقبل أن نعرض نماذج للبطولة الشعبية الحقيقية فى مقابل تلك البطولة الفردية الزائفة.. دعونا نرى صورة الشعب المصري من خلال منظار عبد الناصر لنضع فى مقابلها أيضًا.. الصورة الحقيقية. إنه يتهم شعبنا بالسلبية واللامبالاة فى كتابه المذكور: “لقد كنت أتصور قبل 23 يوليو أن الأمة كلها متحفزة متأهبة، وأنها لا تنتظر إلا طليعة تقتحم أمامها السور، فتندفع الأمة وراءها صفوفًا متراصة منتظمة تزحف زحفًا مقدسًا إلى الهدف الكبير… ثم فاجأني الواقع بعد 23 يوليو… ولقد قلت وسأظل أقول إن تلك كانت أقسى مفاجأة فى حياتي…”
فبدلًا من أن يعترف هتلر الثاني بأنه لم يكن على اتصال بالجماهير..وبالطابع الفردي الانعزالي غير الشعبي لحركته..نراه يتهم شعبنا بالسلبية واللامبالاة!..إن التفاف الجماهير حول حركة ما “يستلزم ـ كما يقول لينين ـ قيام هذه الجماهير نفسها بتجربتها السياسية..ذلك هو القانون الأساسي لجميع الثورات الكبيرة”..ويقول لينين أيضًا “من الواجب دائمًا أخذ حالة الجماهير النفسية بعين الاعتبار مهما كانت هذه الحالة متخلفة وعدم النقمة على الجماهير بتاتًا”..إن الذى لا يتصل بالجماهير ولا يشرح لها حركته يحكم “على نفسه بالعزلة والجمود”..ولكن ما يسميه عبد الناصر سلبية ولامبالاة هو فى الواقع حذر أملاه ذكاء هذا الشعب وخبرته الطويلة الغنية..وتجاربه المريره..حذر مما تميزت به خطوات القائمين بالانقلاب من تردد ومساومة للأحزاب الرجعية ثم ملابسات اشتراط أمريكا سلامة حياة فاروق، ووجود السفير الأمريكي أثناء رحيل الملك السابق، ثم دورعلى ماهر* الصنيعة الأمريكية الذى طبلت له صحف أمريكا يومها..مما أثار الشبهات حول طبيعة الانقلاب..! ولما فشل عبد الناصر فى الاتفاق مع الأحزاب الرجعية اضطر الى الاتجاه إلى الشعب ـ ولكن فى حذر وخوف من الشعب وعدم إيمان به ـ محاولًا أن يخلق لنفسه بطريقة صناعية قاعدة شعبية يستند اليها لإحساسه بأنه لايستطيع أن يقف وحده..فكان مشروع “هيئة التحرير” ومشروع “منظمات الشباب”.
ولكن الشعب ـ الحذر ـ رفض هذين المشروعين فتحولا إلى أضحوكة وأنتهيا إلى الخيبة والفشل رغم كل المحاولات المستميتة لجذب الجماهير إليهما، بل والضغط عليها بكل الوسائل. ذلك أن الشكوك كانت ما تزال تحيط بالقائمين بالانقلاب، وظلت هذه الشكوك طوال ما قبل صفقة الأسلحة التشيكية، ثم بدأ عبد الناصر يلتزم سياسة استقلالية واضحة ولذلك بدأ الشعب يلتف حوله..وتم الالتفاف بتأميم قناة السويس..فى تلك اللحظة تشكلت وراء عبد الناصر قاعدة شعبية..جبهة وطنية رائعة تدعم هذه السياسة وتحمي هذا الاتجاه وتطالب بمزيد من الجرأة والحزم..كان اتحادًا قوميًّا فعليًا ـ لا مزيفًا ـ ضد الاستعمار والرجعية..اتحاد جماهير الشعب العريضة: العمال والفلاحين والمثقفين. ولكن عبد الناصر عاد فتنكر للسياسة الاستقلالية التحررية..وأعلن أن المعركة مع الاستعمار قد انتهت وأن المعركة مع الشيوعية قد بدأت..ومضى يخرب الجبهة الوطنية فانفضت الجماهير عنه..(ومرة ثانية بقي عبد الناصر بلا قاعدة شعبية..بقي وحده..إلا من المباحث) *
تلك هي الخطوط العريضة لقصة عبد الناصر مع الشعب.. وقصة الشعب مع عبد الناصر.. تبرهن بما لايدع مجالًا للشك على أن شعبنا يقظ.. حذر.. لماح.. يُقدم حين يجب الاقدام ويُحجم حين يجب الاحجام.. إنه لا يخيب آمال المؤمنين به..وتلك الخصائص الإيجابية المبهجة يسميها عبد الناصر سلبية ولامبالاة. بقيت بعض الملامح لصورة الشعب المصري كما يتخيلها عبد الناصر بعد قيامه بالانقلاب “ولو أن أحدًا سألني فى تلك الأيام، ما أعز أمانيك؟ لقلت له على الفور: ـ أن أسمع مصريًّا يقول كلمة إنصاف فى حق مصري آخر. وأن أحس أن مصريًّا قد فتح قلبه للصفح والغفران والحب لإخوانه المصريين. وأن أرى مصريًّا لايكرس وقته لتسفيه آراء مصري آخر.. وكانت هناك بعد ذلك كله أنانية فردية مستحكمة.. كانت كلمة (أنا) على كل لسان.”، نسي عبد الناصر تاريخ مصر!
لن نقول منذ غزو الهكسوس أو الفرس أو الرومان أو الأتراك أو الفرنسيين..فقط سنقول منذ عام 1882..نسي ثورة عرابي..وثورة 1919 ..والانتفاضات التى لم تتوقف منذ ثورة 1919 حتى أواخر النصف الثاني من القرن العشرين..ثم معركة القنال..ثم معركة بورسعيد..انتفاضات العمال والطلبة والفلاحين الذين نعرف نظرة عبد الناصر إليهم ـ كما تقول مجلة الثقافة الوطنية فى عدد تموز/ آب 1959ـ: “من مذبحة كفر الدوار*، ومن قانون كمال الدين حسين، وزير المعارف، الذي حدد عدد الطلاب فى الجامعات، فرفضه مجلس الأمة لما أثاره من استنكار شعبي، فأعاده عبد الناصر مرة ثانية للمجلس الذى اُخطر للموافقة عليه تحت الضغط الشديد!..نعرف هذه النظرة من ملء مكاتب النقابات العمالية بالجواسيس ورجال المباحث، وإلغاء حق الإضراب للعمال..بل إننا نعرف ذلك من مراسل الأسوشيتدبرس (ولتون وين) الصديق الصدوق لعبد الناصر، الذى يذكر كيف عالج عبد الناصر مظاهرات الطلاب والعمال بطريقة فذة فريدة تقضي بسجن المتظاهرين وقمع أعمال الشغب بالحديد والنار ويسمي هذه الطريقة بـ”طريقة عبد الناصر”.
ولكن لا..لسنا فى حاجة إلى العودة إلى التاريخ المصري القديم أو تاريخ القرن التاسع عشر..أو النصف الأول من القرن العشرين لنعطى الصورة الحقيقية لشعبنا البطل..يكفى أن نعرض نماذج ثمانية لبطولة شعبنا فى ظل حكم عبد الناصر الارهابي الرجعي..فى خمسينيات النصف الثاني من القرن العشرين.
إن أولئك الذين سقطوا فى النضال الشريف العادل لدحض الأكذوبة الاشتراكية الديمقراطية التعاونية، إنما يضربون أروع مثل فى التضحية.. والفداء.. فلندعهم يدحضون ما يتهم به عبد الناصر شعبنا من فردية وأنانية وحب ذات.. إنا لنسمع أبطالنا يصدحون فى قبورهم بأغنية الايثار وانكار الذات.
إذا لم أحترق أنا..
وإذا لم تحترق أنت..
وإذا لم نحترق نحن..
فمن إذن..
يجلو الظلمات!
ـ1ـ
محمد عثمان
في أواخر مارس 1959..ربما في نفس اللحظة التى كان فيها صوت عبد الناصر ينطلق من المذياع مؤكدًا أنه يبني..مجتمعًا متحررًا من الخوف..وربما فى نفس اللحظة التى بدأت فيها أبواق عبد الناصر تبشر بالمجتمع الاشتراكي الديمقراطي التعاوني..مجتمع الرفاهية والعدل والرخاء..مجتمع يضمن للإنسان الأمن والطمأنينة..طمأنينة على نفسه..وعلى روحه..وعلى فكره..وعلى حريته..إلخ.
وربما فى نفس اللحظة التى وصلت فيها بعثة من واشنطن أو بون..وبدأت محاولات الغزل مع حسين أو سعود..ويوجين بلاك.
انطلقت من مكتب المباحث العامة بطنطا عربة مقفلة..ووقفت أمام أحد المنازل المتواضعة..ونزل منها زبانية عبد الناصر..لم يرهم أحد..لأنهم اعتادوا أن ينطلقوا بعد الغروب..وراء ظهر الملايين. لم يكن القاطن فى ذلك البيت الصغير المتواضع النائم في ظلامين..ظلام الليل وظلام العهد!..مجرمًا يسفك الدماء..ولم يكن جاسوسًا عميلًا لدولة أجنبية..وإنما كان موظفًا بسيطًا..عضوًا فى الحزب الشيوعي المصري ومناضلًا من أجل تحرر الطبقة العاملة المصريّة. وفي اللقاء بين الزبانية وبين محمد عثمان..إلتقت فى الواقع
طبقتان..
أنظر إليهما..
نحن..
وهم..
نحن عزل..
وهم مدججون بالخناجر..
لدينا الأظفار فقط..
النضال..النضال..
النضال حتى النفس الأخير..
سنمزق أيديهم..
بأسنانا..
والخنجر الحاد..
مغروس في ضلوعنا*!
وانتزعته العربة المقفلة من والديه الكهلين وأخيه الصغير..وانطلقت العربه المقفلة على محمد عثمان عائدة إلى مكتب المباحث العامة..ومرة أخرى لم يرهم أحدٌ..ولم يشعر أحدٌ بالتنور الذي يغلي فى جوف البركان..بالصراع العنيد الذي يدور..بعيدًا عن الأنظار….
وهناك فى القبو المظلم..أشرف الصاغ أنور منصور مفتش المباحث العامة فى طنطا..على عملية تعذيب محمد عثمان..أجل طبقتان..وجهًا لوجه..فى يد أحداهما كل وسائل القمع والتنكيل وفي يد الأخرى كل الثقة وكل الإيمان بعدالة قضيتها وشرف نضالها وحتمية النصر..
ماذا في وسع الجستابو لشيوعي..
فوق التعذيب الوحشي..
فوق الكي..
أو صب الماء المغلي..
بعد البارد
والبارد بعد المغلي..
ماذا فى وسع الجستابو لشيوعي..
غير الموت..!
لم تكن تلك أول مرة يُعتقل فيها محمد عثمان ـ فلقد اعتقل وسجن وعذب فى عهد الملك السابق فاروق ـ ولكنها كانت آخر مرة..فقد مات محمد عثمان فى الثاني من أبريل 1959 عن اثنين وثلاثين عامًا..
لا داعي للدموع ولا للأكاليل..
ولا لغيرها..
يا أصدقاء..
لا داعي..ولا لكلمة..
حتى لا توقظوا البطل..!
بقيت مسألة..ربما تضيف شيئًا..إنها لا تضيف شيئًا..فقد اشترك الصاغ أنور منصور فى الكثير من عمليات التعذيب الوحشي التى تتنكر لكل الاعتبارات الإنسانية..فهو نفسه الذي قص شعر المعتقلة إيفون حبش..وتجاوز ذلك إلى التنكيل بأهالي المعتقلين..دون أن يردعه أي عرف أخلاقي..ودون أن يحترم حتى شيخوخة نصيف ناشد الذي يحمل على كتفيه خمسًا وستين عامًا..وهو والد المعتقل الشيوعي عريان نصيف ناشد.. ولم تقف وحشية المباحث الناصرية عند حد قتل الشهيد محمد عثمان..بل اعتقلت شقيقه حسن عثمان..ومارست معه شعائر التعذيب المميت فى ليمان أبي زعبل..حتى أشرف على الموت..فنقل إلى مستشفى المنيل الجامعي..ثم استمر اعتقاله!! وبقي من عائلة عثمان..والدان كهلان..وأخ صغير!
ويْلهم..ذوي الأيدي الملطخة بالدم..
أيها الأصدقاء..
إذا ما لامستموهم صدفة..
ـ2ـ
مصطفى شوقي
بدأت الحادثة فى طنطا أيضًا..قلب الدلتا.. والضحية هذه المرة مصطفى شوقي..طالب بمعه السكرتارية..كان مجندًا فى القوات المسلحة وعضوًا فى الحزب الشيوعي المصري.. كان قد وهب نفسه للطبقة العاملة..ولذلك انقضت على منزله..ربما نفس العربة.. ولابد أن سنواته الاثنين والعشرين تمثلت أمامه فى عتمة الصندوق المغلق وهم ينقلونه إلى السجن الحربي فى الإسكندرية..ثم إلى المخابرات العسكرية..إلى قبو التعذيب..
أربعة وعشرون ساعة فى اليوم ـ لينين..
أربعة وعشرون ساعة ـ ماركس..
أربعة وعشرون ساعة ـ أنجلز..
مائة جرام من الخبز الأسود..فى اليوم..
وعشرون طنا من الكتب..
وعشرون دقيقة للراحة..
يالها من أيام..أوه..
.. لم يكن أجمل منها يا رفيقي
ومرة ثانية التقت طبقتان..وجهًا لوجه..
وتفتقت قريحة المباحث عن وسائل للتعذيب تتضاءل أمامها وحشية الرومان مع المسيحيين الأول.. ويتواضع أمام بشاعتها رجال الجستابو الهتلري.. فقد ربطوه بمؤخرة سيارة جيب قامت بسحله على الأرض..
بكل قواك تنفس
ولتعش الثورة..
فى رأسك..
في قلبك..
فى عضلاتك..
في عظامك..
الثورة..
ليلًا..
ونهارًا..
وفي أوائل يونيو 1959..ربما فى نفس اللحظة التى يولد فيها طفل، وتتفتح فيها زهرة، وتخرج فراشة لتستحم فى الشمس.. فارق مصطفى شوقي الحياة.. وبينما كان يطبل المذياع، وتهلل الصحف، وتذمر الأبواق للبطل الزائف.. كان البطل الحقيقي يسقط على أرض المعركة في صمت!
وإذا كان ثمة رعد..
فى الأرض أو السموات..
أكثر دويًّا من هذا الصمت..
فليرعد!
ـ3ـ
فريد حداد
بدأ العمل..
وأنهاه..
وحين بدأ..لم ينفخ النفير..
وحين أنهاه..لم يصرخ: لم يقل..
“انظروا جميعًا..ما فعلت..”
إنه على الأرض..واحد من ملايين..!!
فى الواقع كان يومًا حافلًا بالعمل..قضاه الطبيب فريد حداد بين عيادته فى مصر الجديدة وعيادته فى شبرا.. لم تكن مهنة الطب بالنسبة إليه تجارة..ولا جزارة..كما هي بالنسبة لكثيرين..فاليوم فقط كشف على كثير من العمال..والفقراء..واللاجئين الفلسطينيين..مجانًا..وصرف لبعضهم من جيبه ـ كالعادة ـ ثمن الدواء!!
كان يؤمن في أعماقه بأن العلاج حق للجميع يجب أن تكفله الدولة.. كان يعرف أن فى العالم دولًا تكفل لمواطنيها العلاج المجاني.. وكان يناضل ـ فى صمت ـ من أجل أن تكون فى مصر تلك الدولة.. دولة العمال والفلاحين..أجل كان عضوًا فى الحزب الشيوعي المصري!… وخرج ذلك المساء من عيادته.. مجهدًا.. ولكنه كان راضيًّا.. رضى الإنسان حين يشعر أنه يفعل فى يومه شيئًا.. وأنه غدًا سيفعل شيئًا أكثر..وبعد غد..! وفي الطريق كان يفكر فى زوجته إيدا..وفى أكباده الثلاثة..
ولابد أنه تبسم لنادرة من نوادر وديع..ابنه الأكبر.. الذى لم يتجاوز العاشرة.. أو سامي الذى لم يتجاوز السابعة.. أو منى الصغيرة.. الزهرة التى تتفتح على السنة الخامسة من عمرها!!
ما أجمل أن يعود الانسان إلى أسرته..وعرق العمل لم يجف على جبهته..إن بسمة الأطفال تمسح قطرات العرق..وتُذهب التعب..وتُجدد فى النفس القدرة على العمل..!
فى تلك الليلة الباردة من ليالي نوفمبر، دخل فريد حداد منزله..وانفتحت العربة المقفلة المتربصة على الناصية..وانقض الزبانية عليه ونقلوه إلى معتقل القلعة..!! وهناك بدأت الشعائر الاستجواب والتعذيب..ثم نُقل إلى أوردي ليمان أبي زعبل..
ومنذ أول يناير 1959، كان نزلاء الليمان من القتلة والمجرمين وقطاع الطرق قد رُحلوا إلى سجون أخرى..ولم يكن ذلك لأن قنبلة قد أُلقيت على الليمان كما حدث ـ مثلًا ـ أثناء العدوان الثلاثي، ولكن لأن موجة الاعتقالات الواسعة التى بدأت حينذاك اقتضت اخلاء عنابر الليمان من نزلائه القدامى لتستقبل أمواج المعتقلين..وكان المعتقلون يمثلون جميع فئات الشعب المصري..كان فيهم الكتاب والصحفيون والناشرون والمحامون والمدرسون والنقابيون والعمال والطلبة والفلاحون..نفس الفئات التى وقفت فى عام 1956 جبهة وطنية رائعة فى وجه العدوان الثلاثي..
ووصلت دفعة فريد حداد إلى الليمان يوم 28 نوفمبر وكانت تتكون منه، ومن عبد الله الزغبي وأحمد عبد العال المحاميان، وسعد الطويل المهندس، وأحمد الجبالي العامل النقابي، ونسيم يوسف الموظف باحدى الشركات، وأنور نعمان طالب الطب..
وكان الاستقبال “حارًا”.. ولكن على طريقة الجستابو.. جُرد الجميع من ملابسهم تمامًا.. وانهال الضرب بالهراوات..على كل مكان فى أجسامهم..على الرؤوس.. والرقاب والصدور.. أما المشرفون على هذه “العملية الجراحية”، فهم الضباط حسن منير ويونس مرعي و … اسحق والصول أحمد مطاوع.. وطُلب من فريد أن يهتف بسقوط الشيوعية ورفض.. وراح يونس مرعي يوليه عناية خاصة.. ويركز ضرباته على الرأس..وفقد فريد حداد وعيه كما فقده آخرون، ولكن مواصلة الضرب هي المنبه الوحيد لدى الجستابو.. لمن يفقد الوعي!! ونُقل الجميع نصف موتى إلى الليمان.. وهناك أُعيدت الشعائر!!.. مرة ثالثة.. ثم كُدسوا فى زنزانات 2.5×2 متر..
وفي الزنزانة فارق فريد حداد الحياة..
وقال طبيب السجن..
وهو يغطي وجه الراقد..
برداء المساجين..
“انتهى”
فألقوا بالجثة العارية في فناء الأوردي ساعات طويلة..ثم حرر الطبيب الأوردي “الدكتور أحمد كمال” شهادة طبية مزيفة، قرر فيها أن فريد حداد مات بالسكتة القلبية..ووُضعت الجثة المشوهة من جراء التعذيب فى نعش..وخُتم عليها بالشمع الأحمر..وسُلمت إلى زوجته فى الساعة الثالثة بعد منتصف الليل مع أمر بدفن الجثة على الفور..
وطلب أهل الشهيد اجراء عملية تشريح للجثة..ولكن المباحث العامة رفضت إجراء العملية لأن طبيب السجن قال إنه مات بالسكتة القلبية..!
كانت رأسه رائعة
وقلبه أصيلًا
وعيناه نقيتين كعيني طفل..
وعقله عميقًا..
ونظرته..مرحة..فى طفولة..
أما قبضته..فبدا أنها تنضم..
على عاصفة..
وخرجت جريدة الأهرام صباح 30/11/1959 وعلى صفحة الوفيات النعي التالي: “إيدا وأولادها وعائلات حداد وكاري وحنا بمصر والأردن ولبنان ينعون بمزيد الحزن والأسى المأسوف على شبابه الدكتور فريد وديع حداد زوجها ووالدهم وشقيقهم وقريب ونسيب الباقين المنتقل إلى الأمجاد السماوية صباح الأحد 29 نوفمبر 1959″… فى موت فريد تتمثل الوحدة الحقيقية لا المزيفة.. وحدة النضال ضد الاستعمار والرجعية..
كان مناضلًا..
وصديق القلب..
فليبتهج الأعداء..
أما الأصدقاء فليظلوا فى الصف..
إيه يا رفيقي..
سنبكي معًا مرة ثانية..
على برقية..جاءت ليلًا..
ـ4ـ
سعد التركي
كان مثلي..كان مثلك..
مثل كل الناس من لحم ودم..
مثلما نبسم للطفل حنانًا..
كان يبسم..
مثلما نألم للوخزة..للخدشة..
يألم..
مثلما نهوى الحياة..
كان يهواها..
كان يهواها سعد التركي ـ الموظف البسيط بمجلس مديرية بني سويف وعضو الحزب الشيوعي المصري.. كان يهواها..لا لأنه يكره الموت..وانما لأنه لا يؤمن به..
الحياة أرجح فى الميزان
العالم واسع..
إنه رائع..
وهائل..
وشطآن البحار..
لانهائية..
لدرجة أنه فى إمكاننا جميعًا
كل مساء..
أن نستلقي جنبًا إلى جنب..
على الرمال الدافئة..
ونصيخ إلى هدير المياه تحت الأرض..
وننصت إلى أغنيات الأمواج..
المرصعة بالنجوم..
يالها من شيء رائع..
أن نعيش..
فرادى..
ومعًا..
نعيش كنسيج غلالة حريرية..
وكما فى قصيدة بهيجة..
نقرأها كورسًا..
……….
الحياة..كم هي في الواقع رائعة..
ولكن من الغريب..
إنها ذلك الشيء الجميل..
لدرجة لا تُصدق..
اليوم..
متعبة إلى هذا الحد..
وضيقة إلى هذا الحد..
وشاقة إلى هذا الحد..
ودامية إلى هذا الحد..
ففي أول يناير 1959 انقض عليه زبانية عبد الناصر..أعداء الحياة..
أعداؤك..
وأعدائي..
أعداء كل انسان يفكر،
أعداء الوطن الذي يعيشون فيه..
أعداؤه يا حبيبتي..
إنهم أعداء آمالنا..ياحبيبتي..
أعداء الماء المتدفق..
أعداء الخمائل المزهرة..
والحياة النامية..
إنهم أعداء..
لأن الموت طبع خاتمه على جباههم..
لقد حملوه إلى المعتقل..وبدأت مراسيم الضرب والكي والنفخ وخلع الأظافر..
هناك فى الطرقه..
إنسان على نقاله..
وظل القضبان،
على وجهه الكابي..
إنه يموت هناك..
مفتوح الفم..
فأفرجوا عنه..وخرج من المعتقل محمولًا..ليموت بعدها بقليل فى 31 ديسمبر 1959 عن ثلاثة وثلاثين عاما:
انتهى..لا آمال منذ الآن..
ولا حزن،
ولا ماء، ولا خبز..
ولا حرية، ولا أسر..
ولا شوق إلى النساء..
ولا سجان،
ولا بق،
ولا قطط تقبع قبالته..
بالساعات..
محدقة فى عينيه..
كل ذلك انتهى..
أما بالنسبة إلينا فهو مستمر..
العقل يواصل..
التفكير..
والحب..
والفهم..
ويستمر السخط..
لأنه أبدي..
ينهش الكبد..
كل صباح!
ولكن السفاحين لم يكتفوا بذلك..فقد اعتقلوا شقيقه الوحيد صلاح التركي المدرس بالمدرسة الثانوية ببني سويف..ومازال معتقلًا حتى الآن فى أوردي ليمان أبي زعبل..يتلقى المراسيم اليومية على أيدي المباحث النجسة:
أيها الأصدقاء..
إذا ما لامستموا أجسامهم صدفة..
أسرعوا بغسل أيديكم..
فى سبع “طشوت” من الماء..
ولا تشفقوا على ثياب العيد الجميلة..
مزقوها إربًا..
واجعلوا منها “منشفة!”
ـ5ـ
علي متولي الديب
هؤلاء المسمرون فى سررهم..
ينظرون إلى ماوراء النوافذ..
فتح عينيه ـ منذ الصغر ـ فرأى كيف يبيع العمال قوة عملهم فى سوق الرقيق بسعر التراب..ورأى الجوع..والعري..والهزال..والمرض..على الوجوه القمحية الكابية..ورأى العروق النافرة فى الأذرع الجافة الخشنة..ورأى البسمات ماتت في الأعين الساخطة منذ زمن طويل..ورأى الأقبية المظلمة والكهوف الرطبة الغائرة والسراديب اللزجة التى يعيش فيها العمال..ورأى الطفولة تُساق إلى أشق الأعمال فى سن التاسعة..ورأى البطالة، ذلك الغول الذى يزحف إلى كل أسرة ليخطف من فم الأطفال حتى اللقمة الجافة، ويتركها فريسة للجوع والعجز دون أى ضمانات..ورأى يوم العمل الذي يمتد من 12 إلى 16 ساعة بأجور زهيدة، بل وإسمية..ورأى الأطفال والنساء يتقاضون نصف الأجور على نفس العمل الذي يقوم به الرجال..
رأى كل ذلك لأنه ابن الطبقة العاملة المصرية..ومن قلب شبرا الخيمة..حى العمال بالقاهرة..ولذلك أدرك:
إنهم يريدون
أن نبيع لهم بلا ثمن..
إلى أن يبرد جوف الأرض..
نور أفكارنا..
وقوتنا العضلية..
لكي ترقص زوجاتنا
أمام أعينهم!
إنهم يريدون..
أن نقضي نحن الليالي..
تحت جسور الأنهار
عندما يلف الضباب عيوننا..
وتبطء حركة الدم فى عروقنا..
ونبدأ فى التنفس..
كالأسماك على الرمل!
ومن ثم اختار عامل النسيج على متولي الديب طريق النضال من أجل الطبقة العاملة ضد أولئك الذين يمتصون دماءها قطرة قطرة، بل جالونًا جالونًا..النضال من أجل تحررها..من أجل خلاصها..من أجل القضاء على نظام الطبقات، حيث يستغل الإنسان عمل أخيه الإنسان، وحيث تكدح الأغلبية الساحقة لتضمن الرفاهية للأقلية الهزيلة..
مجتمع..بلا جوع..بلا عرى..بلا مرض..بلا بطالة..مجتمع يأكل فيه من يعمل..ولا يأكل من لا يعمل..مجتمع يضمن للأطفال أن يعيشوا طفولتهم..يلعبون ويمرحون..وينعمون باللعب..والشيكولاته..ولا يُكدسون في العربات كقطيع من الحملان..ليمتص طفولتهم دخان المصانع..
وعرف أن الحزب هو الدليل إلى المستقبل..هو الحادي لخطى الملايين المتطلعة إلى الخلاص..هو الطليعة التى تقود الزحف..فأصبح عضوًا فى الحزب الشيوعي المصري، كما أصبح عضوًا لمجلس إدارة نقابة عمال النسيج الميكانيكي بشبرا الخيمة..ومن أبرز الشخصيات النقابية في الحي..
وراح متولي الديب يخطو بثبات..بعناد..باصرار..على الطريق إلى المستقبل المنشود
يسير..
بجبهة مرفوعة إلى السماء..
وتلفيعة حمراء ترفرف فى الهواء كما علم..
يسير خطوة بعد خطوة..
يتقدم بقوة ورسوخ..
يسير..
والريح يهدر كالبحر..
والبحر يهدر كالريح..
الهواء محمل بالعاصفة..
وتسيل من الجانبين خيوط الضوء..
كما لو كانت النجوم تتهاوى..
وتدوي أصوات من الأعماق..
من زوايا القلب البعيدة:
ـ إلى أين تذهب ياطفلي؟
ـ عد يابني..
ـ عد ياحبيبي..
ـ عد ياأخي..
ـ عد ياعائل الأسرة
ـ إرجع إلينا!
أجل..لم يثن على الديب عن النضال كونه العائل الوحيد لأسرته..لأمه العجوز..وزوجه..وأبنائه الأربعة..كان يعلم حين انطلق فى طريقه الأخطار التى تنتظره..كان يدرك جيدًا أن قطاع الطرق ـ المباحث ـ يقبعون هناك فى المنعطفات..ولكنه مضى..وكان يشعر كلما حث المسير بأنه يقترب أكثر ـ ولا يبتعد ـ من أسرته..لأنه يقترب من خلاص الطبقة العاملة..من الفجر الجديد..لذلك..كان يسير:
يسير أبدًا..
شجاعا، وحانقا..
يسير مترنمًا بلحن الموت..
يسير متهاديًا..كسفينة..
وانقض القراصنة من كل جانب..فى مارس 1959..وقطعوا عليه الطريق..وحملوه إلى معتقل الفيوم ثم إلى أوردي ليمان أبي زعبل..وتحت وطأة التعذيب..مرض على الديب..فتُرك حتى فقد القدرة على النطق..ثم نُقل إلى المستشفى..بقايا انسان..ليموت فى 3 يناير 1960 فى الثانية والثلاثين من عمره..
لا..لم يمت على الديب..
فهو فى صدري وصدرك..
هو فى قلبي وقلبك..
ـ6ـ
شهدي عطية**
..”لنا منهج واضح فى هذه الدراسة، منهج علمي قوامه أن تاريخ التطور الاجتماعي، هو، أولًا وقبل كل شيء، تاريخ الشعوب. وأن التاريخ لا يمكن أن يكون علمًا حقًا، إذا قصر نفسه على دراسة أعمال الملوك وقواد الجيوش، وأخبار الغزاة، وتفاصيل المفاوضات والمعاهدات.”
انطلقت هذه الكلمات*، وأجراس النصر ماتزال أصداؤها تدوي فى سماء مصر، بعد اندحار الثالوث الوحشي ـ إنجلترا وفرنسا وإسرائيل ـ فى معركة بورسعيد الخالدة. انطلقت ودماء الشهداء ما تزال لزجة دافئة على أرض المعركة..لم تبرد..ولم تجف. انطلقت وغبار المعركة مازال يلف جبهة العمال والفلاحين والمثقفين….
الكتاب هو تطور الحركة الوطنية المصرية 1882ـ1956
والمؤلف هو “شهدي عطية الشافعي”.
وقبل ذلك بسنوات..كان قد صدر كتاب آخر، جاء فيه*10 إن ظروف التاريخ أيضًا مليئة بأدوار البطولة المجيدة التى لم تجد بعد الأبطال الذين يقومون بها على مسرحه، ولست أدري لماذا يخيل إلى دائمًا أن فى هذه المنطقة التى نعيش فيها دورًا هائمًا على وجهه يبحث عن البطل الذي يقوم به، ثم لست أدري لماذا يُخيل الي أن هذا الدور الذي أرهقه التجوال فى المنطقه الواسعة الممتدة فى كل مكان حولنا، قد استقر به المطاف متعبا منهوك القوى على حدود بلادنا يشير إلينا أن نتحرك، وأن ننهض بالدور ونرتدى ملابسه فان أحدا غيرنا لا يستطيع القيام به..”
والكتاب هو “فلسفة الثورة”
والمؤلف هو “عبد الناصر”
لدى شهدى إيمان بالشعب..إيمان بأن الجماهير هي التى تصنع التاريخ، ولدى عبد الناصر إيمان بالفرد..إيمان بأن الأبطال هم الذين يصنعون التاريخ!
لدى شهدي مفهوم علمي ناضج للتاريخ..
ولدى عبد الناصر مفهوم فردي..فاشي..مريض..
لدى شهدي المفهوم الذي يصنع أبطالًا من طراز تيلمان وفوتشيك وفهد وفرج الله الحلو وديمتروف..يفتدون شعوبهم بالدم.
ولدى عبد الناصر مفهوم يفرخ السفاحين من أمثال هتلر وموسوليني وفرانكو..إلخ..يُغرقون شعوبهم فى بحار من الدم.
يقول عبد الناصر”إن كل فرد منا يستطيع فى مكانه أن يصنع معجزة..إن ظروف التاريخ مليئة بالأبطال الذين صنعوا لأنفسهم أدوار بطولة مجيدة قاموا بها فى ظروف حاسمة على مسرحه”
ويقول هتلر فى كتابه كفاحي: “إن الأمم لا تنجب رجل دولة إلا فى الأيام المباركة، وما أقلها..ولا ننسى كذلك أن كل ما حققته عبقرية الإنسانية منذ أن كان عالمنا هذا عالمًا، كان من صنع الأفراد.”
ويقول شهدى عطية11* “نعم، إن للزعماء والقادة دورهام فى التاريخ، ولكنهم لا يستطيعون أن يلعبوا هذا الدور إلا بمقدار ما يمثلون مصالح شعوبهم، إلا بمقدار إدراكهم لقوانين التطور للمجتمع، إلا بمقدار ما يمثلون قوة متقدمة قد تهيأ لها ظروف النضج، بحيث تستطيع فعلًا أن تسير بالمجتمع خطوة إلى الأمام. ومع هذا يستمر المحرك الحقيقي للتاريخ هو الشعوب، وتحركاتها، وثوراتها، وتنظيمها..
من هنا كان الاغتيال إحدى الوسائل التى لجأ إليها عبد الناصر للتحويل (التغيير) الاجتماعي..ثم كان المنطق الإنقلابي..منطق العصابات..هو الوسيلة الثانية للتحويل الاجتماعي لدى عبد الناصر..دون اتصال بالشعب..دون الاعتماد على جذور شعبية..دون الاستناد إلى قاعدة من الملايين..
أما لدى شهدي عطية..فالوسيلة الوحيدة هى “التحركات العميقة المنتظمة التى تعبر عن أن نظامًا اقتصاديًّا وسياسيًّا معينًا أصبح لا يصلح للبقاء، أصبح معرقلًا لتقدم القوى الإنتاجية، أصبح مُحطِما لمستوى المعيشة للشعب وثقافته. ومن ثم يتعين وجود نظام آخر سياسي، ونظام آخر اقتصادي، تهب الملايين بقيادة زعمائهم من أجل تحقيقه.”
هناك انقضاض مفاجيء من أعلى..ومن خلف ظهر الجماهير.. وفي معزل عنها.
وهنا انطلاق من الجذور..من قلب الجماهير.
هناك تغيير فى الواجهة..فى اللافتة..فى القمة فحسب.
وهنا تغيير فى الأساس..فى الجوهر..فى البناء كله..من القاعدة إلى القمة.
هناك طبقة جديدة تحل محل أخرى..ليظل النظام طبقيًّا..تستبد فيه الأقلية بالأغلبية.
وهنا قضاء على الطبقات، وتحرير للأغلبية من استبداد الأقلية.
ومن هنا أيضًا..اتجه عبد الناصر إلى الشعب اتجاهًا مصلحيًا..يوم كان مصيره على خيط رفيع..ثم أدار ظهره للشعب بعد أن تم الانتصار على العدوان الثلاثي.. أما شهدي.. فيواصل مع الجماهير الشعبية رحلتها الشاقة إلى المستقبل ويربط مصيره بمصير شعبه.
ويضرب عبد الناصر الجبهة الوطنية ويُعمل فيها التخريب.. أما شهدي..فيُصر على التمسك بالجبهة الوطنية: “جبهة تضم الطبقات والعناصر المعادية للاستعمار والصهيونية فى الخارج، والمعادية للاقطاع والاحتكار فى الداخل، جبهة تضم الطبقة العاملة والفلاحين والمثقفين والطلبة وصغار أصحاب المتاجر والمصانع الصغيرة والرأسماليين الوطنيين بكافة أقسامهم، سواء كانوا أصحاب مصانع متوسطة أو كبيرة، وأثرياء الريف الذين يشرفون على إدارة أملاكهم ويستخدمون العمل المأجور…ثم أي عناصر أخرى وطنية، طالما هي مستعدة للكفاح ضد الاستعمار والصهيونية، وطالما هي معادية للاقطاع والاحتكار…
هذه الجبهة يجب أن تضم كافة المنظمات الجماهيرية القائمة من نقابات عمالية واتحاد عام لها، ومن نقابات مهنية ونقابات عمال زراعيين واتحادات فلاحين، كما يجب أن تعمل الجبهة على تدعيم هذه المنظمات، باجتذاب عدد أكبر من الجماهير إليها، وبأن تكون قيادة هذه المنظمات منتخبة انتخابا حرا ـ ومنبعثة من الجماهير، ومكونة من العناصر التى يثق بها الشعب، والتى تحرص على خدمته.*
.إن قيام جبهة كهذه وتمثيلها فى الحكم، يستطيع أن يحقق للبلاد مزيدًا من الديمقراطية ومزيدًا من الحريات..كما يستطيع أن يقطع دابر أية مؤامرات استعمارية، وأن يكشف ألاعيب أى عناصر معادية أو متخلفة.
هذه الجبهة فى ظل ديمقراطية سليمة! تستطيع فعلًا أن تدعم استقلالنا السياسي والاقتصادي، بل تستطيع أكثر من هذا أن تمهد الطريق نحو تطور غير رأسمالي لاقتصادنا…”
ويعمل عبد الناصر لتطوير الرأسمالية المصرية…
وينشد شهدى بناء المجتمع المصري الاشتراكي…
ويكتب شهدي عطية عن الجنود المجهولين الذين سقطوا فى ثورة 1919 “الجند المجهولون..الشهداء من أبناء الشعب! من أبناء بولاق وباب الشعرية والخليفة والخرنفش وكرموز والعطارين وبركة السبع وكفر الشيخ وميت القرشي..وديروط ودير مواس..المجهولون أمثال الكردي، وأبو سريع درويش، فرحات، غريب، السجيني، من سكان بولاق من عمال العنابر؛ محمد جاد، هلالي جنيدي، حسان مشرقي… على أكتاف هؤلاء الملايين، قامت الثورة، ومن هؤلاء، سقط ثلاثة آلاف شهيد. ومن هؤلاء حُكم بالإعدام والأشغال الشاقة والسجن على آلاف أخرى.”
ويكتب شهدي عن دور الطبقة العاملة المصرية فى ثورة 1919 “اشتركت الطبقة العاملة بكل قوتها في ثورة 1919، ولكن كان مستحيلًا ألا يكون لها حركتها الخاصة بها، فكما اشتعلت الحركة الوطنية، اتسعت الحركة النقابية عمقًا وعرضًا…”
ثم يعرض التحركات الشعبية التى لم تتوقف بين 1924ـ1945، والشهداء من العمال والطلبة والفلاحين..حتى يصل إلى قوله “وبدأ التفكير العلمي للتاريخ وللحركة الوطنية يسود بعض الأجزاء المتقدمة من الطلبة والعمال، وأخذوا يعبرون عن أفكارهم هذه فى نواد ومجلات مختلفة، وتمخضت هذه الأفكار عن تحديد دقيق للأماني القومية.”
وذلك في أواخر 1945..ثم تكون اللجنة الوطنية للعمال والطلبة الذى فتح “مرحلة جديدة فى المعركة الوطنية”..ثم معركة القنال وشهدائها الذين قدرهم البعض بستمائة..ثم معركة السويس..ثم كفاح الطبقة العاملة..
ـ7ـ
رشدى خليل
البورجوازية تتحدانا..
ونحن قبلنا التحدي!
إننا لانعرف الضحك المشترك فحسب!
بل والنداء العام إلى النضال!
فى الموت وفي الحياه
الفرد من أجل الجميع
والجميع من أجل الفرد!
كان كل شيء يدفعه إلى اعتناق هذا المبدأ..فلقد عاصر أحداث الحرب العالمية الثانية، واستشهد أخوه الطيار فى النضال الخالد..نضال الانسانية التقدمية ضد الفاشية الرجعية الدموية.. ومن يومها، كره محمد رشدي خليل الحرب..كما كره الفاشية..وألقى بنفسه فى آتون النضال الشعبي ضد الاحتلال البريطاني..وعرفه طلاب حي شبرا بالقاهرة قائدًا ومنظمًا للحركة الطلابية الوطنية..وكانت المدارس والجامعات يومها بوتقة ينصهر فيها أبطال المستقبل.
كان ذلك فى أواخر 1945..عندما.. “..بدأ التفكير العلمي للتاريخ وللحركة الوطنية يسود الأجزاء المتقدمة من الطلبة والعمال، وأخذوا يعبرون عن أفكارهم هذه فى نوادٍ ومجلات مختلفة، وتمخضت هذه الأفكار عن تحديد دقيق للأماني القومية..”.
وتقدمت الحكومة النقراشية من خلف ظهر الشعب بمذكرة إلى الحكومة البريطانية تضع مبدأ التحالف مع بريطانيا أساسًا محددًا للعلاقات المصرية البريطانية.. واشتد سخط الشعب..وبدأت الاضرابات الطلابية..وخرجت المظاهرات..وكانت مذبحة كوبري عباس الشهيرة..فانفجر البركان الشعبي..واستقالت الوزارة..ليجيء إلى مقعد الرئاسة السفاح إسماعيل صدقي.
وتطلع الطلبة ـ كما يقول شهدي عطية ـ حولهم، ماذا عساهم صانعين. وبدأت الاتصالات بين الطلبة والعمال..وكان أن تكونت فى مدرج كلية الطب بالقاهرة “اللجنة الوطنية للعمال والطلبة”، التى تسجل مرحلة جديدة فى المعركة الوطنية، منذ 1946.
وبظهور هذه اللجنة تبلور وعي رشدي خليل السياسي..فأصبح جنديًا في صفوف قوى التحرر والديمقراطية والسلام..فلقد رأى رشدي مظاهرة 21 فبراير 1946، التى ضمت مايزيد عن الأربعين ألفا..وقيل مائة ألف.. ثم تصدت لها السيارات البريطانية، وانطلق الرصاص من كل جانب، وسقط من الشهداء ثلاثة وعشرين قتيلًا، و121 جريحًا.. وركزت حكومة صدقي اضطهادها على تلك القيادة الجديدة التى ظهرت على مسرح النضال الشعبي ضد الاستعمار والإقطاع والاحتكار.
التحق رشدي بكلية الهندسة جامعة عين شمس..وعرفه الطلاب قائدًا وطنيًا مخلصًا ومناضلًا صلبًا..يحمل شعارات إسقاط الملكية..ويقود المظاهرات الطلابية ضد فاروق والإنجليز.. وطاردته المباحث العامة الخاضعة للسراي والإنجليز..ولكن زملاءه من الطلاب وأهالي حي شبرا ساعدوه على الاختفاء عن أعين البوليس السياسي.
وفى عام 1953 شارك فى تأسيس “اللجنة التحضيرية لاتحاد الطلاب المصريين العام”، وشارك فى إصدار صحيفتها “وحدة الطلبة” التى أعلنت برنامج الاتحاد الذي طالب بحق الطلاب فى المجانية الكاملة للتعليم وبإطلاق الحرية للطلاب فى تنظيم أنفسهم والتعبير عن آرائهم.
واعتُقل رشدي خليل عام 1954 لمطالبته بالدستور والحريات الديمقراطية، ولاحتجاجه على إعدام القائدين العماليين خميس والبقرى في مذبحة كفر الدوار الشهيرة!!..كما كان اعتقاله خوفًا من نجاحه فى انتخابات الاتحاد بجامعة عين شمس، نظرًا للتأييد الطلابي الواسع الذي ناله.
وكان رشدي قد أصبح مهندسًا وعضوًا فى لجنة منطقة شبرا بالحزب الشيوعي المصري.. وبدأ العدوان الثلاثي على مصر 1956 فلعب دورًا بطوليًّا فى حركة المقاومة الشعبية فى القاهرة..وفى حي شبرا على التخصيص..حيث كون فِرقًا من العمال والطلاب اشتركت فى صد العدوان، كما نظم استقبال المهاجرين من بورسعيد وساعدهم فى الحصول على المسكن والملبس والمأكل.
وفى نفس الوقت، شارك فى تنظيم سفر المناضلين الوطنيين إلى الجبهة..وكان لأحاديثه مع الوطنيين أثرٌ كبيرٌ فى تعميق وعيهم بخطر المؤامرة الاستعمارية وضرورة تماسك ورصّ الصفوف لحماية الاستقلال الوطني..مهما كانت الاتجاهات السياسية..واشترك فى كتائب الجامعة التى سافرت إلى الشرقية فى 1956.. وواصل كفاحه من أجل توحيد الصفوف الوطنية، وبناء الجبهة الوطنية الديمقراطية المعادية للاستعمار.. ثم..ثم بدأت الحملة الفاشية المعادية للديمقراطية والهادفة إلى المساومة مع الاستعمار والرجعية.
بكل قواك تنفس
ولتعش الثورة..
فى رأسك..
في قلبك..
فى عضلاتك..
في عظامك..
الثورة..
ليلًا..
ونهارًا
………….
وانقضوا ليلًا..
ذلك أن العادة قد جرت..
بألا يقوم البوليس بالهجوم والتحري..
فى ضوء النهار..!!
ولم يكتفوا بخطفه..بل أخذوا معه أخاه الدكتور فتحي خليل..وفي أقبية المباحث بالقاهرة..تولى الجستابو مكافأته بسائر وسائل التعذيب، مع نضاله السنوات طوال من أجل حياة أفضل لشعبنا..لجماهير العمال والفلاحين..للأطفال..للأجيال القادمة.. ولم تفلح كل وسائل الجستابو الوحشية إلا فى أن تزيد من تمسكه بعقيدته..!! ومن كراهيته للفاشية..!!
ومن ثم نُقل مع أحد الأفواج إلى ليمان أبي زعبل..
وواصل الجستابو المراسيم..حتى التسخير فى قطع الأحجار..
وواصل رشدي خليل الصمود..والإصرار على الصمود..
وأمر الضابط حسن منير بتعذيب عشرين من المعتقلين، فوُضعوا فى زنزانة 2.5×2مترًا، بدون غطاء ولا فراش، فتعذر عليهم الجلوس..واستمر تذنيبهم أربعة أيام، وكان رشدي خليل من بينهم:
الزنزانة صامتة..
كثور جريح..
ينزف الدم من قلبه..
الدخان يتصاعد فى السماء..
والظلال تزحف على الأرض..
ونحن خلف القضبان..
صامتون..
صامتون..
كالرصاص فى الماسور..
وهناك فى الخارج..يتربص الشعب..كالبركان..كالبحر..
أتسمع..
هناك فى مكان ما..
يهدر البحر..
يهدر..
كما لو كانوا..
يقطعون غابة!
وخرج رشدي من الزنزانة مصابا بالحمى..لا ليقدموا له العلاج..بل ليتلقاه الزبانية بالضرب..حتى يُصاب بكسر فى قاع الجمجمة..فيُنقل إلى سجن القاهرة..فى 23 يونيو 1959 أو1960..
وفى نفس اليوم..يموت..عن تسع وعشرين عامًا.
ـ8ـ
سيد أمين
ابن العمال شيوعي..
كان لابد لسيد أمين أن يعتنق هذا المبدأ..فهو ابن آخر من أبناء الطبقة العاملة..وُلد فى أحضانها..وفتح عينه على قضاياها..ورضع منها روحها النضالي..وثوريتها..وطموحها إلى الخلاص..التحرر..!! إنه عامل نسيج وعضو مجلس إدارة النقابة العامة لعمال النسيج الميكانيكي بالقاهرة وعضو الحزب الشيوعي المصري.
عرف أن الاشتراكية تعني:
أن الأيدي إذا اتحدت..
تستطيع أن تزلزل الجبال..
دون أن تفقد شكلها أوحرارتها..
الفردية فى الوقت نفسه..
أن الإشتركية..
هي عندما لا تنتظر محبوبتنا
شيئا منا..
لا دراهم، ولامجدًأ..
عدا الأمانة والإخلاص..
الإشتراكية هي عندما تعرف
القوانين السعادة..
كما لو كانت من واجبات الناس..
أو مثلا..
………..
عندما يدلف الناس إلى الشيخوخة..
هادئين مطمئنين دون خوف أو وجل..
كما يدخلون جنة وارفة الظلال..
عندما..وهذا جوهر الموضوع..
تسمع فى كل مكان ضحكات الأطفال
وخدودهم حمراء حمرة خدود التفاح..
ولكن ضحكات الأطفال كافة لا بعضهم..
ولذلك وهب نفسه للنضال من أجل الاشتراكية!!
لكن ذلك لم يرق لمباحث “الإشتراكية الزائفة”، التى تقوم على حماية الملكية الخاصة لوسائل الانتاج والتى تحمي الرأسماليين من العمال على حد تعبير عبد الناصر نفسه.. لم يرق لها أن يفهم سيد أمين الإشتراكية الحقيقية، التى تقضي على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وتقضي على طبقة الرأسماليين، وتحرر العمال من العبودية إلى الأبد!!.. من ثم..انقض الجستابو ليلًا..وحملوه إلى معتقل الفيوم.. وحاولوا أن يجبروه على الإيمان باشتراكيتهم المزيفة..هو الذي يرى بشاعتها..فى المصنع..والنقابة..كل يوم..كل لحظة..
يرى الاستغلال يمتص دم إخوانه العمال قطرة قطرة..يرى القمع والإرهاب..يرى الجواسيس المنبثين فى كل زوايا المصنع..والحي..والمدينة.. يرى المخالب القذرة المندسة فى حنايا النقابة..يرى القوانين التى يُحسب فيها حساب لكل شيء..إلا لمصلحة العمال.. يرى حقوق الطبقة العاملة مهدرة..ومصادرة.. يرى مستوى المعيشة المستمر فى الانخفاض..ومستوى الأجور..وعدد ساعات العمل.. ويرى فى نفس الوقت مظاهرات التدجيل بالاشتراكية..
وباشر الجستابو معه كل وسائل الاقناع..
وسقط سيد أمين فريسة للمرض..دون أن يقتنع..ثم نُقل إلى مستشفى المنيل الجامعي..ليموت فى اكتوبر 1960.
أيها العمال فى كل مكان..
دقت الساعة كونوا يقظين..
نجيب سرور 1955.

***
” أغنياتي يا حزينة..
يا عصارات السنين،
ستظلين سجينة،
طالما شعبي سجين!”
“ن.س”
***
نذير العاصفة
هُبيِّ..هبي..
يا عاصفة نامت دهرًا،
نامت أجيالًا..
في شعبي.
هبي..هبي..
هُزِّي النيل الغافي،
هزي الشاطئ،
هزي الهرم الراسخ،
هزي الموتى،
فلقد ملّوا طول الصمت،
ضجّوا..حتى ضج الموت،
هبي..هبي..
يا عاصفة نامت دهرًا،
نامت أجيالًا..
في شعب
فاسعدي يا قاهرة!
يا قاهرة..
لم ترأفي يومًا بنا،
لم تبسمي يومًا لنا،
لم ترحمينا..أمنا،
لكننا..
نهواك ملء قلوبنا..
يا قاهرة!
يا نعشنا الملعون،
يا زنزانةً ضاقت..
على أرواحنا..
يا مقبرة!
يا قصة حمقاء يكتبها غبي،
يا جنة خضراء صورَّها نبيْ،
يا مومسًا..يا طاهرة!
يا قاهرة!
***
من أجل مجدك نحترق،
من أجل عرسك نحترق،
من أجل عينك يا حبيبة نحترق.
ولسوف تصلينْ الندمْ،
وستنبشين على بقايانا التراب،
ستلملمين عظامنا..
وستنثرين الزهر فوق قبورنا،
وستنقشين على الزمن:
“الصيف ضيَّعت اللبن..
ضيعتُ أولادي..فيالي
هرةً أكلت بنيها في الدجى..”
يا قاتلة!..
يا أورشليم القاتلة!
فلتقصفي أفراحنا،
ولتمضغي أشلاءنا،
ولتضحكي لجراحنا،
ولتبصقي في وجهنا..
على طريق”الجلجثة”*
ولتصلبينا..إننا
نهواك ملء قلوبنا..
يا أمنا..
ولقد أتينا..ثم نمضي..
فاسعدي يا قاهرة!!
مارس 1959
*
إلى بغداد..(1)*15
1- في البريِّة:
صوت يصرخ في البرية:
” لا تخفى فوق الجبل مدينة..
هل تخفى بغداد الحرة؟!
لا يُطفئ كلُّ ظلام العالم شمعة..
هل يطفئ ثورة؟!
لا يوضع تحت المكيال..
مصباح..بل فوق الذروة،
كي يكشف درب البرية..”
صوت يصرخ في البرية:
” الشعب السالك في الظلمة أبصر نورًا،
المارد غافل سجانه،
وتمطى مثل الزالزال..
في القمقم..فجر جدرانه
لن يرجع يومًا للقمقم..”
صوت يصرخ في البرية.
***
2- ليلى في العراق
العين لها ألف حبيب،
لكن القلب له واحد،
وجبيبي في ظل الكرمة،
والكرمة في قلب الواحة،
والواحة بغداد الحرة..
يا واحة بغداد الخضرا،
يا عش حبيبي بعد شرود العمر..
ما بين الإعصار الأعمى،
والريح..الريح المسعورة.
كبدي..يا كم ضلَّ طريقه!
عيني..يا كم هيض جناحه!
يا كم نزفت في الأعوام جراحه!
حضن الجرح..ولعق الدم،
طار ولم يوقعه ألم.
شق الريح حبيبي..شق الريح،
عبر البحر حبيبي..عبر البحر،
خاض الظلمة لم يرشده نجيم.
كانت كل نجوم حبيبي تحت الأرض!
فبألف يمين حلّفتك يا بغداد..
في قحط العالم..كوني فوق حبيبي غيمة،
في قيظ العالم..كوني فوق حبيبي خيمة،
في ليل العالم..كوني فوق حبيبي نجمة،
في حزن العالم..كوني يا بغداد البسمة..
فالعين لها ألف حبيب..
لكن القلب له واحد.
يوليو 1959
*
رحلة..إلى موسكو*
إلى زوجتي ساشا كورساكوفا
نشرت في الأعمال الكاملة تحت عنوان “مرحبا أيها الفرح”الهيئة، الأعمال الكاملة،ج3، ص88، تحت عنوان ديوان “التراجيديا الإنسانية” عنوان فرعي”إنه الإنسان”.المحرر، م.ف
1- لقاء
عبرت ألف بحر..ألف صحراء وجئت،
أوغلت في الثلوج..في الصخور،
في الوحول خضت.
غرقت ألف مرة..وألف مرة طفوت.
كبوت ألف مرة..وقمت.
حملت صخرتي على كتف،
والروح فوق كفّْ.
وطالت الطريق..أظلمت،
وكشرت..ولم أقف.
وجُنّت الرياح..والرعود زمجرت،
ولم أخف.
تمزق الشراع والجناح،
والذراع جف..
لكنني أتيت!
يا واحتي..على الظمأ ربع قرن،
يا فرحتي..من بعد حزن ربع قرن،
يا نجمتي..يا كعبتي..
يا حلم ربع قرن.
أنا هنا..أنا هنا.
أنا هنا..ولم أمت،
أنا هنا ولم أمت!
2-مفرق الطرق.
منشور، التراجيديا الإنسانية، ط.الهيئة،ج3، ص 89،المحرر،م.ف.
كانت بمفرق الطريق بيننا علامة،
يا حلوتي..وكنت لا أفكُّ حرف.
لكنني قرأت بعد جهدْ:
“1- يا بخت من يرود* سكَّة السلامة!
2- يا هول سكة الندامة!
3- يا ويح راحل بغير عَوْدْ!”
سمَّرت مقلتيَّ في النصب،
وبتُّ في الصقيع ليلتين لم أنم،
والخوف يعقل اللسان والجنان..والقدم.
“يا أنتِ..أين أنتِ!!
في أي أفق يا ترى،
في أي شطٍ..أي كهف،
في أي قصرٍ..أي فردوس،
على أي القمم،
في الغاب..أم في القاع..
أم فوق السحاب؟!
يا أنت..أين أنت؟!
“أوليسُ” طوَّف البحار..
لم يفت عليك،
والسندباد جوبَّ الآفاق..
لم يصل إليك،
و”شهرزادُ” أكملت كلامها المباح،
وحرَّمته بعد ليلة وألف،
ولم تقصَّ عنك.
يا أنتِ..أين أنتِ!
ما أنت في بلاد”واق واق”،
ما أنت فوق ظهر حوت،
ما أنت في جزيرة الظلام،
ما أنت في مدينة على جبل!
يا أنت..أين أنت!
أمامي الدروب أَلْغزت..تشعَّبت..
فأيُّ درب يا ترى يفضي إليك؟”
ظللت نهب حيرة..ولهفة..ورعب،
ومرَّ كهل خلته يجرجر القرون،
ثقيلة خطاه كالرحى،
تكاد تطحن الحصى،
وتعصر الرمال.
“-يا عمُّ..في عرض النبي،
إني هنا من ليلتين لم أنمْ!”
رنا إليَّ..وابتسم،
وقال:
“- يا بنيَّ لِمَ؟(في الطبوعة” نم”)
النوم حلَّال العقدْ،
فعدْ ونمْ..!!
– يا عم مهلًا..إنني قد نمت ربع قرن!
– ما زلت في ريعان نوم!
– الشيخ جُنَّ..حسرتي..الشيخ جنْ..
– لا..بل وقفت ها هنا في مفرق الدروب،
أنفقت عمري أرقب الذين يرحلون،
ويرجعون يا بني..أو لا يرجعون..
– ماذا رأيت؟
– رأيت أحكم الختام أن أنام!
– أن تنام؟!*
– لا تخدعنك هذه العلامة،
فأهول الدروب يا بني ما سهُلْ،
وأسهل الدروب درب هول،
– وثالث الدروب؟
– وثالث الدروب..مجهلٌ بلا خبر..
– بلا خبر؟!
– بلا خبر!”
الجبن يغري بالرجوع،
والفرار أيسر السبلْ،
فالعمر يا حبيبتي قصير،
والسير قد يطول..قد يهول..
قد لا ينتهي،
وقد أموت قبلما أصل!
لكنها بقية من الأمل..
شدَّت خطاي للرحيل في وجل..
قد تُنزِل السماء معجزة..
تصوَّري..قد تنزل السماء معجزة!
قد يهبط”البراق”..
قد يقول ماردٌ “لبيك”
فأمتطيه يا حبيبتي إليك.
“- احذر بُنَيَّ واعتبر،
إيَّاك والمجهول..لا تغازل الخطر،
كم مرَّ ناس من هنا..ولم يعد أحد!
– ولم يعد أحد؟!
– ولم يعد أحد!”
ماذا أخاف يا ترى..ألا أعودْ؟
وهل أريد ألا أعود؟!
وهل أريد أن لا أعود؟!
لأيِّ شئ ها هنا..للنعش..للكفن؟!
للقئ..للخراب..للظلام..للعفن!
ماذا يخاف ميت من ربع قرن؟!
يا ثالث الدروب..لو تطول للأبدْ..
لو تلتوي..لو تنتهي بلحد..
ماذا يخاف قرد..
هل تُمسخ القرود مرَّتين؟!
3- السندباد لن يعود
نشرت ب”التراجيديا الإنسانية”، ط.الهيئة،ج3، ص 93، المحرر، م.ف
دخلت دربي الرهيب في مساء.
لم تبصق السماء معجزة،
لم يهبط”البراق” لم يقل لي ماردٌ”لبيك”.
وسرت يا حبيبتي تشيلني بلدْ،
ويا حبيبتي تحطني بلد،
والموت يفرش* الطريق..
كلَّ شبر مقبرة!
حتى رأيت قبة بيضاء في الأفق،
كانت تلوح كالضريح،
أتيتها مع الشروق..
درت حولها إلى الغروب.
“يا قبة بغير باب،
لم يغسل الضياء جوفها من ألف عام،
ولا الهواء مسَّ قلبها من ألف عام..
كم فيك من مدينة لن* لن أذكر اسمها!
أحبها.أحبها..أحبها..
لكنها تنام في الظلام!”
هنيهةً..وخيمت سحابة،
والشمس غابت..وارتمى للأفق ظل،
والريح هبّت..دوَّمت..واهتزت القفار،
وحطَّ”رخٌ” كالجبل..
فوق الضريح..ثم نام
وقبل أن يفيق في الصباح،
ربطت نفسي يا حبيبتي بمخلبه،
وطار..جاوز السحاب..عانق النجوم،
وأجهد الرياح والشهب.
تصورَّي لو أنه التفتْ..
لو أنه رنا بطرفه إليَّ،
لو لم يكن غبيَّ،
لو كان في دماغه الكبير عقل،
أكان طار بيّْ؟!
4- رأس الحكمة!
نشرت ب” التراجيديا الإنسانية، ط.الهيئة،ج3، ص 95، المحرر،م.ف
وحطَّ فوق قمة لم تغزها قدمْ.
الصمت..والثلوج..والدجى،
وهوَّةٌ بلا قرار،
وبومة تنوح أو عقاب،
وعظمةٌ..وهيكل..وجمجمة،
وحكمة منقوشة على حجر:
” يا سالك الطريق..
إني أتيت مثلما أتيتْ.
رأيت ما رأيت.
السير لم يعد بمستطاع.
والعَوْد لم يعد بمستطاع.
يا سالك الطريق..
خذ نصيحتي..ومُتْ”
وكم قرأت في الطريق من حكمْ،
لكنني دأبت لا أصدق الحكم،
فالخوف أهلك الرجال يا حبيبتي..
من القدم.*
تصوري* لو أن ذلك الصديق لم يخف!*11..
تصوري* لو أنّه مضى ولم يقف!
أكان شاء أن يعود؟!
أكان شاء أن يموت؟!
أكان كلّ جهده..نصيحةٌ على حجر؟!
” يا أيها الصديق مثلما جبنت نَمْ،
أما أنا..فإنني أخاف أن أخاف..”
5- أوديب الجديد
نشرت،التراجيديا الإنسانية، ط.الهيئة،ج3ص 96، المحرر، م.ف.
وسرت يا حبيبتي تشيلني بلد..
ويا حبيبتي تحطني بلد..
والموت يفرش الطريق..
كل شبر مقبره.
حتى أتيت غولة بمنعطف،
كانت تدقَّ ملح..!!
وكان حولها من العظام تلّْ.
يا هولها بشعرها الطويل..
بعينها..بظفرها المهول..
بنابها..بصوتها الرهيبْ:
“- يا أيها الغريبْ،
إني هنا من ألف قرن،
معي سؤال لم يقلْ جوابه أحدْ.
قتلتُ ألف ألف،
بلعت ألف ألف،
فهل تجيب يا غريب أو تموت؟
– شفاعة ً يا غولة الدهور!
– إني تعبت والسؤال قد تعِب.
– ضراعةً يا غولة الدهور!
– أموت لو تجيب..فلتمتْ إن لم تُجبْ”
ألقت سؤالها..يطقُّ من عيونها الشرر:
“- ما أعظم الأشياء،
ما أجمل الأشياء،
ما أخلد الأشياء؟”
وحينما أجبتُ:
“- إنه الإنسان!”
رأيتُ غولة الدهور تنتحر،
وهكذا يا حلوتي أتيتْ.
يا واحتي..على الظمأ من ربع قرن،
يا فرحتي..من بعد حزن ربع قرن،
يا نجمتي*..يا كعبتي..
يا حلم ربع قرن،
أنا هنا..أنا هنا..
أنا هنا ولم أمتْ..
ولن أموت.*
يونيو 1959.
هملت المصري.
نشر منه مقطع ” رقم “15 بعنوان”قبل الرحيل..”، بديوان” لزوم ما يلزم”،ط، الهيئة، ج3، ص 132 ما عدا بعض الشطور الزائدة في المخطوطة عن المطبوعة، المحرر، م.ف.
-1-
قبل الرحيل
“- أنكون..
يا ترى ..أم لا نكون؟
أمِنَ الحكمة أن نحيا الحياة،
كيفما كانت..ونرضى حظَّنا،
أم نخوض البحر في هول الصراع
عُزَّلًا..دون شراع،
أم ترى الحكمة في أن ننتحر؟!
يا دجى..يا صمتُ..يا..يا..
يا جنون!
أنكون..
يا ترى..أم لا نكون؟!
– يا سؤالًا حائرًا منذ قرون،
هائمًا..ليس يقرّْ..
أيها الهاتف من أنت؟!
– أنا بصقة قبر!
أنا خفاش عجوز،
يكره الضوء كما تكره أنت الظلمات،
أيها الضارب في التيه بلَيلْ..
أين في التيه المفر؟
يا صديقي..خذ طريقي..
وانتحر..
– أنتحر؟!
– راحة الراحات،
ترياق الألم،
وخلاصات خلاصات الحكم.
أنت لا تملك غير الكلمات..
*
(كلمات..كلمات..كلمات)
أي عكاز..وفي الدرب ملايين الحفر؟!
أوشك الديك يصيح،
وسرت كالسم أنفاس الصباح،
فوادعًا..أو إذا شئت اختصر..
وليكن وشك لقاء!
“- أيها الهاتف قف!
أيها الهاتف قف!”
واختفى الهاتف في جوف الظلام،
(*ومضى الشاعر يسأل:
“أنكون..
يا ترى..أم لا نكون؟!”)
-2-
بعد الرحيل
وكما يهبط فوق شط،
لا هث الأنفاس..
مشلول الجناح..
بعد أن ضلّ طريقه،
فوق بحر الظلمات..
هبط الشاعر في موسكو،
فيا فرحة مقبور بميلاد جديد.
يا ملايين الهمالت!
يا ضحايا الهملتية!
ها هو الواقع يُزري،
بأمير الدانمرك!
فاطرحوا أيَّ سؤال..
تسمعوا ألف جواب..
يخلب اللبَّ..على كلِّ سؤال!
قالها”لينين” يومًا:
“ما العمل؟”
ثم لم يحلم..ولم يُحصِ النجوم..
بل مضى يرسم للشعب الطريق:
” هاهي القلعة ترمينا..
بأمطار القنابل،
والرصاص،
تقتل الصفوة منا.
وعلينا أخذها..
ويقينًا سوف نستولي عليها،
لو تكاتفنا..وعبأنا القوى،
وتراصَّ الكلُ في حزب موحد!”
يا ملايين الهمالت
يا ضحايا الهملتية..
هاهي القلعة قد ذلَّتْ..
لحزب”البلشفية”،
فاسألوا “أكتوبر” الخالد..
أين القيصرية؟!
واسألوا العمال..
هل يعصى علينا أن نكون،
إن أردنا أن نكون؟
أسألوا أيّ سؤال..
تسمعوا ألف جواب..
يخلب الُلبَّ على كل سؤال:
” كان ما شئنا..وسوف يكون..
ما سوف نشاء،
نحن من أعماق الحضيض..
قد بدأنا..فاسألوا عنا الفضاء!”
يونيو 1961.
***
أوزوريس الجديد..
شهدي عطية الشافعي.
“إن ابني(حور) قد نما في قوته، وقد قدِّر له بادئ الأمر أن ينتقم لوالده”
“إيزيس”
الموت في مدينتي مقيم،
كالداء..من قديم،
كالزائر الثقيل لا يريم..
الموت في مدينتي مقيم.
**
من ألف ألف عام..
من قبل أن يقام..
على ضفاف نيلنا هرم..
مسلةٌ..صنم..
ومعبد..ومذبح..ومحرقة..
أغتيل أوزوريس،
وقطعت أوصاله..وبُعثرت..
ولملمتها زوجة إيزيس.
وكان باعث الحياة،
والخصب والنماء،
وواهب الغذاء والكساء،
والأمن والسلام،
والعدل، والعلوم، والفنون..
واغتاله”طيفون”.
من يومها ونيلنا حزين..
من يومها وشعبنا حزين..
من يومها..للآن..
من سالف الزمان..
لقرننا العشرين.
**
واليوم غيل”شهدي”.
غيل أوزريس من جديد.
وكان رمز جيلنا..
عنوان حزبنا المجيد،
الصامد العنيد،
في كل يوم يا ترى شهيد!
يا حزن..يا ذهول..يا جنون..
يا مأتم القرون!
مدينتي-يا ويحها- تبز أورشليم،
عمورة..سدوم،
كهرة أصابها السعار،
تغتال في النهار..في النهار..
أكبادها..بلا ضمير..
مدينتي..بلا ضمير.
**
طيفون..يا طيفون..
الويل..والثبور..والرجوم،
ونقمة الأجيال والجحيم والسموم..
والموت يا طيفون!
إن كنت في صندوقك العريق،
دفنت من رفاقنا رفيق،
هل تدفن الجموع،
-يا مزخرف النعوش-
وحزبها العملاق..في صندوق؟!
**
إيزيس..يا إزيس..
يا مصرنا..يا أمنا..
لا تيأسي إيزيس!
حوريس..يا حوريس..
يا حزبنا..يا صقرنا حوريس..
يا غرس أوزوريس!
غدًا يهبُّ شعبنا كعاصفة،
غدًا نقضُّ مأتم القرون،
غدًا نقيم عرسنا..
على ضفاف نيلنا..إلى الأبد،
إلى الأبد.
يونيو 1960.
****
رسالة..إلى الرفاق..
يا رفاقي..
بيننا بيد..ودون البيد بيدْ،
أنا في موسكو..وأنتم في القيود..
يا ترى..هل نلتقي؟
وارفاقي..
بيننا في كل شبر مشنقة،
بيننا كل أفانين الخطر،
بيننا القضبان والباب الغليظ،
ووراء الباب جلَّاد مغيظ،
دمويَّ الناب والظفر،
لعين كالقدر،
ساهر يقطع في الليل الطريق،
حاقد يكره أفراح البشر،
ناقم حتى على بسمة طفل..
يا ترى..هل نلتقي؟
**
أنا في موسكو على شطِّ السلامة.
وهنا الإنسان يحيا دون خوف!
وهنا لا يلهث الإنسان بحثًا عن رغيف،
وهنا الإنسان إنسان..ولكن..
قالها من قبل”حكمت”:
” رُفع الشاعر للخلد فنادى..
يا بلادي..ثم مات”!
كل أرض ما عدا أرضي منفى،
كل فردوس جحيم.
يا رفاقي..أنا لن تهدأ روحي..
قبل أن ترقد في مصر عظامي..
كسنوحي!
**
عادني أمس الطبيب،
قال:
” لا تبرح..وأثقل في الغطاء،
وتغرغر بالدواء”
أنا أشكو من سعال،
ورفاقي في السجون..
بين برد الليل في الصحراء..
أو قيظ النهار،
ودبيب السلِّ، والنوم على كومة قش،
وعذاب الكيِّ، أو نفخ البطون..
كيف يا وجهي لا تحمرُّ حتى تحترق..
يا جبيني..لمَ لا تصبح شلال عرق!!
لا تقولوا:
“شاطر جاء إلى البرِّ،
فما يملك ناجٍ لغريق،
غير بعض الكلمات!”
أنا لا أملك في موسكو سواها،
-كلماتي-
غير أنَّا لم نكن نملك في مصر سواها،
عندما كنا نغني شعرنا،
في المقاهي، والزوايا، والأزقة،
وعلى الشطآن همسًا..
في الليالي القاتمة،
فنعير الظلمة العمياء شيئًا..
من ضياء الكلمات.
لم نكن نملك غير الكلمات،
حين كنا كالعصافير نغني..
في الأعاصير نغني..
للملايين الحزينة،
للعرايا، للجياع،
لأماني الشعب..للحب،
لأحلام المدينة،
رغم أن الوحش في قلب المدينة،
وله ألف ذراع..
ألف أذن..ألف مخلب،
وألوف الأعين الصفراء..في كل مكان
لم نكن نملك غير الكلمات.
فاحذروا أن تكفروا بالكلمات،
لحنوها يا رفاقي أغنيات،
فجروها في بلادي معجزات،
اصنعوا منها نجومًا ورجومًا،
وورودًا وسمومًا..
ومعاول،
ومشاعل،
واحذروا اليأس..فكم من يائس..
ولىَّ..ودون النصر خطوة!
صدِّقوني هي خطوة.
وخذوا ثورة”أكتوبر” قدوه..
كان يا ما كان..كان..
كان في روسيا قياصر،
وهم اليوم حكايا وعبر..
كان في روسيا حصون وقلاع..
وسجون..وهي اليوم خبر..
كان في روسيا عرايا وجياع..
وعبيد..وهم اليوم بشر.
ما أبو زعبل..ما الواحات،
ما سجن القناطر..
ولقد شُفتُ بعيني..
شفتُ زنزانة”جوركي”
ضجت الجدران من حولي تغني:
” يا نذير العاصفة،
فلتهب العاصفة”
يا رفاقي ستهب العاصفة،
عن قريب..ستهب العاصفة..
فاحلفوا أن نلتقي،
يوم تغدو أرضنا أحلى عروس،
بالأكاليل على كل الرؤوس..
احلفوا أن نلتقي.
نوفمبر 1959.
***
موسكو في العيد
افرحي في يوم عيدك،
والبسي عقدًا من الأضواء..
يزهو فوق جيدك،
يا عروس الأرض..
يا موسكو..وغني..
وارقصي حتى الصباح،
لا تفيقي من لياليك الملاح،
يا ابنة التاريخ..
يا أحلى صبية..
كل أعيادك..أعياد..
لكل البشرية،
افرحي أم الملايين وغني..
وارقصي في يوم عيدك.
**
وجه لينين على صدرك..
نيشان فخار،
واسمه أغلى شعار،
وعلى كل جدار:
” قُدُمًا يا حزبنا للإنتصار،
للبناء،
ولتحرير الشعوب،
ولتوطيد السلام”
وهنا..في الساحة الحمراء..
في ظل الضريح،
تلتقي كالرسل أسراب الحمام..
من بلاد نائية،
هذه الحلوة جاءت،
ربما من آسية،
هذه السوداء- كالأحداق-
من إفريقية،
هذه الشمّاء من كوبا..
وهذي القانية..
من جريحات الجزائر.
ومئات آخريات،
من شعاب الأرض جاءت،
بالتهاني..بالتحية،
لك أمَّ البشرية،
يا دليلًا للشعوب،
يا شغافًا للقلوب،
افرحي موسكو..وغني،
وارقصي في يوم عيدك.
**
بشري كل الحزاني،
والعرايا، والجياع..
في بقاع الأرض..في كل البقاع،
بشرى الأجيال بالعرس القريب،
واحضني العمال والأطفال
يا أحنى مدينة،
يا منار الكادحين،
في بلادي..وبلاد الآخرين.
واغفري لي أنني اليوم حزين،
فبأرضي مأتم من ألف عام،
لم يُفضّْ!
عندنا الإنسان يا موسكو،
رخيص كالتراب،
عندنا العمال في السوق بضاعة،
بالملاليم مباعة،
عندنا الأطفال في اللفة
يبدون شيوخًا..
يزحف الموت إليهم..
مثل أفعى في الظلام،
دخلت برج حمام.
شعبنا لم يعرف الأعياد بعد،
عيدنا آت..ولكن..
في غدٍ..أو بعد غدْ.
فاغفري لي أنني اليوم حزين،
وافرحي أم الملايين..وغنى،
وارقصي في يوم عيدك.
أكتوبر 1960.
***
عرس أوراس.*
نشرت ب”التراجيديا الإنسانية”، ط.الهيئة،ج3، ص99، م.ف.
كم على صدرك يا أرض الجزائر،
كم على أوراس، والأوراس ثائر،
كم جميلة،
كم جميلة!*
يا عريس الدهر يا أوراس،
يا فارس أحلام العذارى..
كل يوم لك في العيد عروس،
أعذارى هنَّ..أم هن شموس!
أمس للقمة شيَّعنا صبية،
أمس لوَّحنا لها..
في لهفة الأنفاس..بالأيدي..
سلامًا وتحية،
وفرشنا دربها الصاعد شعرًا،
وورودًا..ومناديل ندية:
“يا عروس القمة الحمراء..
يا قصة مجد عربية،
اصعدي يا بنت أوراس الأبية،
يا فدى أوراس..
كم جميلة..كم صبية!”
وبكينا..كم بكينا!
ومضينا بدموع لم تجف،
وقلوب ترتجف،
ثم ها نحن أتينا،
من جديد لنزف!
وعلى السفح ورود..
من زفاف الأمس..لم تذبل..
وأصداء أغاني..
بين أضلاعك يا أوراس..
ما زالت ترفّْ!
غير أنَّا اليوم لن نبكي..
لن نندب في العرس جميلة،
يا مزيدًا من جميلات الجزائر!
يا أكاليل..قرابين الجزائر!
يا شعاراتٍ..ستحدو كلَّ ثائر!!
(*عجبًا للثورة الحبلى،
بكل المعجزات..
العذارى يتقدمن الصفوف،
فارسات..ثائرات..صاعقات،
ليته يُبعث صياد القوافي،
ليته يسمع صوت”الغانيات”:
” كتب القتل والقتال علينا
(وعلى أعدائنا) جر الذيول!”)
**
يا جميلة!
لك في القمة أخت منذ عام،
وإلى القمة تهفو آخريات..
بلِّغي عنهن يا أخت السلام:
” هنَّ أقسمن سيلحقن بنا.
هن..كل الأخوات”
قبِليها باسم ثوار الجزائر،
قبِّلي فيها أخاديد السجائر،
وبقايا من ضفائر،
وجذورًا للأظافر..
قبلي عنا يديها..
قبلي حتى القدم،
قبلي ما خلَّف الغيلان..
فوق ربيعها الورديِّ..
من آثار دمْ.
طمئنيها:
” جيشنا ما زال في الغابات،
في الوديان، في جوف المغاور،
يزرع الأرض جيوبًا،
وفخاخًا، ومقابر،
يصنع النصر، ..وللنصر بشائر،
أشرقت كالصبح في أفق الجزائر”
يا جميلة!
(*أوشكت كلبة أوربا يا فرنسا..
أوشكت من يأسها أن تنتحر،
كلما ازدادت سعارًا..
زادها الثوار رجمًا كالمطر،
هكذا الكلبة..لا يملأ شدقيها
-إذا ما كشّرت- غير الحجر.
ملحوظة: فإذا سألت عنا جميلة
-نحن- رهط الشعراء-
عن أغانينا..فقولي:
” إن فيهم رقعاء..
ينظمون الشعر في فن الخيانة،
في أساليب الدعارة،
في أفانين الشذوذ،
في(رجوع الشيخ)..في الأفيون..
في فضِّ البكارة،
ينظمون الشعر حتى في العطارة!)
يوليو، 1960.
***
صرعى الحزن.
نُشرت بالتراجيديا الإنسانية، ط.الهيئة المصرية للكتاب،ج3، ص102، المحرر، م.ف.
أيها الحزنُ..لماذا يعشقونك؟!
عنكبوت أنت..خفاش..لعين،
شائه الطلعة..لم لا يكرهونك؟!
ما الذي فيك يُحبّْ..
ولماذا يعبدونك..
أنت يا أحقر رب؟!
أنت يا “طَوْطم” صرعانا ومرضانا..
وأفيون الضعاف..!
أيها السمُّ الزعاف..
ما لهم يستحلبونك؟!!
**
المساكين الضحايا..!
صَوروا رمزك طفلًا،
فرشوا دربك رملًا،
نصبوا الأقواس يا حزن أمامك،
فتحوا الأبواب، غنوا”هللويا!”
رتلوا:
“أهلًا وسهلًا!
مرحبًا يا حزن..أَقدِمْ..
واسكن الصدر وأفرخ في الضلوع!”
المساكين الضحايا..!
أشعلوا النار وطافوا،
حول تمثالك رقصًا..
وضراعاتٍ..ودقَّوا..
لك دهرًا بالمزاهر!!
كيف للمأتم أن يُقلب عرسًا،
كيف للتنِّين أن يصبح طفلًا،
أنت تلتفُّ على أعناقهم..تمتصُّهم..
تغتالهم يا حزن كالثعبان..
لم لا يقتلونك؟!
**
المساكين الضحايا..!
صدَّقوا الكاهن والدجَّال والحاوي،
وقطاع الطريق..
صدقوا حتى العبيط!
صدقوا أنك يا حزن عميق،
وعريض وغنيٌّ كالمحيط،
فيك ألغاز..وسحر..ورموز..
فيك يا حزن كنوز،
وغموض يسع الكون ويزري..
بجميع الفلسفات!
فيك مفتاح الحياة..
قيمة الإنسان..معنى الأبدية..!
ومضوا كالبُهم يجترون ما أسموه..
حزن العبقرية:
“مبدأ الكون أنا..
محور الكون أنا..
غاية الكون أنا..
باطل ما قبلنا..ما بعدنا..
ما دوننا الكل عدم!
فتألم..نحن محكوم علينا بالألم!!”
إيه يا حزن”الأنا”،
يا قرين القئ..يا صنو الدعارة!
أيها “البالونة” الجوفاء..
يا ألعوبة السذَّج والحمقى..
لماذا ينفخونك..!
أيها المستنقع الآسن لم لا يردمونك؟!
أعميق أنت يا ضحل..؟ ألا..
يا ليتهم ذاقوا الفرح..!
ليتهم سبروه يا حزن كما..
ظلوّا دهورًا يسبرونك..
فرح الإنسان تحت ظل المشنقة..
عندما تمتد بالحبل إليه..
يد الجلَّاد كما مخلب نسر،
وتغيب الشمس في إبّان ظهر..
وتضجُّ الأرض من ظل عليها يتأرجح،
يتأرجح..
يتأرجح..*
وعلى الثغر ابتسامة.
” إنني أمضي..ولكن..
هذه الأجيال بعدي سوف تفرح،
سوف تفرح..
سوف تفرح..*“
فرح الإنسان بالنصر القريب..
إذ يعاني..يتعذب..
يتمزق..
كبروميثيوس..مربوطًا إلى قمة طوْد..
سائغًا للنسر في كل صباحٍ..
مثل صيدْ..
عاجز الساعد..مهدور الكبد..
بين منقار ومخلب..!
صامدًا يحدوه إيمان بغدْ..
باسمًا في كبرياء..
هازئًا من “قمة الأولمب”..
من عرش “زيوس” والسماء..
هاتفًا بالأرض،
بالإنسان فوق الأرض ربّْ:
” فلتصيخي يا رياح..
يا جبال..
يا بحار..
يا سماوات أصيخي..يا شموس..!!
ها أنا في القفر..في القيد أعاني،
مثلما شاء زيوس..
حبس النار، وللإنسان فيها ألف سرّْ..
ووهبت النار”علمًا”..
و”حياة” للبشر
فإذا الإنسان حرّْ..
هو حر..هو حر..هو حر!
ويلها الأولمب..ويل زيوس..
يوم يجئ بالقوس “هرقل”..!
يوم يُصمي النسر..يصمي كلَّ نسر،
يوم يفري كل قيد..
يومها يومُ الخلاص!!”
**
فلسفوا الحزن لنا:
“قدر الإنسان..بل أقوى قدرْ..
نحن محصورون كالكلبة* في أغوار بئر،
لا تسل كيف المفر..
لا مفر..!”
صورونا في الحزن دمًى،
شدها حبل غليظ للسما،
ثم قالوا:
” غير أن المرء حر..
بل إله..إن تأبَّى وانتحر!!”
فانتحرنا..وانتحرنا..وانتحرنا..
ثم ماذا؟!..يا ترى ماذا قهرنا..
بَقِيَ الحزن..فهل نحن انتصرنا؟!
يا عبيد الحزن..
يا صرعى أفانين الخدّر..
قدر الإنسان أن يقهر حزنه..
قدر الإنسان أن يفرح..
أن يصنع عرسه..
قدر الإنسان أن يخلق..
فوق الأرض جنّة،
بل وأن يخلق نفسه،
قدر الإنسان..
أن إرادة الإنسان في الأرض قدر!!
ما السما..ما قمة الأولمب، ما الأقدار،
ما كلُّ أكاذيب العبيد..؟!
نحن لا نصبح أربابًا..إذا متنا..
ولا نبقى بشر.
نحن أرباب على الأرض نريد،
ثم ندري ما نريد،
ثم إصرار..ونملي ما نريد..
فيكون*
أغسطس 1960.
****
من شاعر مصري..
إلى لينا جاجارين *
ملاكي الصغير..
إليك حبتين من شعير،
وزهرتين،
وسعفتين،
وقبلتين..
هدية يزفّها عصفورْ،
مهاجرٌ من صائد الطيور،
وهارب من ألف ألف فخ..
يعيش يا صغيرتي غريب،
يحنُّ للوطن..
لعشه الحبيب،
لزرقة السماء،
لخضرة الحقول،
لغابة النخيل،
لنيلنا الحنون..مثل أمّْ..
يحن يا صغيرتي..لأبعد القمم..
لقمة الهرم.
لكنها حكاية طويلة..
حزينة كمصرنا الحزينة..
وربما أقصها عليك ذات يوم.
إليك يا ملاكي الصغير..
رسالة صغيرة..صغيرة..
من شاعر صغير..
**
بنيتي..يا برعم النسرين..
غدًا يا صغيرتي..غدًا ستكبرين..
وتزهرين كالربيع..تزهرين..
وتقرأين في حكايا شهرزاد،
عن قاهر البحار سندباد،
وعن علاء الدين،
وفارس يصارع الرياح،
على بساط طائر بلا جناح..
فتنظر النسور في حسد..
وتضحك النجوم..
للفارس السعيد..!
وتقرأين يا صغيرتي”أوفيد”
يقصُّ عن “ديدال” كيف طار:
” مينوس-يا أكار-،
قد أغلق القفار والبحار..
أمامنا..
لكننا برغمه أحرار..
فهذه السماء-يا أكار-
مفتوحة لنا”
وتقرأين”أندرسن”*
يحكي عن ابن تاجر..فقير..
يطير في صندوقه..يطير..
لتركيا..
فيحسب الجميع أنه إله.
قد تغضبين يا ملاكي الصغير..
تطوِّحين بالكتاب..
وتقذفين بالأطباق..بالأكواب..
وتهرعين باكية:
” أمَّاه..ما تقول شهرزاد!
وما يقول ذلك الأوفيد..
وما يقول أندرسن..
أبي..أليس قاهر الفضاء؟!”
لا تغضبي ملاكي الصغير..
فالناس من قرون..
برحلة الفضاء..يحلمون..
يا ألف لغز كان يقلق البشر..
ما زرقة السماء..
ما الشمس..ما النجوم..ما القمر..
وكيف تبدو أرضنا من الفضاء..
لعلها قمر!
وهل هناك مثلنا أناس..
وما عسى يكون شكلهم..
وهل يكدُّ بعضهم..
ليقطف الثمار آخرون..
والحرب..هل تشبُّ بينهم..
فتأكل الصغار والكبار..
وتنشر الخراب والدمار،
أم أنهم هناك عاقلون
يحيون في سلام..!
وهل هناك ربّْ،
وجنة ونار..
كما يردد الكهان..
من سالف الزمان..
أم أن هذا الكون كله لنا..
نعيش فيه وحدنا؟!
لكل شعب يا صغيرتي حكاية..
تقال للصغار في المساء..
عن فارس يطير للسماء:
في الصين طار”فو*
عدا وراء الشمس في يمينه عصا..
يحثّها على العمل:
“حتّام يا ملعونة الكسل..
والناس في عذاب!”
صغيرتي وطار “كو*
في الفيتنام طار “كو”..
بغرسة مسحورة إلى القمر..
وشادَ قصره هناك..
وعاش في هناء..
فأرضنا صغيرة صغيرة،
لكن فوقها من الشقاء..
والحزن والعذاب والشرور
ما لا تطيق ألف شمس.
والناس يا صغيرتي..
من قسوة الحياة..
يهاجرون للسماء..
لعلهم هناك يلتقون..
بطائر السعادة الجميل،
الهارب..البخيل.
صغيرتي..لو أن شهرزاد،
تكلمت في قرننا العشرين،
لاستطردت تقول:
“مليكي السعيد..
واستيقظ التاريخ..
في “أكتوبر” المجيد،
بثورة العمال..
يقودها “لينين”.
وأصبح الإنسان سيد الوجود،
ومالكًا مصيره،
وقاهرًا لكل مستحيل.
وعاد طائر السعادة الجميل،
فحطّ فوق أرضنا إلى الأبد..
ولم يعد خيالنا الكذوب..
يفرُّ للسماء..لم يعد..
فأرضنا حنونة..غنية..جميلة..
تبزُّ ألف جنة تقام في الخيال.
مليكيّ السعيد..
وقبل أن يمر نصف قرن،
تطلع الإنسان من جديد..
لرحلة الفضاء.
لكنه لم يركب الخيال..
لم يرقب السماء في ذهول..
كالطفل..لم يجتزّ حلمه القديم..
عاجزًا..بلا أمل،
وإنما مضى..مضى بلا وجل
ليفتح الطريق للنجوم..
للشمس..للقمر..
ويجعل الفضاء قارة لنا.
لكنها مليكي السعيد..
بداية لليلة وألف..
بل ألف ألف ألف..
أقصُّها عليك من مساء غدْ
إلى اللقاء..في مساء غدْ.”
ويدرك الصباح شهرزاد.
لو كنت يا صغيرتي أباك،
وجبت بالسفينة الأفلاك..
لصغت من نجومها عقود..
أزفها هدية إليك.
لكنني عصفور..
مهاجر من صائد الطيور..
وهارب من ألف ألف فخ،
وليس في يديَّ غير حبتي شعير،
وزهرتين،
وسعفتين،
وقبلتين.
إبريل 1961.
***
طبخة عدس*
مكونة من خمسة مقاطع نُشر المقطع الأول منها في قصيدة”تداعيات السكر والضياع” من “وكان مساء..(إلى) وكان صباح.”ط. الهيئة المصرية للكتاب، الأعمال الكاملة، ج4، ص 135 و 136، أما المقطع الرابع منها”يقولون هذا يهوذا انتحر…إلى متى تنتحر” فقد نُشر في”لزوم ما يلزم”، ط. الهيئة المصرية للكتاب، الأعمال الكاملة، ج،3 مقطع 30،ص161، أما المقطع الخامس وغيره “لم تسألنا أنفك يا مجدوع الأنف” فهو المقطع المعنون ب”طبخة عدس” في المسودة المحررة في الكراس، ولم تنشر القصيدة بكل مقاطعها الخمس تحت هذا العنوان”طبخة عدس” من قبل، المحرر، (م.ف).
” وطبخ يعقوب طبيخًا، وقدِم عيسو من الصحراء، وهو قد أعيا، فقال عيسو ليعقوب: أطعمني من هذا الطعام الأحمر فإني قد أعييت..فقال يعقوب: بِعني اليوم بِكريَّتك، فقال عيسو: إنما أنا صائر إلى الموت فمالي والبكرية، فقال يعقوب: إحلف اليوم، فحلف له، وباع بكريته ليعقوب.”
(سفر التكوين- الإصحاح 25)*
-1-
وكان مساء..
وساقوا أمامك ألف مسيح..
-إلى الصلب- في سكة الجلجثة،
(فبُلتَ من الرعب فوق الوصايا،
وفوق النواميس والموعظات،)*
وقلتَ:
“برئ أنا من صليبي..
من الروح..من كل ابن وآبّْ،
أنا أعبد العجل..أعبد كل الذي،
صُبَّ من فضة أو ذهب..
أنا طوع قيصر ما دام مفتاحُ
كل الكنوز بحوزة قيصر”
وقهقه الديك فوق الجدار..
ترنُّ كأيمانك السابقة*
ضحكنا..ويا حسرة ضاحكة،
فلستَ بأول نذل يخون..
ويحنث..لكنها المعركة،
تدور رحاها فتجلو الحديد،
وتلفظ من قرف بالصدأ،
وكان صباح..
-2-
هذا زمان البطولة،
زمان عليا المثل،
والتضحيات النبيلة،
زمان قن في المصانع،
زمان قن في المزارع،
هذا زمان الشعوب.
-3-
“ملاح هذا العصر سيد البحار”
لأنه يخوضها بلا وجل،
يصارع الأمواج والأنواء،
ولا يسالم التيار..
ملاحنا بطل..
يسدِّد السفين حربة إلى الجبل،
ولا يموت قبل أن يلامس الجبل،
ولا يجيش بالبكا..!
ولا يلوذ بالفرار،
ولا يودِّع الأصحاب في دوامة الخطر،
لأنه يحب أن يموت قبلهم..
وبينهم..
ملاح هذا العصر ثائر،
ملاح هذا العصر في كوبا،
وفي الكونغو..وفي أرض الجزائر،
ملاح هذا العصر لومومبا..
وشهدي، وفريد..
ملاحنا شهيد،
ملاحنا إن عاش ينتصر،
أو مات ينتصر.
ملاح هذا العصر يكره الهدوء،
فيسأل المحيط عاصفة،
( كما لو أن في العواصف الهدوء!) *
-4-
يقولون هذا زمان يهوذا..
فياليتهم صدقونا الخبر،
يهوذا أصاخ لصوت الضمير،
وأسرع من عاره فانتحر،
وأنت..متى يا ترى تستفيق..
متى تستفيق..متى تنتحر؟!
-5-
لِمَ تسألنا أنفك يا مجدوع الأنف،
لِمَ تستجدي أنفك في المرآة؟!
مرآتك تصرخ:
“سبق السيف!
أنفك أنت جدعته
أنفك أنت أضعته..
يا عيسو!
أنت شريت بأنفك طبخة عدس،
بعت حقوق البكرية،
فاشنق نفسك..
فاشنق نفسك..”
مارس 1961.
***
إلى رفيق روسي..
الكادح الأجير يا رفيق،
على ضفاف نيلينا العريق..
يكدُّ منذ صحوة الطيور،
لهجعة الطيور.
وقد ينام دونما عشاء..
سوى لقيمة من خبز..
وقطعة من البصل،
وجرعة من الأمل.
وليس يقرأ الكتب،
ولا يفك-مثلما نقول- خطّ،
ولا يوقع العقود..
بغير بصمة على الورق..
وربما على بياض.
وليس يدري أن أرضنا كرة،
وأنها تدور..
وأن قرننا العشرون..
لكنه يناصر السلام،
لأنه يحب أن يعيش،
برغم قسوة الحياة.
وعندنا عجائز النساء،
يحكين للصغار ذكريات..
عن لعنة الحروب..
و”سلطة” تسوق من رجالنا الألوف،
للموت..في المذابح البعيدة،
وتنهب البيوت والحقول،
وتسرق الحبوب والحمير والخيول،
وتترك الخراب..
والجوع..في قرانا كل حرب.
**
والعامل الشقيُّ يارفيق..
على ضفاف نيلنا العريق..
يحمل الذهب..
ويأكل الحطب..
كأنه الجمل.
وينتهي لولده الصغار،
في آخر النهار..
بحفنتين من عرق..
ودمعتين..
وبسمة تضل في رموزها العقول..
لكنه يحب روسيه،
لأنه يميِّز العدو والصديق،
ويذكر الجميل،
لشعبك النبيل..
في حرب بورسعيد.
**
والعاطل الشريد يا رفيق..
على ضفاف نيلنا العريق..
يهيم في شوارع المدينة..
يدْعُّهُ الرصيف للرصيف،
يطارد الرغيف..
وينثني بخيبة الرجوع كالبجع..
في قصة يقولها الرواة..
ليطعم الفراخ من حشاه.
وربما يبيع”يا نصيب”..
و”الباغَّ”..والثقاب..
وربما يبيع في قنوطه دمه..
بلا ثمن..
سوى زجاجة من اللبن..
وبضعة من القروش..
لكنه يحب روسيه،
لأنها تقيم في بلادنا المصانع،
والسدَّ في أسوان..
لتجعل الإنسان..
في أرضنا..إنسان..
**
وهمسة أبثها إليك في الختام..
عن إخوتي..حمائم السلام،
ضمير شعبنا..
وعقل شعبنا..
وقلب شعبنا..
من حزبنا..طليعة العمال..
هناك يا رفيق..في السجون،
والهول في سجوننا فنون،
النفخ في البطون..
والكي..والجنون..
والقتل في الظلام،
لكل من يناصر السلام.
مايو 1961.
**
آخر فرعون..
“إلى الماثلين أمام محاكمات الإسكندرية!”
1– عودة خوفو:
خوفوعاد..
أنا لا أمزح..أقسم خوفو عاد..
خرج علينا كالجلاد،
من أعماق الظلمة..من جوف قمامة،
من كهف التاريخ الأسود،
تاريخ بلادي المنكوبة بالأوغاد.
خوفو عاد..
قد بصقته الأرض الشبعى بالأقذار..
أرض النيل الشبعى بالأقذار..
أفلت من قبر منسيّْ،
من تابوت فرعونيُّ،
كان دفينا في وادينا منذ قرون..
خوفو عاد..
نفس الوجه البوميّْ..
نفس الأنف الأفطس..
نفس بروز الفكَّين..
نفس اللعنة..
نفس النقمة في الشفتين..
نفس الحقد الأعمى..
في العينين..
نفس الصلِّ الأرقط فوق الجبهة..
فليقل الحمقى”أسطورة”..
ما ذنب الراوي..
والصورة نفس الصورة،
الأولى قبل الميلاد..
وهذي في القرن العشرين..
خوفو عاد..
2- موكب في طيبة:
ها هو موكب خوفو الثاني،
يخرج من قصر “القبَّة”.
كان قديمًا يركب في الأعياد محفَّة..
أثقل من أطنان الرمل..
تقصف أعناق الأحباش..
أما اليوم فيركب شيئًا كالطاووس..
ماركة”كاديلاك”..
صنعت من عرق العمال،
وجلود الزنج..
في بلد الشيطان الأصفر..
في أمريكا..
ولكم قصفت من أعناق..
في الفابريكة.
ها هي تخطر كعروس،
تختال بقلب مدينتنا،
ما بين ملايين الجوعى..
وعرايا شعبي..يا مرحى..
ما أحلاها..!
ويرتِّل جوق الكهان:
” ما أجمل خوفو في الكلاديلاك..
وعلى حبهته ثعبان..
والتاج به لؤلؤتان..
رمزان لطيبة ودمشق.
فلتهنأ يا خالق طيبة..
يا باعثها..ولتتألق..
ولتشرق دومًا في أفقك..
يا شمس الشرق..
يا ربًا فوق الأرباب
يا محيي غابات اللوتس..
والبردي..وحقول الحنطة..
يا ظلًا للإقليمين..
ولتسعد طيبة ودمشق!”
وتقول جموع البسطاء..
من شعبي..همسًا..في طيبة:
” يا وارث بترول الشرق،
يا ذيلًا لرجال المال،
يا فاتح كل الأسواق..
في وجه”البنك”،
يا ألعن من “تيمورلنك”..
ولتشهد بغداد عليك..
يا مرسل آلاف الأذرع،
تتسلل في جوف الظلمة،
تغتال القاصي والدانْ،
وتؤجج نيران الفتنة..
في كل مكان.
يا صاحب آلاف الأعين..
تتسابق في الإقليمين،
ككلاب الصيد..
تحصي أنفاس الإنسان..
يا جنكيزخان..
يا مرجع قانون الغابة..
يا رأسًا لأحط عصابة..
يا قرصان..
ما خطف فرنسا “بن بلا”
بقذارة خطفك “فرج الله”،
يا جزار..
ولتشهد كفر الدوَّار،
عن شنق “خميس” و”البقري”..
يا سجان..
وليشهد سجن الواحات..
والمزَّة-يا بطل العزة- وأبي زعبل..
عن جنة خوفو المنسية.
ولتسعد طيبة ودمشق!”
ويرتل جوق الكهان:
“النيل عطاؤك يا خوفو..
والوادي عرشك يا خوفو..
والكل عبادك يا خوفو..
يا صقرًا..يا أقوى ثور..
يا مهلك بابل وأشور..والصهيون..
يا قاهر كل الأعداء،
بذراعك-من غير معين-
في سيناء!!”
وتقول جموع البسطاء:
“في سيناء؟!
لمَ يهرب ضباطك ليلًا..
من “قادش” في زيِّ نساء*!
لمَ نصمد في بورت سعيد
-كالصحرة- من غير سلاح..
معذرة..إلا سكين..
لمَ ترسل روسيا إنذارًا!
يا ألعن من ألعن قيصر..
يا أول كل الأبطال!
يا آخر كل الأبطال،
يا إسكندر..
يا هانيبال..
يا أعظم من تيتو الغالي،
وفرنكو..والراحل هتلر!”
ويسير الموكب في طيبة..
بين الآلاف المكروبة..
يا ويح مسيح لم ينزل..
أجيالًا..من فوق صليبه!
3-شعبي يضحك:
وتدوي في المقهى ضحكات..
تتعالى..تصل إلى الشارع.
شعبي يضحك..
يحكي النكتة تلو النكتة..
يمسخ فيها خوفو..
يمسخ رهط الكهنة..
يمسخ كل الطبالين الزمارين،
حتى يتعب..
فإذا شعبي..يمسخ حتى نفسه!!
ثمة نكتة..
عن رجل يخلع من أنفه..
ضرسًا معطوبًا..من أنفه..
كي لا يسجن!
فالويل لمن يفتح فمه..
في طيبة..يا للحرية!!
ثمة نكتة..
عن خوفو يتنكر يومًا..يدخل سينما،
ليرى فيلمًا عن أمجاده.
ضجّت كل الأيدي بالتصفيق..
حين رأته على الشاشة..
إلا خوفو..لزم الصمت.
رآه حريص من بسطاء الشعب..
همس له..لكن في رعب:
” صفِّق..صفِّق يا ابن اللبوى..
كي لا تسجن!”
والمخجل في قول الراوي،
أنْ صفَّق خوفو من خوفه!
شعبي يضحك..
يضحك حتى من جوعه،
يضحك حتى من عريه..
يضحك حتى من دمعه..
يضحك حتى من جرحه..
يضحك..يضحك..حتى يضحك..
شعبي يضحك!!
4- محاكمة:
ويجئ الموكب للمعبد.
وهناك محاكمة تُجرى في سرداب،
لطلائع شعبي..عمالًا..أو طلابًا..
أو كُتّاب.
فينادي رهط الكهان..
بالقربان..
بدماء جميع الحملان..
كي يثمل خوفو..وسعود..
وحسين القزم..
وتُسرَّ قلوب الأرباب..
في أمريكا..
5- نداء الأرض:
أرضي تعبت..
داخت..ناءت بالأهرام..
دَميتْ..دميت..حتى ضحكت..
ضحكت..ضحكت..حتى دميت..
ناحت..ناحت..حتى بُجَّتْ:
“آن لخوفو أن يُدفن،
أن يصبح آخر فرعون..
في فجر يأتي بالثورة..
وسيضحك شعبي من قلبه..
عندئذٍ..ولأول مرة!!”
ديسمبر 1959.
**
ذات فجر!
علم أسودْ..
فوق السجن يرفرفْ،
منذ شروق الشمس يرفرف،
مثل جناح غرابْ،
إني أعرف..
وأنا أمشي في الميدانْ،
أعرفُ ماذا يجري الآن،
خلف الباب!
لا..بل كل العالم يعرفْ،
فلقد خرجت صحف اليوم..
ببضعة أحرف،
في زاوية بين زحام الإعلانات:
“شَنْقُ خميس..
شنق البقري..
كوكاكولا..
بيبسي كولا”!!
شُنِقَ اثنان..
خُتِمَ الساعةَ تابوتان..
وُضِعا في زاوية العنبرْ..
وأنا أمشي في الميدان..
أُنْظُرْ..أنظر..!
هذا عاملْ..
هذا الآخر..
هذا الخامس..
هذا العاشر..
مئةٌ؟!!..ألف؟!؟..كم مليون؟!!
شُنق اثنانْ..
وأنا أمشي في الميدان..
والقرآن،
يأتي من مذياع المقهى،
شيئًا مثل فحيح الأفعى،
يونس في أحشاء الحوت!
” يا أحشاء كالتابوت..
يونس حيٌّ ليس يموت!”
عجبي!
الأمر في مدينتي عَجَبْ!
وأعجب العجب..
حكاية قد ملها الملل،
للذئب والحمل،
تعاد في مدينتي بلا خجل..
فيوصف “البطل”
بأنه “عميل”..
ويوصف “العميل” بالبطل!
وقاتل يسير في جنازة القتيل،
وخائن على جبينه إكليل،
وداعر يُقام لاسمه نصب..
الأمر في مدينتي عجب!!
لغة إيزوب*!
غير منشورة، ما عدا مقطع “فتوى” نشرت في “لزوم ما يلزم” تحت نفس العنوان”فتوى” المقطع رقم”16″، ط، الهيئة المصرية للكتاب، ج3، ص 134، 135، المحرر(م.ف).
1- إفلاس:
ماذا تبقى في الجراب،
أخلاء، كما يخلو من الأسنان
-في عمر القبور- فم العجوز!
ياللخراب!
“إيزوب” أفلس..أم ترى
“أوديب” قد فكَّ الرموز؟!
كم في الصدور من الكنوز..
كم في النفوس،
كم في الرؤوس،
آلاف آلاف الشموس..
مخنوقة خلف السحاب،
خلف الضباب،
آلاف آلاف الجواهر في التراب..
حتام يا إيزوب..حتام العذاب؟!
3- نصيحة:
– خذ ما تشاءْ..
هذي الفهارس..كالسماء..
ملأى بآلاف النجوم:
سيزيف،
ديدالوس،
أوليس،
بروميثيوس،
بنلوب،
هرقل!
خذ ما تشاء..
إيزيس،
أوزوريس،
حوريس،
وستْ.
وشهرزاد..
والسندباد..
أو خذ-إذا شئت- المسيح!
-شكرًا..أنا أهوى الوضوح،
أنا لا أطيق بأن يظل الشعر،
شيئًا دون روح،
كم مرة قلنا “المسيح”،
ولم نَفُهْ “باسم” المسيح!
لا..لم نقل ما في العقول،
إيه نحن بالألغاز كفَّنَّا..
دلالة ما نقول!
شعرهم!
-ماذا تقول؟!
-الكون بيت العنكبوت!
-والشمس؟
-صرصور!
-أجدت..وما النجوم؟
-ضفادع في جوف حوت!
-وما السحاب؟
-رموش عين الأخطبوط!
-والأرض؟
-تلك عجيزة من عهد “لوط”!
-عذرًا..فلم نفهمْ..
-وهل كانت لكم يومًا عقول؟
فتوى!
-أعطوا لقيصر ما لقيصر..
وللإله..
ما للإله.
-فما الذي يبقى لنا؟!
-ماذا تبقى عندكم؟
-لم يبق شئ!
-طوبى لكم!!
العشاء الأخير!
لزوم ما يلزم، ط.الهيئة المصرية للكتاب، الأعمال الكاملةج3، ص 156، 157، المحرر(م.ف).
-غدًا أكون على الصليب..
أنا العريس!
-نفديك بالدم يا معلم..
بالنفوس..
-لاتكذبوا..
فلسوف يُسْلِمني الذي..
منكم يشاركني الغموس!
-أأنا أخونك؟!
-أنت قلت!!
-وأنا؟!
-ستنكرني ثلاثًا..
قبلما الديك يصيح..!
– إني لأقسم يا مسيح..*
-غدًا أكون على الصليب،
وغدًا لناظره قريب!!
**
فرج الله الحلو* والجستابو.
نوفمبر 1959.
القرن يقال العشرون،
والعام التاسع والخمسون،
لكن لا أذكر ما الشهر،
لا أذكر حتى ما اليوم،
والساعة..لا أعرف كم..
فهنا..في جوف الزنزانة..
خلف الشمس..
يسري توقيت الحستابو.
ما اسمي؟ لا قيمة للاسم..
فأنا رقم..
في شرع الجستابو رقم.
سألوني من زمن:
“ما اسمك؟”
تيلمان..أو شهدي..أو فهد..
أو فوتشيك..أو قولوا الحلو..
ما شئتم..قولوا أيَّ اسم.
“عساف..
اسمي عساف!”
جُنَّ الجستابو وانفجرت،
من وجهي آبار الدمْ.
فبصقت دمًا ملء الفمْ،
في وجه الجستابو الجهم،
وأنا أضحك..
ركلة،
لطمة،
لكمة،
آه..
زعقوا:
“ما اسمك؟”
إنسان..إني إنسان..
ابن العمال..شيوعي،
من رأسي حتى قدمي،
من أغور أغوار القلب،
جنديٌّ في جيش الحزب،
قربان من أجل الشعب..
في مصر أنا..في سوريه،
في لبنان..
في العالم..في كل مكان..
أنا وطني كل القارات،
أنا حامل راية لينين،
أمشي في زحف العمال،
لختام صراع الطبقات..
“عسَّاف..
اسمي عساف!”
وأعاد الجستابو الكرَّةْ.
لا أدري في تلك المرة،
من أين الآبار الثرَّة،
في جسمي..كانت تتدفق.
حاولت طويلًا أن أبصق..
جاهدت..ولكن لم أبصق.
وتدور الأرض..
والسقف الصخري يدور،
وتدور الجدران تدور،
ويلف الأشياء ضباب،
وتغيب وجوه الجستابو،
وأغيب أنا..
والقرن يقال العشرون،
والعام التاسع والخمسون!
**
وحدي في جوف الزنزانة..
وحدي أنتظر الجستابو
وحدي..وحدي..
أأنا وحدي؟!
ومئات قبلي..ومئات..
حولي..ومئات من بعدي،
وألوف ألوف العمال..
في الخارج..لا بل في قلبي..
ورفاقي..كل الشرفاء..
في وطني..يحضنهم شعبي،
أأنا وحدي؟!
لكن أذكر أني وحدي،
كنت أسير بقلب دمشق.
والساعة منتصف الليل.
البرد رصاص مسموم..
والريح تنوح كما بوم،
والشارع خالٍ من نَسَمَةْ،
ودمشق تلفِّعها الظلمة،
والليل ضرير..لم تبسم،
حتى نجمة.
ويجئ نباح الجستابو:
“يحيا ناصر
هايل ناصر”
أذكر..أذكر..
يذكر مثلي تيلمان..
يذكر فوتشيك”
“يحيا الفوهرر
هايل هتلر”
أذكر..أذكر:
“يحيا حسني،
والحناوي،
والشيشكلي..”
أضحك..أضحك..
يضحك كل العالم..كل الشرق،
تضحك كل دمشق..
“أين الفوهرر!”
سرتُ أفكِّرْ..
أكبادي..زوجي..بيروت..
يا بيروت!
أكبادي في سجن المزة..
وأبي زعبل..
في كل العالم أكبادي يا بيروت..
من مات..ومن سوف يموت..
أو يحيا من اجل الشعب!
البرد رصاص مسموم،
والريح تنوح كما بوم،
والشارع خالٍ من نَسَمَّة،
ودمشق تلفعها الظلمة،
والنجمة تهمس للنجمة:
“هجمة..
هجمة..
فرِّي..قد هجم الجستابو!”
ضربه..
آخرى..
آخرى..آه..
لكأني أركب أرجوحه..
تعلو..تهبط..
تعلو..تهبط..
غابت عني المرئيات..
أسقط..
أسقط..
والقرن يقال العشرون..
والعام التاسع والخمسون.
**
مطروح مشلول الجسمْ،
أتلوى في بركة دم،
بعظامي شئ..بعروقي..
بكياني..يسري كالسم.
نادوني باسمي..”فرج الله”..
لكني أحيا متنكِّرْ..
في”عسَّاف”
عرفوا اسمي..مِمَّنْ عرفوه؟!
قابيل يطعنه أخوه..
من هابيل؟
من هابيل؟
قلبي يتخطى الأسوار،
ويغافل كل الحراس،
ليعانق كل الشرفاء..
في حضن دمشق..
“كيف حالك يا جار،
لو تعرف شو صار!”*
هل عرفوا أني في المزّة..
في قاع الجبّْ..
هل كشفوا خنجر هابيل
في ظهر الحزب؟!
**
يونيو 1960
القرن يُقال العشرون
والعام يقال الستون..
وأنا في الجبّْ.
عينايَّ على الباب المغلق،
أذنايَّ على الصمت الأخرس،
من باب فضولْ.
ماذا في وسع الجستابو،
فوق التعذيب الوحشيّْ،
فوق الكيّْ،
أو صبّ الماء المغليّْ!
بعد البارد..
والبارد بعد المغليّْ،
ماذا في وسع الجستابو؟
خلع أظافر؟
خلعوها من أول يوم،
خرجت باللحم وبالدم،
لن تنبت لي بعدُ أظافر.
أسناني؟ هل بقيت سنَّة،
في فكيّْ؟!
عقب سيجارة في اللحم؟
حرقوا لحمي..
هل يُغرس عقبٌ في العظم؟!
قطع لساني؟
هم أحوج مني للساني..
ماذا في وسع الجستابو..
غير الموت..؟
الموت لعين ورهيبْ..
لكن في جبِّ التعذيبْ..
لا نخشاه..
نتمنَّاه..
فالموت لنا مثل الواحة،
حلم الظمآن إلى الواحة،
والموت لهم..للجستابو..
يعني الصمت..
فالميت من غير لسان،
والحيُّ له ألف لسان..
قد يتكلم..
قد يضعف يومًا..قد يركع..
يتخاذل..يرضخ..ينهار..
ويبوح بكل الأسرار
ويخون الحزب!
**
حملوني فوق النقالة.
هبطوا سلمْ..
ساروا..لفّوا..
دخلوا غرفة،
داخل غرفة،
داخل غرفة.
وقفوا..حطوا النقالة..
ماذا بجراب الجستابو!
” من هذا..
هل تعرف منْ؟”
وأشاروا للشخص الواقف.
بصري من أيام يضعف..
لكنْ أعرف..
أعرفُ مَنْ..
“-لا..لا أعرف..
-حدِّقْ فيّْ..
حدق..تعرف أم لا تعرف..
يا..فرج الله..!”
خان النذل!
قال..”وقعتَ ووقع الكلّْ”
الخائن..هذا هابيل!
كم غيري في سجن المزة..
كم قابيل!
كم قابيل!
الخائن يدعوني خائن..
يضحك مني،
ينصح أن أستسلمْ..
أن أتكلم..
يزعم أني أحمق..
قال:
” خسرتَ اللعبة..
خسر الحزب اللعبة..”
لا لم نخسر..
هذا أول شوط..
وفقط..أول شوط..
وغدًا نضحك نحن بآخر شوط.
**
“هل تتكلم؟”
وضحكتُ..فجنَّ الجستابو..
ركلة..
لطمة..
لكمة..
وأعادوا وصل التيار..
ياللصدمة!
آه..!
“هل تتكلم؟”
أقسمت بلينين الخالد،
وبراية حزب العمال،
أقسمت بكل الأجيال:
“لن أتكلم!”
وأعادوا وصل التيار..
يا للصدمة!
آه..
“لا يجدي الصمتْ..
مت..أو قل..
لا تخجل..قد قال الكل..
وانحلَّ الحزب..”
تلك قديمة..!
أوَ حزب العمال يُحَّل..؟!
إلا بفناء العمال..؟
قد شاخت حيل الجستابو..
هرئت أحبال الجستابو..
هاتوا الآخرى..
“لن أتكلم!”
وأعادوا وصل التيار..
يا للصدمة!
آه..
“الحكمة أن تنقذ نفسك
ما كُنْيَة أعضاء اللجنة..
من يعمل من أجل الجبهة..؟
أسماء..بضعة أسماء!”
تلك الحكمة!
قلبي يتخطى الأسوار،
ويغافل كل الحراس،
ليعانق أعضاء اللجنة،
ويُقبِّل أنصار الجبهة،
لا تخشوا..فالموت قريب..
لا تخشوا..أنا لن أتكلم:
“-لن أتكلم!”
“-لنجرب فيه المنفاخ!”
المنفاخ..!
طرق الجستابو الملعونة..
أنا أُنفَخُ مثل البالونة..
أه..
الموت بطئ..لا يأتي..
لِمَ لا يأتي..
لم لا يأتي..
سأموت أخيرًا..سأموت..
أكبادي..زوجي..بيروت..
يا وطني..يا كل العالم..
أنا أنفخ مثل البالونة..
والقرن يقال العشرون..
والعام يقال الستون.
**
يونيو 1961
الألم يغوص إلى مخي..
والنار جحيم في جوفي..
حلقي جفّْ..
“أشرب..أشرب”
رفعوا رأسي..
يا رأسي ظلي مرفوعة.
صبوا قطرة..
لكن لم يعطوني الآخرى..
يا للبخل..
نصفي مات..
ويدبُّ الموت إلى نصفي..
لكن قلبي..
في صدري مازال يدقّْ،
بيروت..دمشق،
الشعب..الحزب،
الشرق..الشرق..
كل العالم.
يا قلبي يا أعند قلبْ،
يا قلبي مازلت تدق..
رفَّتْ نسمة،
في أعماقي..رفت نسمة،
غنوة..غنوة..
تأتي من أحضان الأَرز،
قلبي في أحضان الأرز..
أرزة..أرزة..
إني أذكر هذا اللحن..
نغمة..نغمة..
لكن ما كلمات الغنوة..
ما الكلمات؟
“إحنا الشعب..
إحنا الشعب..”
صمتًا..صمتًا يا جستابو!
نحن الشعب..
نحن الشعب..
لكن ما كلمات الغنوة..
“بطل الثورة..
احنا معاك”
صمتًا..صمتًا يا جستابو!
نحن الثورة..
نحن الثورة..
لكن ما كلمات الغنوة..
ما الكلمات؟
أنا لا أذكر..
ألمح بقعًا..
فوق الحائط..فوق الباب..
أتراه دمي؟..أم دم منْ؟
أسمع وقعًا..
وزعيقًا في الظلمة:
“مارش..
يحيا ناصر..
هايل ناصر”
أسمع صوت المزلاج..
يا جورنج*
يا زكريا..
يا سرَّاج..
أهلًا..أهلًا..
ماذا في وسع الجستابو..
غير الموت؟!
الآن ذكرتُ الكلمات..
“نِحْنا ودياب الغابات ربينا،
بالليل الداجي العتمات مشينا..
للغاب ليالينا..
للريح غناينا..
هيك..هيك..
نحنا هيك ربينا..*
للشعب أغانينا..
للحزب أغانينا..
“هيك..هيك..
نحنا هيك ربينا”
**
-2-
نبأ..
مات بالأمس فرج!
أيها العمال في كل مكانْ..
دقت الساعة كونوا يقظين.
هي حرب الطبقات..
منذ أن كان صراع الطبقات،
منذ أن كانوا وكنا..
منذ كان العبد يعملْ،
ثم لا يأكل والسيد يأكل،
منذ كان القنُّ يعمل،
ثم لا يأكل والمالك يأكل،
منذ أضحت قوة العامل سلعة..
تضمن الربح لربِّ الرأسمالْ.
هي حرب الطبقات..
“قد أرادوها إبادة..
حسنٌ..فليأخذوها”*
لا هوادة..
أيها العمال في كل مكان..
مات بالأمس فرج..
أيها العمال..كونوا يقظين!
-3-
جِناز
“الحادي”
مات من قبلي وقبلك،
مات من أجلي وأجلك،
مات من أجل الملايين التي
حولي وحولك،
ماتَ..ماتْ..
فرج الله.
“كورس”
لا تقل مات فرج..
فهو في صدري وصدرك..
هو في قلبي وقلبك،
هو في كل الملايين التي
حولي وحولك..
في المصانع،
في المزارع،
في الشوارع،
الملايين التي تزحف تزحفْ
قُدمًا..لا تنثني..لا تتوقف..
هي كالأمواج صفٌّ بعد صفّْ،
كلما ماتت على الصخرة موجة،
عاجلتها ألف موجة،
هكذا البحر عنيد،
هكذا الحزب الشيوعي المجيد،
أينما كان..غنيٌ بالرصيد..
بألوف كفرج..
لا تقل مات فرج..
“الحادي”
كان مثلي..كان مثلك..
مثل كل الناس..من لحم ودمْ.
مثلما نبسم للطفل حنانًا..
كان يبسم..
مثلما نألم للوخزة..للخدشة..
يألم،
مثلما نهوى الحياة..
كان يهواها فرج..
فلماذا مات..مات..
فرج الله؟
“كورس”
قالها من قبل فوتشيك:
“نحن حبات البذار..
نحن لا ننمو جميعًا..
عندما يأتي الربيع..
بعضنا يهلك في هول الصقيع،
وتدوس البعضَ منا الأحذية،
ويموت البعضُ منا في ظلام الأقبية..
غير أنَّا كلنا..لسنا نموت..
أبدًا..لسنا نموت،
نحن..حبات البذار.
نحن نعلم..
نحن يا هتلر..يا فرعون نعلم..
أن أطلال القبور
ستُغطى ذات يومٍ بالسنابل.
وسينسى الناس أحزان القرون،
وسينسون السلاسل،
والمقاصل،
والمنافي..والسجون..
وستُكْسى الأرض يومًا بالزهور،
وستأسر الفرحة الكبرى..
جروحًا في الصدور،
فرحة النصر..إذا جاء الربيع..
نحن إذ نحيا..فمن أجل الربيع..
وإذا متنا..فمن أجل الربيع..
نحن..حبات البذار”
حكمة التاريخ أن يغتال هتلر
ألف حبَّة..
ألف فهد..ألف شهدي وفرج..
ألف فوتشيك..
ألف تيلمان وأكثر..
قبل أن يسقط هتلر..
غير أن الزرع يومًا سيقول..
عندما يأتي الربيع:
“باسم حبات البذار،
باسم كل الشهداء،
يضحك التاريخ من هتلر يضحك..
ثم يضحك..
ثم يضحك..
كان دومًا قبل هتلر..
حزب لينين وماركس..
وسيحيا بعد هتلر..
حزب لينين وماركس.
عاش للحزب فرج..
مات للحزب فرج..
مات..فليحيا فرج..
لا تقل مات فرج.
يونيو 1961.
نَعَمْ!
-شيوعي؟
-نعم.
شيوعي من الرأس حتى القدم
أنا لكمو..لكمو كالقدرْ..
وما من مفرّْ..
أنا فوقكم..
أنا تحتكم..
أنا حولكم..
أنا من وراءٍ..أنا من أمام،
أنا كإله الأساطير..
أسكن كل مكان،
أنا فكرة في ضمير الزمان..
أن شعلة في صدور الجموع،
أبشر في ليلكم بالخلاص..
من الرق..من ظلمات القرون..
لعمالنا،
لزراعنا،
لأجيالنا،
لكل الشيوخ..لكل الشباب،
لكل الرجال..لكل النساء..
لأطفالنا..بسمات الصباح
وللأمهات..
ومن في البطون..
شيوعي..
نعم!
أمام صورة
في متحف يدعى”تريتاكوف”
-في موسكو- أحدق كالسليب،
في صورة فوق الجدار:
“من ها هنا مرَّ التتار،
وكأنهم سحب الجراد،
توقفت فوق الحقول..
هنيهة..قبل الحصاد.
ماذا سيبقى بعدهم..غير الذبول،
غير الذهول!
حتى القبور،
ضنوا على الموتى بها..
حتى القبور.
فلتشهد الغربانُ..
من حول الوليمة والنسور،
عن “جود” جنكيز خان معجزة الدهور،
مدَّ السماط وحث في الأرض المسير..
ليقيم آلاف الولائم..
ما الذي أبقى الضيوف؟
ما بالهم لم يرحلوا خلف المضيف؟..
أتراهمو ملَّوا اللحوم؟!”
ولمحت شابًا..أمسكت بذراعه،
رعبًا فتاة.
جذبته وابتعدا..
وغابا في الزحام.
وظللت مشدودًا إلى تل العظام،
وإلى غراب قابع في الركن..
فوق الجمجمة..
أيقول:
“هذي الخاتمة!
هذا حصاد الحرب..
لا أثر لحيٍّ أو حياة،
لا شئ إنْ مرَّ الغزاة..
سوى الخراب..
وسواي فوق الجمجمة؟!”
فكرت في كوريا
وفي الفيتنام..
والكونغوا..
وأنجولا..
ولاوس..
فكرت في كوبا..وتونس..والجزائر..
فكرت في مهد الطفولة بورسعيد..
وتمور في رأسي صور..
عن هيروشيما..
عن ناجازاكي..
جينكيزنا قد بزَّ جنكيز التتر!
إن مر في أرض..فما
يُبقي عليها من أثر..
يوحي بأن كان البشر..
يومًا عليها يمرحون.
حتى تلال العظم..لاتبقى..
إذا جنكيز هذا العصر مرّْ!
الحكاية!
لم جُنّْ؟
كيف جن؟
لم يكن يدري أحد.
بسمل البعض وقالوا..
بعد لمس الأحجبة:
“ركب المسكين جِنّْ”!
وانبرى البعض يقول:
“بل هو الأفيون..
يغتال العقول”!
ثم قال البعض:”آية..
من علامات الولاية”!
والحكاية..
وبسطرين فقط!
أنه قد أطلق الفيرانَ..
واصطاد القطط!
***
أقوال.
نشرت أربع مقاطع منها في قصيدة”كلمات غير متقاطعة”، ديوان فارس آخر زمن، ط، الهيئة المصرية للكتاب، الأعمال الكاملة، ص،169 170، 171، ج4، المحرر، (م.ف).
قلتم لي:
“لا تفتح بابًا تأتي منه الريح!”
ففتحت الباب!
أيعيش شراع الملاح..
دون رياح؟!
**
قلتم “إن جاء الطوفان..
ضع تحت الرجلين بنيك”
فحملت بنيَّ على كتفي..
وحملت الرأس على كفيِّ،
ووضعت اللغم بمركب نوح!
**
قلتم :”دُرْ شهرًا أو دهرًا،
وحذارِ أن تعبر نهرًا”!
فعبرت بحارًا..وبحارًا..
هوجاء..بلا طوق نجاة،
* وخرجت بأن الجبن الموت،
وأن صراع الموت حياة!
**
(قلتم لي:
“والأسد الميتْ..
أفضل منه الكلب الحيّْ”!)*
ثم اخترتم ما فضَّلتم،
وأنا ما فضلتُ اخترت.
أنتم موتى..ليس بحيٍّ..
من يختار حياة الكلب،
إن لم يحيا المرء كريمًا،
مثل الأسد..لهان الموت.
**
قلتم لي:
“أهرب يا سعد..
فلقد هلك سعيد”!
قلتُ:
“إذًا..فليهلك سعد..
لكن أسفًا..
سبق سعيد!”
**
قلتم لي:
” أحبب أعداءك”!
هلَّا قلتم أكره مَنْ؟
وجب العقل على المستمع
إذا كان المتكلم جُنّْ..
ليس صديقًا من ينصحني..
ألَّا أكره من يكرهني.
**
عودة الشراع
نشرت بعض مقاطعها و شطورها في قصائد ودواوين متفرقة، لكنها ككل لم تنشر، وإليك تفصيل ما نشر من يسيرها ب”لزوم ما يلزم” تحت عنوان”العودة” المقطع 59 ط،الهيئة المصرية للكتاب،الأعمال الكاملة، ج3، ص238، 239. المحرر، م.ف.
1- حلم يقظة..
(المرفأ المنشود لاح،
أفرغ شراعك يا غريب من الرياح،
لَمْلِمْه..كم ودَّ الشراع لو استراح..
لو استراح.
ودع طيور البحر..
” صعبٌ يا رفاق..
صعب على القلب الفراق!”
ودع طيور البحر..
كم راحت إلى الأفق البعيد،
تشتم ريح اليابسة،
لتعود لاهثة..ترفرف..يائسة:
“لا شئ بعد الأفق..
يا ملاح غير الأفق..
كل الكون بحر واحد لا ينتهي”
وتنام مجهدة على “الصاري”
طيور البحر إن هجم المساءْ
وتظل أنت بلا رجاء..
بلا رجاء؟
ومتى فقدتَ برحلة الهول الرجاء؟
لا..أنت لم تيأس..
وإن أمَّلتَ دهرًا لو يئست..
لو لم تكن أقوى من اليأس..
ترى..كيف وصلت؟!) *
2-التيه:
في التيه كم أمضيتْ..
كم ليلٍ قضيتْ..وكم نهارْ!
بالبدء كنت تعدُّ:
عامٌ..ثم عام..ثم عامْ
وتعثرت في ذهنك الأرقام..
غامت..
لو تهبُّ العاصفة!
لو أن حوتًا..أخطبوطًا..صاعقة..
شيئًا يغوص بزورق الأحزان،
للقاع السحيق..
سيَّان أن يطفو الغريق،
وأن يغوص فلا يعود،
بل ظلمة الأعماق أرحم،
إن يكن بحر الضياع بلا حدود!
وتكاد تخرق زورق الأحزان..
عجِّل بالهبوط..
للقاع..عجل بالهبوط!
فلقد مللت الوقت مطاطًا..
مللت البحر سطحًا أصلعًا..
يخلو من الأمواج..
عجل بالهبوط.
وإذاك تحجم..ربما جبنًا..
جبان أنت؟
أم أقوى تراك من القنوط؟!
3- العار:
“بنلوب”..هل نسيتك..
هل ألقت من اليأس الخيوطْ..
وازَّينت للعرس؟
عرسٌ..أم جناز..أم زنى؟
آهًا..تبيت بحضن قوادٍ..
وأنت هناك في المنفى شليلْ،
ويبول فوق الحب داعر،
فوق القداسة..
فوق قلبك..
فوق غربتك التي تبدو..
جحيمًا دون آخر.
“لا شئ بعد الأفقْ
يا ملاح غير الأفق..
كل الكون بحر واحد لا ينتهي”
قالوا-أتذكر-:
“-كيف يا مجنون تبحر..
والبحر تيه ليس يُعبْر؟
قد كان غيرك في فنون العوم أشطر
فامكث على برِّ النجاة،
العقل-والإنسان يحيا مرة-
ألا تغامر بالحياة،
ما العرض..ما الشرف الرفيع..
وما الكرامة؟!
أكفر بكل قداسة تُردى،
وقدِّس ما يتيح لك السلامة،
لتزف للقواد بنلوب..
لينعم أي تيس..
في حضنها ما شاء..
-صمتًا يا كلاب..
يا طغمة الجرذان..
يا صرعى الغرق..
الموت بالملاح أوجب..
إن تهيأت السفينة للغرقْ”
أبحرت في ليل..ولم تعبأ بما قالوا..
إلى الشيطان كل “الحكماء”..
كل القرون الجبناء..
فلتهرب الجرذانُ..واغرق أنتَ..
ما طعم النجاةْ..
ما طعمها..إن يفقد الإنسانُ،
طعمَ الكبرياء؟!
4-ولو!
من أجل عينيها..
رأيت بوقدة الظهر النجوم!
عانيتَ..عانيت العذابْ،
فلقد رماك بكل ما ضم الجرابْ،
-نبتون- من هوج العواصف،
والصواعق والرجوم،
والنيمف والسيكلوب..
لم تضعف..وواصلت المسير..
وسخرت من نبتون:
” جرِّب ما تشاء..
يا أيها الربُّ الحقيرْ..
جرب فنون الحاقدينْ..
سأظل أقوى منك..من كل إله..
في البحر أو في الأرض كان..أو السماء..
ما ظلَّ في القلب الحنين”!
5- حنين:
وعلى جزيرة..
ألقتك يومًا عاصفة،
آوتك”نوزيكا”..
أحبت فيك ما عانيتَ..لكن..
لم يكن في القلب متسع لحب،
ورأيت كيف يعيش..
في الفردوس شعب..
في ظلِّ”ألسينوس”
“لو خيرت ما بين الجحيم..
في حضن بنلوب..وبين الخلد..
لاخترت الجحيم!”
قبلًا-أتذكر-؟ قلت:
لن أشتاق يومًا أن أعود..
واليوم يأكلك الحنين،
تذيبك الأشواق،
ليتك كنت تدري ما العذاب..
ما البعد..ما المنفى..
إذًا لأخذت في يوم الرحيل..
زادًا لغربتك المريرة..
حفنتين من التراب!
معبودتي بنلوب..
يا وطني الحبيب!
يا عش عصفور..
رمته الريح في عش غريب..
يا مرفأي..آتٍ..أنا آت..
ولو في جسمي المهزول آلاف الجراح..
وكما ذهبت مع الرياح..
يومًا أعود مع الرياح!
6-الدوامة:
مع الرياح؟!
ومتى تهب الريح..
أو هبت.
فهل تأتي بما يهوى الشراع؟..
ها أنت تصبح في الضياع..
في اليأس..شاة عاجزة..
ماذا لها إن سلت السكين..
غير المعجزة!
مع الرياح؟!
أتشك؟..قلها لا تخف!
بل أنت تسقط..فاعترف!
المرء يضعف إذ يخون..
ويخون-قلها- حين يضعف..
فهل ضعفت؟!
“لا شئ بعد الأفق
يا ملاح غير الأفق..
كل الكون بحر واحد لا ينتهي”!
لا..لن تملي الانتظار..
لن تيأسي..ما دام لليوم..
الذي تحيين غد..
وإذا مللت هنيهة طول الفراق..
ففكري دومًا بأن لقاءنا..
لم يأت بعد!
لكن رويدك..أنت تحلم..
ما الذي في طوقها..
ماذا بوسع الشاة..
والذؤبان تقبع حولها..
جوعى..
وكل يشتهي يزني بها؟!
“تيلماك” واأسفاه..
لم يكبر برغم الأربعين..
بل قد تجاوزها..ولكن..
لم يزل يحبو..
فما للشاة في البلوى معين..
آها..خلا الميدان للزاني..
خلا للخائنين..!
أصرخ..لعل صراخك المحموم..
يصفع أيَّ أذن..
علَّ الصدى يأتيك..
علَّ الصمت ينطق..أو تجن!
وما الجنون؟!
تحرث في الرمال،
الملح تزرع في الرمال!
ها أنت تعبث من جديدْ..
فالبحر حولك قد تجمد..
تضرب المجداف..لكن في جليد..
“لا شئ بعد الأفق
يا ملاح غير الأفق..
كل الكون بحر واحد لا ينتهي”!
7-عودة الروح
لا..لن تخونك..
أنت تعرفها طهورًا..
لم تلوثها المحن..
هي لن تطيق العار..
مازالت على النول القديم
والخيط في يدها..
تخيط لكل قواد كفن..
…
…
نامت طيور البحر
نام البحر..نام الكون..
فاحذر أن تنام..
أو أن تمَّل..
العار للضعفاء..جدِّف لا تكلّْ..
بنلوب صامدة هنالك..
في انتظارك لم تزل..
لا يخدعنك السطح..
مهما غطت السطح الثلوج..
أنصت إلى الأعماق..
تغلي كما التنور..
أنصت للهدير..
…
…
…
…
المرفأ المنشود لاح
ودِّع رفاق البحر..
واستقبل على الشط الرفاق..
مارس 1962.
“تم”












