عبد السلام فاروق
لا أملك وأنا أتصفح كتاب “كلمات في الأدب” لأنور المعداوي، تلك النسخة الورقية التي طالما انتظرتها، إلا أن أشعر بأنني أمسك بجمجمة ناقد عظيم، أو بقايا سفينة أدبية غرقت قبل أن تصل إلى الشاطئ. ثمة أقدار لا تشبه غيرها، وأقلام لو أتيح لها العمر الكافي والهدوء المناسب لأعادت تشكيل خريطة الفكر بأكملها. لكن الحياة، للأسف، لا تمنح فرصًا متكافئة، ولا توزع العدالة بالتساوي .
أنور المعداوي المولود في إحدى قرى محافظة كفر الشيخ عام 1920، لم يمت فقط حين توقف قلبه عن الخفقان في 1965 عن خمس وأربعين عامًا، لكنه مات قبل ذلك بكثير، مات حين جف ينبوع الكتابة، مات حين أُغلقت في وجهه المجلات، مات حين حوله النظام من مستشار ثقافي إلى مدرس ابتدائي في حي السيدة زينب. وهذه هي القصة الأكثر مأساوية، قصة رجل دفع ثمن صراحته وموهبته معًا .
في البدء، كان المعداوي طفلاً شغوفًا بالشعر والأدب، يقترب من دواوين القدماء كأنه يكتشف كنزًا دفينًا. ثم كان الشاب الذي لفت الأنظار في مجلة “الرسالة” العظيمة، تلك المجلة التي كانت تمثل آنذاك منارة الفكر العربي الأرفع. كان يكتب نقدًا مختلفًا، لا يعرف المجاملات، ولا يحسب للصداقات حسابًا. كان صريحًا إلى درجة القسوة أحيانًا، لكن صراحته نابعة من حب حقيقي للأدب، وإيمان راسخ بأن النقد رسالة لا وظيفة .
هاجم المعداوي عمالقة عصره، أولئك الذين اعتادوا التلقي والانحناء والتبجيل. هاجم طه حسين والعقاد وسلامة موسى، ليس بدافع حب الظهور أو الرغبة في الشهرة الرخيصة، ولكن لأن لديه مشروعًا نقديًا متكاملًا. في وقت كان معظم النقاد فيه يكتفون بانطباعاتهم العامة، كان المعداوي يبحث عن منهج، عن نظرية، عن أداة تحليلية تليق بالنص الأدبي .
من هنا جاءت نظريته في “الأداء النفسي”، تلك الفكرة الثرية التي ترى أن تذوق الأدب ليس مجرد فهم عقلي، بل انفعال وجداني أيضًا. كان يفرق بين فهم الحياة وتذوق الحياة؛ الأولى بالعقل، والثانية بالشعور، ولن يكون المرء مبدعًا ما لم تجتمع لديه هاتان الأداتان معًا. وهو بذلك يضع أسسًا منهجية كان يمكن أن تغير مسار النقد العربي لو أتيح له إكمال مشروعه .
يكفي المعداوي فخرًا أنه كان أول من بشر بأدب نجيب محفوظ، وأول من سلط الضوء على شعر نزار قباني، وأول من احتفى بفدوى طوقان ونشر ديوانها الأول “وحدي مع الأيام”. لقد كان مبشرًا حقيقيًا، يمتلك عينًا نافذة تلتقط المواهب الأصيلة قبل أن تشتهر. لكن هذا الرجل نفسه، الذي أفنى عمره في خدمة الأدب، لم يجد من يخدمه حين احتاج إلى من يقف بجانبه .
المثقف الشريف
قامت ثورة يوليو عام 1952، وكالعادة في كل التحولات الكبرى، تحدث تغييرات في قمة الهرم، وترفع رايات جديدة، ويحتل مواقع الصدارة أشخاص جدد. كان طبيعيًا أن تتغير الخريطة الثقافية، لكن غير الطبيعي هو الطريقة التي تم بها التغيير. وصل إلى رئاسة تحرير مجلة “الرسالة” بعد عودتها للصدور ؛ ضابط من سلاح المدرعات، لا علاقة له بالأدب إلا بقدر ما يقرأه في أوقات فراغه. وصار هذا الضابط سكرتيرًا عامًا للمجلس الأعلى للآداب، ورئيسًا لنادي القصة، وأحد كبار الموزعين للرعاية الأدبية في مصر .
لم يستطع المعداوي أن يتحمل هذا المشهد. ربما لأنه كان شريفًا إلى حد السذاجة، أو ربما لأنه لم يتعلم فنون البراجماتية التي تسمح للمرء بتغيير جلده مع تغير الفصول. كتب مقالات لاذعة يهاجم فيها المستوى المتدني للمجلة الجديدة، وينتقد رئيس تحريرها الذي يكتب الأدب كهواية بعد التقاعد. لم تكن معركته مع شخص بعينه، بل مع منهج كامل يحل فيه الموالون محل الكفاءات، ويحتل فيه المتقاعدون مناصب لم يحلموا بها يومًا في ظل النظام السابق .
عرض عليه حل وسط، أن يتولى هو إدارة التحرير بشروط. وذهب إلى اجتماع في مقهى جروبي الشهير برفقة صديقه الصحفي محمود السعدني. كان الاجتماع مهيبًا، الضابط الكبير بملابس الجنرال وسيارة القيادة، والمعداوي بقامته السامقة وكبريائه المعهود. لكن الرجل جاء متأخرًا ساعة كاملة، واعتذر بأنه كان مع “فلاح من بلدنا”. كانت تلك إهانة مقصودة، جعلت الضابط يبتلع الغيظ ويكمل الحديث. لكن الشروط التي طرحها المعداوي كانت صادمة: فصل جميع المحررين الحاليين، وعدم نشر الكلام الفارغ. كانت شروط رجل لا يفهم أن المعركة لم تعد معركة أدب، بل معركة نفوذ .
المطاردة والموت البطيء
انتهى الاجتماع إلى لا شيء، كما يقول محمود السعدني. وبدأت المطاردة. فصل المعداوي من وظيفته بطريقة خبيثة، وتوقف راتبه، ومنع من النشر في أي مجلة أو جريدة. لجأ إلى القضاء، وحكم له بالعودة إلى عمله، لكن البيروقراطية المصرية المدربة على التنكيل أعادته إلى حيث لا يريد، مدرسًا ابتدائيًا في مدرسة نائية بحي السيدة زينب، بعد أن كان مستشارًا بالمكتب الفني بوزارة التربية والتعليم .
كانت الضربة قاسية. رجل اعتاد مناقشة قضايا الفكر والأدب على مستوى الوطن العربي، يجد نفسه فجأة محاصرًا بأطفال صغار لا يفرقون بين المبتدأ والخبر. رجل كان يملأ الصحف بأعمق المقالات النقدية، يجد قلمه وقد كسر، وصوته وقد خنق، وحياته وقد انكمشت إلى حد الابتذال.
هذه هي اللحظة التي أتأملها طويلاً، وأنا أتصفح الكتاب بين يدي. كيف يمكن لإنسان أن يحتمل هذا الصراع الداخلي؟ كيف يمكن لكاتب أن يظل على قيد الحياة بعد أن يمنع من الكتابة؟ هذا يشبه منع السمكة من السباحة، أو الطائر من التحليق.
استقال المعداوي من وظيفته، وبدأ صراعه مع المرض. كان المرض هنا ابنًا شرعيًا للحزن، ونتيجة طبيعية للكبت والغيظ والظلم. ظل يتردد على “قهوة عبد الله” في الجيزة، حيث اعتاد اللقاء بأصدقائه وتلاميذه، لكن الندوة الثقافية التي كان يقودها تحولت إلى مجرد ذكريات. في تلك القهوة، كان يجلس أنور المعداوي – كما يروي محمود السعدني – مكسور الجناح، محاطًا بالصمت، بينما الحياة الأدبية تسير من حوله وكأنه لم يكن .
شهادة للتاريخ
والأدهى من كل ذلك أن المعداوي كان أول من نبه إلى خطورة الدعوات المشبوهة التي تريد فصل مصر عن محيطها العربي. كان في طليعة من تصدى لسلامة موسى وطه حسين في دعواتهما للفرعونية ولاتينية اللغة العربية. لقد كان واعيًا بخطورة المشروع الذي يستهدف الهوية، وكان يملك من الأدوات ما يمكنه من تفكيك تلك الدعوات بالمنهج لا بالشعارات . لكن المفارقة أن هذا الوعي الوطني لم يحمه من البطش، ربما كان سببًا إضافيًا في استهدافه. ففي زمن الثورات، لا يكفي أن تكون وطنيًا، إنما يجب أن تكون تابعًا. والمعداوي لم يكن يصلح للتبعية.
في رحاب “كلمات في الأدب”
هذا الكتاب الذي أحمله الآن، “كلمات في الأدب”، يجمع خلاصة رؤية أنور المعداوي النقدية. إنه شاهد على ما كان يمكن أن يكون. في صفحاته، نلمس ذلك المزيج الفريد بين الثقافة العربية الأصيلة والمعرفة العميقة بالآداب العالمية، بين التحليل الموضوعي والتذوق الشعوري.
كان المعداوي يمتلك قدرة فائقة على تفكيك النص وإعادة تركيبه أمام القارئ، ليس بوصفه شارحًا أو مبسطًا، بل بوصفه مكتشفًا للجمال، كاشفًا عن أسرار النصوص، مضيئًا للناس ما خفي عنهم من عوالم الإبداع. وهذا هو النقد الحقيقي الذي يبحث عن الجمال، لا ذلك التصنيف الجاف الذي يقتل الإبداع .
والمفارقة أن المعداوي نفسه كتب: “إن الآلام والمحن تمنحنا فنا استثنائيًا راقيًا”. لقد صدق في حقه هذا القول، لكن الثمن كان باهظًا جدًا. لقد منحته محنته هذا الفن الاستثنائي، ولكنه منحها حياته في المقابل .
فدوى طوقان.. قصة لم تكتمل
لا يمكن الحديث عن المعداوي دون التوقف عند علاقته بالشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان، تلك العلاقة التي شكلت لغزًا أدبيًا وإنسانيًا. فقد جمعتهما رسائل استمرت سنوات، وكان المعداوي عراب فدوى الشعري، من احتضن ديوانها الأول ونشره ورعى موهبتها. لكن السؤال الذي ظل معلقًا: هل كان بينهما حب أم كان مجرد إعجاب أدبي وصداقة؟
الرسائل التي تركها المعداوي تكشف عن خليط من الود والإعجاب والأخوة. كان يختم رسائله بعبارات مثل “ولك يا أختاه مني تقدير”، ويؤكد لها أن مشاعره نحوها هي مشاعر أخ تجاه أخته. وقد ذهب بعض الدارسين، وعلى رأسهم عيسى الناعوري، إلى أن العلاقة كانت صداقة أدبية وزمالة ثقافية لا أكثر .
لكن رجاء النقاش، الذي نشر تلك الرسائل في كتاب “صفحات مجهولة من تاريخ الأدب العربي المعاصر “، ذهب إلى أن العلاقة كانت حبًا عنيفًا. والأهم من ذلك أن فدوى نفسها حسمت الجدل برسالة إلى الناعوري قالت فيها صراحة: “نعم كان هناك حب حقيقي وعبرت عنه بأكثر من قصيدة”. لكنها في سيرتها الذاتية “الرحلة الأصعب” تجاهلت الإشارة إلى هذه القصة تمامًا .
لعل التفسير الأقرب للفهم أن فدوى كانت تبحث عن أخٍ يعوضها فقدان شقيقها إبراهيم طوقان، وأن المعداوي وجد في رعاية موهبتها تطبيقًا عمليًا لنظريته في “الأداء النفسي”. لكن هذا لا ينفي أن المشاعر الإنسانية كانت حاضرة، وإن بطريقة مكابدة، كما يقول عز الدين المناصرة الذي التقى فدوى بعد وفاة المعداوي بعام، ووصف مشاعرها بأنها كانت “أكثر من حزنها على رحيل ناقد وأقل من حزنها على حبيب” .
ظلم الزمن وجحود التاريخ
لو عاش المعداوي، لو تركوه يعمل ويكتب وينشر، لكان شكل مكتبة النقد العربية تغير تمامًا. كان بإمكانه أن يؤسس مدرسة نقدية كاملة، وأن يخرج أجيالاً من النقاد المتعلمين على منهجه. كان بإمكانه أن يحسم كثيرًا من القضايا الفكرية الشائكة، وأن يضع معايير أكثر دقة للحكم على الأعمال الأدبية. لكنهم لم يتركوه. لم يتركوه لأنه كان نادرًا، ولأن النادر دائمًا مهدد بالانقراض في مجتمعاتنا .
ما يزال اسم أنور المعداوي اليوم شبه مغيب عن ذاكرة القراء العاديين. طلاب الجامعات لا يعرفونه، والمثقفون الجدد لم يسمعوا به. صدرت كتبه الثلاثة في صمت، وأعيد نشر بعضها بصمت أيضًا. لكن الأعمال الحقيقية كالنار تحت الرماد، تظل حية تنتظر من يكشف عنها . والأدهى أن كتبه القليلة، ومنها “كلمات في الأدب” و”علي محمود طه” و”دراسات في الأدب المعاصر”، لم تلقَ من الشرح والتحليل ما تستحق. حتى نظرية الأداء النفسي التي أسس لها، ظلت حبيسة مقالاته وتطبيقاته النقدية دون أن يكتبها في كتاب نظري متكامل. مات قبل أن يفعل .
شهداء الكلمة
هكذا هي الحياة دائمًا، تمشي إلى الأمام، ولكنها تترك خلفها ضحايا كثيرين. أنور المعداوي واحد من هؤلاء الضحايا. واحد من الشهداء الذين سقطوا في معركة لم يخترها، لكنه اضطر لخوضها. واحد من المبدعين الذين دفعوا ثمن شرفهم وصدقهم وكبريائهم. وواحد من القلائل الذين يستحقون أن نتذكرهم، ليس فقط في ذكرى وفاتهم، ولكن كلما قرأنا كتابًا جيدًا، أو تأملنا في علاقة الأدب بالحياة، أو تساءلنا عن مصير الموهبة حين تواجه السلطة.
رحمة الله عليك يا أنور المعداوي. رحمة الله على روحك التي أتعبتها الدنيا قبل أن يرحل جسدك. رحمة الله على قلم لم يجد من يحتضنه في زمن المجد، ومات وحيدًا في زمن الهزيمة.
وفي النهاية، سيبقى هذا الكتاب الذي أحمله الآن شاهدًا على أن العدالة ممكنة، إن لم تكن في الحياة، ففي التاريخ. سيبقى “كلمات في الأدب” يهمس في آذان الأجيال بأن مصر أنجبت يومًا ناقدًا اسمه أنور المعداوي، وأن هذا الناقد كان يستحق أن يكون في مصاف الكبار، لولا أن تدخلت السياسة اللعينة فقطعت الطريق على الإبداع، وأسكتت صوتًا كان يمكن أن يغير وجه الثقافة العربية إلى الأبد .
وأنا على يقين أن الزمن سينصف المعداوي يومًا ما، وأن الأجيال القادمة ستكتشف هذا الناقد الفذ، وستتساءل بدهشة: كيف يمكن لرجل بهذه العظمة أن يموت بهذا النسيان؟ وكيف يمكن لأمة لديها أنور المعداوي أن تتركه يموت مقهورًا مهمشًا؟ لكن هذا هو قدر العظماء الحقيقيين في أوطاننا، يولدون في صمت، ويعيشون في معاناة، ويموتون في نسيان، ثم يأتي من بعدهم من يكتشفهم، فيتساءل: لماذا لم نعرفهم من قبل؟
وتبقى “كلمات في الأدب” وغيرها من مؤلفاته القليلة شاهدة على أن أنور المعداوي كان يستحق أكثر بكثير مما وجد. كانت حياته القصيرة حافلة بالعطاء، لكنها كانت أيضًا مليئة بالألم. ولعله من عزاء القلة المبدعة أن تترك وراءها ما يشهد لها، وأن تظل كلماتها حية تنبض بالجمال والحياة، حتى بعد أن يموت أصحابها. وهكذا، حين نقرأ للمعداوي اليوم، نشعر أنه لم يمت حقًا. إنه لا يزال هنا، بين السطور، في كل كلمة كتبها، في كل فكرة أضاءها، في كل موهبة اكتشفها. وربما كان هذا هو الخلود الوحيد المتاح للمبدعين في وطن لا يرحم أحياءه، فيرحم موتاه.














