د. عبد القادر ارحيم*
في مجموعته القصصية “قرموط الست” لا يكتفي القاص هاني منسي بتقديم سردية ريفية، بل يشرع في تأسيس ما يمكن تسميته بـ “الأدب الملتزم” (Littérature engagée) بمفهومه السارتري العميق. المجموعة ليست مجرد رصد فلكلوري لمدينة أسيوط.. التي يعرّفها في هوامشه بأنها “حارس الطريق” (S-Y-AUT) بل هي تشريح “فينومينولوجي” لعملية صناعة الحرية وسط ركام “القمع البيولوجي” والاجتماعي.
يضعنا منسي في مواجهة مع “أطراف البلد” حيث “الفقر والخواء”، محولاً المكان إلى ساحة لاختبار قدرة الإنسان على التجاوز وتحقيق كينونته.
1. الوجود يسبق الماهية: سحر رزق سيحة وفعل التجاوز (Dépassement):
تنطلق القصة المركزية “قرموط الست” من الإشكالية السارترية الكبرى: هل الإنسان محكوم بماضيه وظروفه البيولوجية، أم بما يختاره لنفسه؟ سحر رزق سيحة تواجه “ماهية” (Essence) جاهزة فرضها عليها المجتمع والتقاليد: “الزواج عقدة حرير لا تنفك”. زوجها “المتوكل والمفنيخ” يمثل “العدم” (Le Néant) في صورته البيولوجية الأكثر قسوة، وعم زوجها يتربص بها “ليكوش على البيت والغيط” مستغلاً عجز الزوج.
هنا، تمارس سحر ما يسميه سارتر بـ “التجاوز” (Dépassement).
هي ترفض أن تكون “شيئاً” (En-soi) خاملاً وتصر على أن تكون “ذاتاً” (Pour-soi) فاعلة. قرارها بانتزاع حق الأمومة هو فعل “خلق ذاتي” من قلب الفراغ.
سحر تدرك بوعيها الحاد أن “العلم مخلاش”، وأن التستر على “بلوة جوزها” هو “سقوط” في الوعي الزائف (Mauvaise foi). تعلن سحر صرختها الوجودية الصادمة: “أنا عاوزة أبقى أم، ومش مهم أكون مرة دلوقتي”. إنها تختار عالماً “يقدر الفعل على القول، والمهارة على المعرفة”، محطمة القيود التي يمثلها الكاهن الذي تراه كـ “صورة الله على الأرض” والواقع الذي تصفه بـ “رزق بلاطة” (أي الشيخوخة والموات). إنها ترفض أن تظل “بورة” أو “أرضاً بلا ثمر”، بل تقرر أن “كل واحد يشيل شيلته”، وهي عبارة شعبية حولها منسي إلى مانيفستو للمسؤولية الفردية المطلقة.
2. “الغثيان” وسيميولوجيا المكان الموحش (La Nausée):
يصور منسي “طرف البلد” ك فضاء “مكفهر بالنهار وموحش بالليل”، حيث “تنعس القمامة في سكون” وتفحل غابات “الحلف”.
هذا الوصف ليس مجرد زينة مكانية، بل هو تجسيد لـ “الغثيان” (La Nausée)؛ حيث تصبح المادة ثقيلة، لزجة، ومحاصرة للوعي الإنساني. في هذا المختبر، نجد “الزربية” (La Zerbeia) -أو السباتة كما يوضحها الكاتب كمنزل من بوص الذرة وحبال الليف- كرمز للهشاشة الوجودية للإنسان أمام جبروت الطبيعة الخام.
قصة “جعفر البغل” هي الذروة في تمثيل هذا الغثيان. جعفر الذي “اصطاد أرانب وهمية” وضاعت منه في عتمة الزربية حتى “خلع ملابسه بالكامل” بحثاً عن أثرها، يجسد حالة “التيه” في العدم. المكان هنا يمارس “سيادة” تمتص الشخوص، والظلمة “تفرخ” أشباحاً خيالية بعيون حمراء. يصف منسي الليل في أطراف البلد بأنه “ليل جداً”، يضج بـ “نقيق الضفادع وفحيح الثعابين وزَقٌ الفئران”.
هذا التدفق الحسي من الروائح (رائحة البلغم، زفارة القراميط) والأصوات الموحشة يجعل القارئ يشعر بالاغتراب الوجودي (Aliénation) الذي يعيشه جعفر البغل، الشخصية التي تعيش في “الهامش” لتواجه “عدمها” الخاص بعيداً عن ضجيج المركز.
3. “الآخر هو الجحيم” (L’enfer, c’est les autres): تمرد هوبا سيس:
في قصة “هوبا بيضحك ليه؟ “، يواجهنا منسي بمفهوم “النظرة” (Le Regard) التي تجمد حرية الذات وتحولها إلى موضوع للمراقبة. هوبا، من خلال ضحكه المستمر و”هَمسه المجلجل”، يحطم هذه النظرة وسلطتها القمعية. سؤاله الاستنكاري الذي يوجهه للقارئ وللمجتمع: “وما أضحكش ليه؟ وأنت؟ مبتضحكش ليه…؟ خايف يقولوا عليك عبيط… “، هو فضح للخوف الوجودي من حكم الآخرين.
هوبا هو “اللامنتمي” الذي نجح في تحويل “الجحيم الاجتماعي” إلى مادة للسخرية. إنه الشخصية الوحيدة التي تعبر ليل “أطراف البلد” بلا خوف، بينما يرتجف سكان “وسط البلد” خلف أبوابهم الموصدة. ضحكه ليس “جنوناً” بل هو “فعل تحرر” (Acte de libération). هو يختار أن يكون “عبيطاً” في نظرهم ليظل “حراً” في نظره. إن ضحك هوبا هو الفعل الوحيد الذي يمنع الآخر من “تنميطه” أو تحويله إلى “شيء”، مما يجعله بطلاً وجودياً في بيئة تحاول تغييب الفردانية تحت وطأة الجماعة.
4. تفكيك المركزية البشرية: وعي الكائنات (La Conscience de l’autre):
يبلغ المختبر السردي ذروته الأنطولوجية عندما ينتقل منسي من الوعي البشري إلى وعي الكائنات “غير العاقلة”. في قصص “أم الخير” و”الحية” و”البغلة”، يفكك الكاتب المركزية البشرية المتعالية. “أم الخير” (البقرة) تخبرنا بنسبية إدراكها للحقيقة: “نحن الأبقار، لا نستطيع رؤية كل الألوان مثلكم، نستطيع رؤية ظلال الأصفر البني والأزرق”.
أما “الحية” فتقدم لنا رؤية مغايرة تماماً للوجود البشري: “نرى أشكالكم مرعبة حقاً”.
الحية التي تمتلك “الرؤية الحرارية” ترى الإنسان ككائن “مخفي تماماً” خلف ثيابه وادعاءاته، ولا تدرك منه سوى فيضه الحراري. هذا التعدد في “زوايا الوعي” يكسر اليقين البشري ويضعنا في مواجهة مع “الآخر” الحيواني كذات مدركة.
الكاتب هنا يمارس “نقد الوعي”؛ فإذا كان لكل كائن “حقيقته” الفيزيائية، فأين الوجود المطلق؟ إننا جميعاً مسجونون في إدراكاتنا الحسية المحدودة، والحرية تبدأ من الوعي بهذا السجن المادي والاعتراف بوجود “الآخر” المختلف كلياً.
5. سيمياء الأدوات والقاموس الوجودي البيئي:
تتميز لغة هاني منسي بأنها لغة “أدوات” واشتباك. المفردات التي وظفها ليست مجرد استعراض لغوي، بل هي “عناصر وجودية” (Éléments ontologiques). كلمات مثل “الرجة” (طلمبة المياه اليدوية) تمثل صراع الإنسان مع الأرض لاستخراج الحياة. “البردعة” و”الزِحافة” (أدوات الدواب) تعكس علاقة “الاستخدام” والارتباط بالأرض. “الدوبارة” (الخيط المتين) تصبح رمزاً للرحيل والوداع والارتباط بالماضي.
“الحمل” الذي يختاره الكاهن للصلاة يتقاطع مع “الحمل” الوجودي الذي تتحمله سحر في سعيها لخلق كينونة جديدة.
استخدام تعبير “رزق بلاطة” لوصف الشيخوخة يعكس “ثقل الزمن” (Temporalité) الذي يطارد الشخوص نحو نهايتهم الحتمية. الكاتب يجعل القارئ “يتنفس” المكان من خلال “تنخيم البلغم” واحتكاك “ملابس الشغل بالأجساد” في “المخمرة”، ليخلق حالة من الالتزام الحسي الكامل (Engagement sensoriel). حتى “المندرة” (غرفة مدخل البيت) تصبح مسرحاً لتجلي الهوية الممزقة بين رغبات الداخل وقمع الخارج.
6. سيزيف “حارس الطريق” ومواجهة العدم:
إن شخوص هاني منسي في “قرموط الست” هم “أبطال سيزيفيون” في قلب صعيد مصر. سحر التي ترفض “العقم” والجمود، وهوبا الذي يواجه “الزيف” بالضحك المجلجل، وجعفر البغل الذي يطارد “الأوهام” في عتمة الزربية، كلهم يمارسون فعل “الوجود” في أكثر صوره فجاجة وصدقاً.
هم لا ينتظرون خلاصاً ميتافيزيقياً، بل يصنعون خلاصهم الفردي عبر “الفعل” (L’action).
المجموعة تثبت أن “الحرية” (Liberté) لا تُمنح كمنحة إلهية أو اجتماعية، بل هي فعل “انتزاع” مستمر يتم في “أطراف البلد” وسط نقيق الضفادع وفحيح الثعابين. هاني منسي، بصفته ناقداً فنياً ومعلماً خبيراً، يثبت جدارته كـ “حارس للطريق” السردي، مقدماً نصاً لا يقبل المهادنة، ويجعل من القراءة فعلاً تشاركياً لإعادة بناء المعنى الإنساني وسط هذا العدم الصاخب.
إن “قرموط الست” هو صرخة الكينونة التي ترفض التلاشي، وهو تأكيد على أن الإنسان، مهما بلغت درجة “غثيانه” من الواقع، يظل قادراً على الضحك، التمرد، والخلق.
· إن نصوص هاني منسي تكشف عن كاتب يمتلك شجاعة التحديق في “العدم” دون أن يغمض عينيه.
· “قرموط الست” هي وثيقة أدبية وفلسفية عن الإنسان الذي يقرر أن “يكون” رغم كل شيء.
………….
* رئيس مختبر سارتر للسرديات ـ باريس















