حسن عبد الموجود
في عزِّ فاجعتي برحيل الشاعر والكاتب المصري أشرف البولاقي استرعى انتباهي عمرُه في كل الأخبار المنشورة وهو 57 عاما، دُهِشت وأنا أفكر أن معرفتي به بدأت عام 1995، أي أنه كان وقتها في السادسة والعشرين، فلماذا بدا لي آنذاك كهلا يكبرني بعشرين عاما على الأقل؟!
كنتُ قد وصلت لتوي إلى مدينة قنا؛ لأدرس اللغة العربية في كلية «التربية»، وبعد فترة بدأت أستكشف الحياة خارج أسوار الجامعة. قادتني قدماي إلى هيئة «الطرق والكباري»؛ حيث يعمل الشاعر محمود مغربي الذي سيرحل بعد ذلك عام 2015 في الثالثة والخمسين من عمره. قابلني بترحاب شديد، وبدأ يعرفني على أدباء المدينة الكبار، فتحي عبد السميع، وعبد الرحيم طايع، وسمير سعدي، وإمبارك إبراهيم، وقد حكى لي كثيرا عن أشرف البولاقي، لكن لقائي به تأخر شهرا أو اثنين، حتى جرى ذات مساء صيفي حار.
سهرتُ في هذا اليوم مع الشاعر فتحي عبدالسميع حتى مطلع الفجر. جلسنا في مقهى «الجبلاوي» الذي كان يرتاده عبدالرحمن الأبنودي وأمل دنقل ويحيى الطاهر عبدالله قبل رحيلهم واستقرارهم في القاهرة، ثم بدأنا المسير باتجاه منطقة «الشؤون» وحين وصلنا إلى ميدان «عبدالرحيم القناوي» عدنا أدراجنا باتجاه الجامعة، نثرثر في الأدب، حتى نظر فتحي في ساعته وقال لي إنها الرابعة صباحا، طلبت منه ألا يقلق فليست لديَّ محاضرات في ذلك اليوم، لكنه سألني فجأة: «ما رأيك أن نعرِّج على أشرف البولاقي؟»، وسألته بدوري مندهشا: «هل سنذهب إلى بيته في هذا الوقت المتأخر؟!»، ضحك قائلا: «لا، أشرف الآن في الشارع». ابتسم فتحي بلؤم. راق له أن يشاهدني غارقا في دهشتي، وأنا أخمِّن ماذا يفعل البولاقي الآن في الشارع؟ هبَّت نسمات لطيفة ونحن نسير في الشارع المفضي إلى محطة السكة الحديدية. قبل نهايته انحرف فتحي صوب عربة «كسكسي» فانحرفتُ خلفه، ورأيت لأول مرة البولاقي بنظارته «الكعب» التي تخفي عينيه تقريبا، وشعره الخفيف. رحَّب بنا، واهتم بي على وجه الخصوص. أخبرني أنه يعرفني قبل أن آتي إلى قنا للدراسة، فقد قرأ لي قصة أو اثنتين في جريدة «أخبار الأدب»، ثم سألني إن كنت أفضل «الكسكسي» باللبن أم «سادة»؟!
تأملته كما أتأمل أحوالنا جميعا في الصعيد، نحن أبناء الفلاحين الفقراء، نفخر بكدنا في العمل المضني حتى لو سرق أحلامنا للكتابة.
أحببت بساطته منذ اللحظة الأولى. قلت له إنني سأمر عليه دوما، وقد واظبت على ذلك فعلا. وقعت في غرام «الكسكسي» ولا أزال إلى اليوم أفتقد طعمه الرائع من يده. أقف معه حتى تلقي الشمس بخيوطها الذهبية الأولى، يحدثني عن الشعراء العرب الأوائل، وينشد من المعلقات، أو الشعر القديم عامة، وكان الزبائن الدائمون معتادين على غرابة أطواره فلا ينظرون إليه، بينما يحدق فيه المستجدون بغرابة شديدة، خاصة وأنه لا يتحدث تقريبا إلا الفصحى، ولتقريب الصورة كان البولاقي يشبه شخصية العسكري عبدالبر التي قدمها الفنان عبدالمنعم إبراهيم في فيلم «إسماعيل يس في الأسطول»، بجملته الشهيرة «يا لك من شنقيط»، لكن الفرق بينهما أن عبد البر أزهري يرتدي الجلباب، بينما أشرف أفندي يلبس القمصان والبناطيل. كان أحيانا يتعمد اختيار أبيات خفيفة وذات طابع ساخر ليجذب بها المتحلقين حوله. أنشد يوما ما قاله بشار بن برد في خادمته رباب بعد أن اشتكت من استعصاء أشعاره على فهمها:
رَبابَةُ رَبَّةُ البَيتِ * تَصُبُّ الخَلَّ في الزَيتِ
لَها عَشرُ دَجاجاتٍ * وَديكٌ حَسَنُ الصَوتِ
أو يستدعي ما قاله مروان بن أبي الجنوب:
أراد ابـن جـهم أن يقول قصيدة * بـمـدح أمـيـر المـؤمـنين فأذَّنا
فـقـلت له لا تـعـجـلنْ بـإقـامـةٍ * فلست على طهرٍ، فقال: ولا أنا
وينشد أحيانا من أشعاره، ويذكر سلوى كثيرا، كأنه يقلد الشعراء الأوائل؛ حيث كان لكل منهم حبيبة ينظم الشعر في حسنها ويعيش من أجلها ولا تستقيم الحياة بدونها:
لسلوى هذه الأشياء:
مرآة من البلور مطفأة
وبعض ملابس سوداء ضيقة
وقط لا يموء..
وذكريات الخطبة الأولى
وعشاق بلا أسماء
بدا أشرف طوال الوقت حادا في آرائه، إذا لم يعجبه نص يقول لصاحبه بوضوح إنه سيئ أو رديء، ولهذا خفت أن أعرض عليه قصصي. حزت اعتراف كل شعراء قنا ماعداه، وعليك أن تلاحظ أن هذه المدينة تنبت الشعراء غالبا كأن تربتها مسكونة بشياطين الشعر. واظبت على الذهاب إلى قصر ثقافة قنا كل ثلاثاء وهو موعد اللقاء الأسبوعي للأدباء، إذا صادفته حاضرا أمتنع عن إخراج قصصي من الحقيبة لأقرأها على مسامعهم، فها هو يجلس متأهبا على الكرسي وفي يده مطواة. إنني أبالغ طبعا أو أرسم له صورة كاريكاتورية، لكن ما قصدت قوله إن أشرف لم يخشَ أبدا أن تتسبَّب له صراحته في عداوة، وكنت أنتظر أن يقرأ قصيدة، فأنا أحب طريقته في الإلقاء، بصوته الجهوري، ولغته السليمة، وأتخيل أن أحد فطاحل الشعر قد تلبَّسه، جميل بثينة، أو كُثِّير عزة، أو عنترة عبلة، فهو لا يقل عنهم لِمَ لا وهو أشرف سلوى وأشرف هند بعد ذلك. غير أنه كان يضن بالقراءة، إلا في مناسبات بعيدة ومتفرقة، وخارج قصر الثقافة، ربما لأنه موظف فيه، وقد لمست حساسيته الشديدة فيما يتعلق بالعمل. لم يشأ أن يخطئ فيناله العقاب أو يوصم بالمجاملة أو استخدام موقعه.
مساء يوم ثلاثاء توقفنا في مدخل قصر الثقافة ليدخن، وفاجأني قائلا: «قرأت قصتك المنشورة في العدد الماضي من أخبار الأدب». نزلت عليَّ عبارته كالسهم خاصة وأنه صمت بعدها متفرسا ملامحي كأنه يختبر قدرتي على الثبات أو يلعب بأعصابي، حاولت أن أقرأ نظرته لكنَّ زجاج النظارة السميك منعني. لم تبدر عني سوى همهمة منتظرا لسعة السوط، لكنه فاجأني: «أعجبني أنك كتبتها على لسان امرأة. قرأت لكثير من الأدباء الرجال أعمالا مكتوبة بضمير المؤنث لكنها لم تكن موفقة!»، وبعد لحظة صمت أخرى، أفاض في الحديث عن القصة وتفاصيلها وبنائها، ولم أستطع السيطرة على ملامح الفرح التي كست وجهي، ثم نقلت –في اليوم التالي- لزملاء وأصدقاء الجامعة مثل محمد شعير ومصطفى جوهر وحسن أبو بكر وأحمد المقدم رأيه بفخر كبير، كأنني اجتزت امتحانا عسيرا.
لم يتغير أشرف البولاقي درجة على مدار سنوات طويلة. موظف منضبط. شاعر مجدد. زير نساء. مثقف حاد. إنسان واضح في محبته وعداوته. حاول إنقاذي ذات يوم أنا والشاعر المرحوم عبد الناصر علام، فقد نشرنا في جريدة شكوى بأن مدير قصر ثقافة قنا آنذاك استبعد الأدباء الجادين من كشف المرشحين للمشاركة في مؤتمر أدباء الأقاليم «مؤتمر أدباء مصر حاليا»، وأنه رشح شاعرة على درجة قرابة له، ورفعت الشاعرة دعوى قضائية ضدنا مطالبة بحبسنا. وصلتنا عريضة الدعوى وفوجئنا بالمحامي قد صاغ دفوعه على أننا نلمز موكلته وأننا نسيء إليها وسط أهلها. قضيتُ أياما مرعبة، حتى تدخل أشرف البولاقي للصلح بيننا وبين الشاعرة، وشكلنا وفدا من كبار أدباء مدينة نجع حمادي، مسقط رأسي، وفي اليوم المحدد سافرنا إلى قنا واستقبلنا أشرف البولاقي وحاول طمأنتنا، مؤكدا أن الأمن مستتب، وبمجرد اعتذارنا سوف تتنازل عن القضية. وصلنا إلى المؤسسة التي تعمل فيها الشاعرة، وتولى أشرف التمهيد لاعتذارنا، وقلنا لها لا يمكن أن نلمزك أبدا أو نسيء إليكِ، وكل ما طالبنا به هو العدل في الاختيارات ومع ذلك نحن نعتذر، وفوجئنا بها، وبالطبع أولنا أشرف البولاقي، تنهض قائلة إنها تقبل اعتذارنا ومع ذلك لا يمكن أن تتنازل عن القضية، وإنها ستكون أسعد إنسانة لو أن القاضي قد حكم علينا بالمؤبد، وبعد أن زالت موجة الصدمة والغم دخل البولاقي في نوبة ضحك طويلة حتى سعل وخلع نظارته ليمسح عينيه واضطر ليوقف ضحكاته، وأذكر أنه اتصل بي هو وفتحي عبد السميع بعد أسابيع على هذا الموقف ليزفا لي خبر البراءة!
بعد سنوات من انتقالي إلى القاهرة دعاني للمشاركة في ندوة عن أعمالي في قنا. كنت متحمسا لكني أرجأت الاستجابة مرة تلو أخرى حتى مرت سنوات، واكتسى صوته في مكالمة بنبرة عتاب، فقلت له إنني سأحضر رغم مشقة المشوار، على الأقل لأمر على والدتي وأطمئن عليها، واستقبلني في محطة القطار، وبدأ يحدثني ونحن في طريقنا إلى الفندق عن قصص وروايات يكتبها، ودهشت جدا، فلم أعرفه ساردا أبدا، وقلت لنفسي: لا يمكن أن يتجه البولاقي إلى الرواية بحثا عن الأضواء والشهرة، لكني صدقا لم أستطع منع نفسي من الاستغراب، وقلت له ضاحكا: هل ستنتقل سلوى من الشعر إلى الرواية؟ وأجابني بضحكة صافية.
أولاني رعايته مدة إقامتي القصيرة وفوجئت بأن الندوة أقيمت في «رَهَبة» أي في مكان متسع خال، وأَمَّها عشرات من سكان القرية يرتدون الجلابيب، وتولى البولاقي تقديمي، بينما حاورني فتحي عبد السميع، وعقَّب الأكاديمي الدكتور محمد أبو الفضل بدران على حديثي الذي جاء هو الآخر مرتديا الجلباب، كأنه يقول لنا إن المثقف لا ينفصل عن أهله.
قبل أن يتركني البولاقي في الفندق مد يده إليَّ بمكافأة تقررها هيئة قصور الثقافة لمثل هذه الندوات، معتذرا عن قيمتها البسيطة، لكني رفضت بإلحاح. ظل واقفا أمام باب غرفتي طويلا يحاول إقناعي وأحاول إقناعه، حتى قال: «هل ترضى أن يقال عني إنني موظف متسيب؟! لو لم تعطني توقيعك على هذا الإيصال فسوف تسبب لي مشكلة ضخمة. أرجوك»!
ظلت علاقتنا خلال السنوات الأخيرة مقتصرة على مكالمات متباعدة، ربما يرسل لي مادة للنشر، أو يسألني عن رقم تليفون كاتب يرغب في دعوته إلى قنا، أو يسألني عن رأيي في كتابة أديب آخر، ولم نلتقِ في القاهرة سوى مرة وحيدة تسكعت معه خلالها على نواصي وسط البلد ومقاهيها. جلس بأريحية متحدثا بطريقته المحببة كأنه فقيه، ولاحظ أن أحدهم يضحك كلما تحدث، فنظر نحوه وسأله بخفة دم: «هل تراني أقدم فقرة في السيرك؟!»، وغمغم الآخر معتذرا، وما هي إلا لحظة وقبَّل البولاقي أطراف أصابعه المضمومة ثم أرسل له القبلة في الهواء.










