فتحي مهذب
أمجاد الشجرة
رأيت شجرة تمشي مثل كنغر
باتجاه طائر يتخبط مذعورا
بعد وقوعه في فخ الصياد.
خلصته ماسحة على رأسه بأوراقها الجميلة.
لما رأتني ابتسمت
وهي تحث الخطى إلى مكانها القديم.
رأيت شجرة
تدفن غرابا نافقا
وتبكي.
بعد إهالة التراب عليه
عادت مترنحة إلى حديقتنا الحزينة.
لابسة ثوب الحداد إلى الأبد
مباركة يا أمنا الشجرة.
رأيت شجرة
ترمي ثمارها الحلوة
فوق رؤوس المشردين
وكلما هبت الريح
تصفق أغصانها
احتفاء بحشود الفقراء.
بالأمس
رأيت شجرتين يتعانقان
أمام سياج الكنيسة
فوق رؤوسهما جوقة من العصافير
تقرع الأجراس
الهواء وحده
يدرك سر هذه المحبة الأبدية.
رأيت شجرة
تصفع حطابا
تركل مؤخرته بجذعها الصلب
بينما الحطاب يركض
باتجاه المدينة
مثل عاصفة مليئة بالشر.
لك المجد أيتها الشجرة المقاتلة.
رأيت شجرة
تشيع عميانا إلى الغابة
ليقيموا بيوتا من الضوء
ويؤاخوا الينابيع قبل غروب الشمس.
رأيت شجرة
تقوم بعد سقوط الصاعقة
على ذؤابتها
متجاوزة كل شروط الموت.
ما أعظمك يا أمنا الشجرة
يا قاهرة وحوش الحتميات.
رأيت شجرة
تنادي باسمي
بعدما طردني الناس من المدينة
معملين سيوفهم في رقبتي الهزيلة
إقتربت كثيرا منها
حزينا جدا ومنكسرا
ضمتني إلى صدرها الدفيء
بكيت طويلا
بينما أوراقها تتساقط على وجهي
مثل كم هائل من الدموع.
آه يا أمنا الشجرة
أنا ابنك المطارد
منذ الأزل.
*
المشرحة
السماء كثيفة السحب مع زخات من المطر المتقطع.
الهدوء المطلق يخيم على المستشفى الذي يبدو كما لو أنه مقبرة مهجورة.
عدد من طيور الكراكي تعبر السماء بشكل هندسي محكم.
تطرق الباب الكبير إمرأة مسنة مشيرة إلى الحارس بأصابعها المتجمدة التي تبدو مثل أصابع هيكل عظمي .
تعقد صفقة سرية مع الحارس بأن يحملها إلى المشرحة مزودة بكيس من الدقيق قصد تحريكه بأصابع أحد المتوفين الجدد.
-قالت العجوز : هذا لا يستدعي الكثير من الوقت.
مقابل نصيب من المال لا يستهان به.
قال الحارس مضطربا: المهم أن نتفق على المبلغ.
قالت : بالتأكيد.
قال الحارس : إنتظري قليلا ريثما أجلب مفتاح المشرحة.
وعلى بعد أمتار قليلة يقف صديقه الحارس الضارب في الطول مثل صنوبرة في حديقة عمومية.
أحاطه بكل التفاصيل.
غير أن صديقه أعلمه بأن المشرحة اليوم خالية من الأموات.
قال الحارس الذي خفق قلبه بمجرد سماعه لإبرام الصفقة المالية.
-عندي خطة يعجز عن نسج خيوطها الملعونة كبير الشياطين.
قال صاحبه بتوتر شديد: وما هي؟
-إذهب إلى المشرحة حالا وتمدد
كما لو أنك فارقت الحياة منذ قليل.
-تأمر صديقي الداهية.
تسلل مثل البرق إلى المشرحة .
فتح أحد الصناديق الفارغة وارتمى داخله كما لو أنه جثة هامدة وظل الصندوق مفتوح الغطاء بينما يعج المكان بروائح الجثث المتعطنة.
المشرحة تتوسط ربوة مسيجة بأشجار كثيفة حيث الظلمة لا تفارق المكان المسكون بالأشباح .
إصطحب الحارس تلك العجوز الشريرة بعد تمام الصفقة وحصوله على الكنز.
فتح باب المشرحة. دخلت العجوز حاملة كيسا ممتلئا بالدقيق.
ظل ينتظرها أمام الباب.
نظرت العجوز يمنة ويسرة مستعينة بعكاز المخيلة على إنجاز المهمة الصعبة.
الحارس ممدد عيناه مرشوقتان إلى الأعلى أصفر الوجه لا حراك به
كأنه ميت يسبح في عالم الماورائيات.
وعلى غرة أخرجت العجوز كيس الدقيق لتحريكه بواسطة أصابع الميت حسب معتقدها الأسطوري يكتسب الدقيق قوة خارقة لتدجين الأزواج ذكورا وإناثا وامتثالهم المطلق لكل الإملاءات الزوجية وعدم الإعتراض على أي شيء.
ما إن أمسكت العجوز أصابع الحارس المتقمص دور الجثة وفركته بقوة حتى أطلق صرخة مدوية تكاد تشق فضاء المشرحة.
فجأة تهالكت العجوز على وجهها مفارقة الحياة. حينئذ قفز الحارس من صندوق الأموات مثل أرنب بري مناديا زميله الرابض أمام الباب محيطا إياه بموت العجوز الفجئي.
*
يوم القيامة
جلس بجوار ضريحها مطأطئ الرأس غاطسا في عوالم لا متناهية من الذكريات العذبة التي كانت تربطه بها.
أحيانا يهز رأسه نحو الشاهدة ليتملى تاريخ وفاتها وميلادها اللذين لا يمثلان سوى قطرة صغيرة في نهر الصيرورة الهادر.
كان يردد بصوت متهدج العمر قصير جدا. طفرة عابرة.
الإنسان لا يساوي شيئا أمام عظمة الزمن وافتراسيته المتوحشة.
الحقيقة هي اللاشيء الطاوي في تلافيف الشيء. كذبة كبرى تقف على قطعة من الجليد المتحرك.
وفي خضم هذه الهواجس التي تنبح باستمرار داخل حديقة رأسه
تناهى إلى سمعه دوي هائل كما لو أن كوكبا عظيما ارتطم بالأرض سقط ( ف) على إثره مغشيا عليه.
لم يك يدري أنه يوم الحشر ، يوم القيامة.
بعد وقت قصير فتح عينيه الغائمتين واستعاد وعيه كلية
إذ بمشاهد لم يرها من قبل.
القبور منتثرة من هنا وهناك. والموتى يزحفون باتجاه الجبل المحاذي للمقبرة.
الشمس تتقطر سمية فوق الأرؤس المكدودة. خازن النار يسرع في مشيته العبثية.
يبحث ( ف) عن جثة صديقته الأثيرة -التي إحترقت بالكامل- في غابة هذه الهياكل العظمية التي تضلع مسكونة برغبة مشبوبة في حياة أبدية ولو في قاع جهنم.
لأن الموت لا يعدو أن يكون عقابا حتميا يطال الفانين منذ أزل الآزال ويحيل الحركة إلى ضرب من العدم والبطلان .
الهياكل العظمية تتدافع نحو قمة الجبل حيث يجلس الرب على كرسي من الذهب الخالص محاطا بخيرة ملائكته.
ملك الموت تحول إلى موسيقار متمرس يغزل إيقاعات عذبة بأصابعه التي نكلت بالبشرية سابقا.
سأله بشيء من القلق أرأيت (ن) التي تخطفتها ذات مساء شتوي حالك؟
– قال ملك الموت بلكنة آسرة :
– قد شففت الموسيقى روحه المضرجة بدم المخاليق-
– أنظر هناك وراء هذه السحابة من الجثث ستجدها في كرسي متحرك.
إنها من أعوص الضحايا التي أتعبتني كثيرا عند الموت.
إنها لا تحب الكمون في الجذور العميقة. لا تحب العزلة الأبدية في قاع العتمات.
ولولا دربتي ومهارتي ما كنت أقدر على نهب روحها المتجذرة في معدن الأرض.
قفز مثل كنغر باتجاهها.
رأى هيكلا عظميا طويلا يبدو حزينا مثل غيمة في قفص الأفق. يسعل باستمرار وفي يده اليسرى كتاب مستوطنة العقاب يدفع كرسيها المتحرك نحو الجبل ليعظم في عين الرب وتنضاف إلى سجله حسنات طارفة ويتمتم باستحياء ميلينا ميلينا أدرك للتو أنه كافكا الذي زرع في مخيلته معاناة ذاك الصرصور البائس غريغور سامسا إلى آخر يوم في حياته.
دنا منه مسلما جامعا أشتات نفسه.
– لقد قرأت كل كتبك المدهشة بصوفية لا حدودها يا صديقي الحبيب.
شكرني ومضى لرفع شكوى بأبيه
وفضح ممارساته اليومية القاهرة حياله.
قلت رأتني ( ن) فبكت بكاء مرا.
كان ملاك مجنح يراقبنا عن كثب متأثرا وعيناه مخضلتان بالدموع.
قبلتها واندفعنا إلى الجبل في انتظار الحساب.
وفي طريقنا إلى المحاكمة رأينا رؤساء حكومات عربية أقزام عميان مضرجين ببرازهم يخبطون خبط عشواء بروائح زنخة جدا.
رأينا ملوكا وإقطاعيين مقيدين بالسلاسل تلسع الكرابيج ظهورهم من قبل ملائكة غلاظ شداد.
قالت صديقتي : كم أنا سعيدة بهذا المشهد الذي أثلج صدري.
-تقصدين رؤساء الحكومات العربية وهم منكسرون ذليلون كما أذلونا وألحقوا بنا المتاعب والمصاعب في الحياة الدنيا.
أولائك الذين يكذبوز كثيرا حتى وهم نائمون.
-قالت (ن) لماذا يكرهم الله ؟
-لأنهم يقتلون شعوبهم بالقانون.
ولا يتورعون عن حبك الدسائس والمؤامرات من أجل الحفاظ على الكراسي الهشة المنذورة للسقوط.
كان العرق يتصبب من جبيني.
(ن) مرهقة جدا بسبب طول سير المحاكمة.
حاولت أن أهدىء من روعها وتنتظر معي محاكمة ثلة من الأوباش الذين حكموا شعوبهم بالحديد والنار وكسروا عظام الديمقراطية بهراوة البلاغة والسفسطائية الغثة واختلسوا أموال الفقراء والمهمشين.
كان ملاك ضخم الهامة يجر رئيس حكومة عربي من ذؤابة شعره مثل جرذ قبيح ثم إنهال عليه ضربا مبرحا ولما أطلق عقيرته هذا المسخ صحوت من نومي المليء بالكوابيس والمنغصات.
وأدركت للتو أن (ن) ماتزال مستمسكة بعروة النوم الأبدي في مرقدها.
*
العين الثالثة
كان ( يو) مزيجا مشوشا من الأضداد. جزيرة صغيرة من لحم ودم تعج بالشياطين والملائكة.
كان ينظر في المرآة الصغيرة التي يحتفظ بها كما تحتفظ الأم بطفلها الوحيد.
كان يفحص زوايا عينيه،
يمسح المادة اللزجة التي تتكاثف هناك،
ينظر إلى إصبعه كأنه يعاين دليلا على خيانة كونية.
لم يكن يحب الأماكن المفتوحة.
يحب الوقوف طويلا في المراحيض، مراحيض الغرباء، والمقاهي ومحطات البنزين،لا لشيء سوى لأن العزلة هناك أشد صفاء من ضجيج الشوارع والثعالب البشرية المتفشية كالفطر في جحيم العالم الخارجي.
اليرابيع التي تطل برؤوسها من هنا وهناك كما لو أنها تتغامز في خيال (يو) وتهمس:
“إنه الإنسان الذي ينفجر في داخله الضوء ولكنه لا يرى”
تنثال كلمات مبهمة من شفتيه المتشققتين مطلقا زفرات ثقيلة..
كأنه ساحر يحاول إخراج حمامة سوداء من قبعته.
إنه يعاني من ألم غامض في العينين.
“ليس ألما جسديا فقط بل ما يشبه وعيا زائدا بالرؤية”
كأن عينيه تنظران إلى ما خلف الجدران، إلى صور الموتى القدامى إلى كلمات لم تكتب بعد.
في ليلة خانقة وقف أمام المرآة ثم همس: “لا بد أن ثمة شيئا خاطئا..في العدسة..أو في الطبيب..أو في هذا العالم”.
بدأ مهموما مرفودا بهوس قاتل..
بدأ الانتظار..
بدأ الشعور بالثأر يأخذ شكل خنجر ملطخ بالدم.
تلك الليلة لم ينم( يو).
إستيقظت العدسات داخل عينيه،تصطك كصفيح ممتلئ بالصدأ، كلما أغمض عينيه يرى وجها واحدا:طبيب العيون صاحب
العين الزجاجية الذي زرع العدستين الملعونتين في عينيه.
يطلق ضحكة ميكانيكية صارمة وفي عينه الزجاجية شهوة ماكرة.
يهمس في أذنه: “سترى بوضوح قد لا تريده”.
منذ تلك اللحظة، لم يعد يرى العالم كما هو.
كل الوجوه تحمل عيوبا خفية.
يرى الهالات السوداء وراء الابتسامات والديدان الصغيرة تتحرك ببطء تحت جلود الناس.
حتى اليرابيع التي في المرحاض لم تعد طبيعية، صارت أشباحا صغيرة تتهامس وأحدها صاح:
“أقتل الطبيب.. اقتلع عينه الشريرة.. اقتلع العدسة..”
حدق في المرآة..
رأى نفسه من الداخل.
كان يتذكر ما قال له الطبيب ذو العين الزجاجية:
“لا تقلق يا (يو)..ستبصر ما لم يبصره أحد قبلك”
هذه العدسات..ثورة..رؤية جديدة للعالم.”
لم ينس دخوله العيادة القديمة ذات مساء خريفي.
كانت السماء رمادية ممزقة مثل قماش محترق، وصوت الريح كأن أحدا ما يهمس باسمه من سقف العالم.
استقبله الطبيب ذو العين الزجاجية بابتسامة ميتة.
كانت عينه السليمة تتحرك ببطء بيد أن العين الزجاجية تحدق مباشرة في (يو) كأنها تعرفه أكثر مما يعرف (يو) نفسه.
جلس على الكرسي العتيق الذي يصدر منه صرير يشبه أنين شجرة صرعت للتو.
قال الطبيب: جئت تشكو من رؤى مزعجة ؟أم أنك ترى الحقيقة أخيرا؟
(يو) لم يرد.
كان يحمل مرآته الصغيرة في جيبه وكلما وضعها أمام وجهه..
رأى الطبيب الأعور داخلها يبتسم في الظلام.
حتى قبل أن يدخل الغرفة كان يسمع صوتا وراء الجدار.
“أقتله قبل أن تذوب عدستك في دماغك.”
يداه ترتجفان والمرآة تحترق من الداخل.
عاد (يو) إلى بيته محموما .
العدسة اليسرى ترفرف في عينه مثل جناح حشرة.
أما العين اليمنى فقد صارت مرآة تنعكس فيها مشاهد لا يراها غير
الطبيب الأعور.
وجه (يو) يتحول إلى وجه آخر، وجه الطبيب نفسه.
أغلق النوافذ وأطفأ الأضواء ثم جلس في قلب الحمام حيث كانت اليرابيع تقف في دائرة كاملة، تنظر إليه نظرات حارقة..
أحدها تقدم وتحدث:
“العدسة ليست إلا شظية من مرآة الجحيم”.
تذكر شيئا آخر.
لحظة قصيرة في غرفة العمليات..
الطبيب ذو العين الزجاجية همس في أذنه قبل أن يغيب عن الوعي:
“أردت أن ترى الحقيقة؟..هذا وعد..”
(يو ) تلبسته سحابة كثيفة من الشك مرات عديدة..
لا يعرف من هو..
هل هو الطبيب؟
أم هو الضحية ؟
هل هو مجرد انعكاس في العدسة؟
فجأة وجد نفسه أمام المرآة الكبيرة في الصالة.
لم تكن تعكس صورته.
بل صورة العيادة ،والطبيب،والمرضى،
وكلهم كانوا يبتسمون..
بعد أن أقتلعت أعينهم.
في منتصف الليل،إستيقظ( يو)
ليجد نفسه داخل عينيه.
كان يمشي في ممر ضيق مبني من لحم شفاف.
الدم يسيل على الجدران.
كل خطوة يخطوها كانت تصدر صوتا معدنيا كأنه يسير داخل حنجرة آلة تبكي.
في نهاية الممر باب من ورائه تسمع همسات.
“نحن الرؤى التي لم تشأ أن تراها”
“نحن جثث النظرات المدفونة”
-ثمة من ينتظرك يا( يو)..
فتح الباب .
رأى الطبيب جالسا فوق كرسي من العظام وحوله آلاف العيون..
معلقة على الأشجار..
تتنفس..تبكي..تضحك..
حاول (يو) أن يصرخ غير أن صوته زرب من عينيه فقط..
رأى صراخه يرتطم بجدار العدسة ويرتد إليه على شكل ضحكة مرآوية.
رفع الطبيب يده مشيرا إلى عينه الزجاجية وقال:”خذها ..إنها لك..لكن لن ترى إلا ما يخيفك.”
(يو ) مد يده المرتجفة والتقط العين.
وما إن لامسها حتى انشقت الأرض وسقط في ظلام ليس له قرار.
إستفاق (يو) على الباردة،
كانت عيناه مفتوحتين إلى أقصى اتساع وجسده يرتجف،لكن الضوء لا يدخل.
نهش بتثاقل كمن خرج من قبر، نظر في المرآة..لكن لم يجد وجهه بل وجد وجه الطبيب.
لم يكن انعكاسا،كان هناك داخل الزجاج يحدق فيه ثم يبتسم.
“ألم أقل لك إنك سترى؟”
صرخ(يو)
لكن الصوت خرج من المرآة.
رفع يده ليلمس وجهه،إذ وجد شيئا يتحرك داخل جلده..
شيئا ناعما دائريا يشبه عينا ثالثة.
فتح فمه فانسكبت رؤى الآخرين منه :
أسرار ،كوابيس،نظرات مختلسة من الغرباء.صار يرى ما لم يرد أحد رؤيته.
صار يرى ما لا ينبغي أن يرى.
ثم أتى إليه صوت ناعم من أعماق الحمام،
صدى يقول: “إقتلعها..إقتلعها الآن..قبل أن ترى النهاية.”
لكن (يو )صرخ قائلا :لا أريد أن أراها كاملة.
مع توالي الأيام تغيرت حياة (يو) كثيرا. إمتلأت حياته بالجرائم المرعبة.
يكفي أن ينظر في عينيك حتى تنفجر أعماقك،وتظهر أسرارك على شكل دخان أسود.
أولى جرائمه حدثت في الحافلة.
حيث جلس خلف إمرأة كانت تهاتف أحدا ما ضاحكة،
نظر (يو) في مرآة صغيرة موجها إياها نحو عينيه،
تجمدت عينا المرأة ثم بدأتا تنزفان ببطء.
ثم في المصعد طفل صغير يصرخ دون سبب.
كان (يو )يبتسم ويعد العيون التي يمكن سرقتها.
الرؤية أصبحت مرضا معديا.
كل من نظر في وجهه يرى:
أطراف موتى،غرف عمليات،الطبيب الأعور يتكاثر،وعين واحدة ترمش ببطء في السماء.
ثم يكتب بخطه المرتبك على الحائط:
لا أحد ينجو من الرؤية.
إنها ليست نعمة..إنها القتل في أنقى حالاته.
تحركت الشرطة ،
لكن الكاميرات لم تلتقط شيئا.
كل الصور كانت ضبابية.كأن العين ترفض أن تراه.
(يو )إختفى.
لكنه مازال هناك.
وربما الآن هو خلفك..
ينظر إليك من خلال الكلمات.
مضى وقت طويل منذ آخر مرة رأى فيها الطبيب الأعور .
إعتقد( يو) أنه إختفى إلى الأبد،
لكنه كان مخطئا.
في كل ليلة صار( يو ) يتسلل إلى منزل الطبيب بخطى صامتة كما لو أنه يمشي بقدمين من الضوء الخالص،
يستبدل أدويته، يبدل عدساته،يرش قطرات حارقة في قناني التقطير المخصصة للعيون، تاركا رسالة صغيرة على مكتبه الفخم.
“الضوء كذبة،أيها الأعور..
الرؤية تبدأ حيث تنتهي عيناك.”
طفق الطبيب ذو العين الزجاجية يشك في الواقع.
يرى أطياف( يو) في زجاج النوافذ..
عيون معلقة في سقف غرفة الجراحة.
وساوره الشك في عيني زوجته:
هل تنتميان لها حقا؟
في إحدى الليالي ،
وجد ظرفا بريديا على عتبة بابه يحوي عينا بشرية حقيقية،وفي الورقة المرفقة ما يلي:
“من قال إنك كنت ترى؟”
إنهار الطبيب تماما، مزق الكتب الطبية،كسر مرايا الحمام ،
ثم بدأ يخدش جفنه الأيسر بشفرة جراحة.
حتى طرق( يو) الباب بلطف مثل صديق أثير.
أصغ إلي جيدا.
“العدسة الأخيرة في القبو”.
ستكتشف حقائق جديدة تخفى على كبار الأطباء النطاسيين،
قالها (يو) بابتسامة تبطن في تضاعيفها شيئا ما.
“رؤية كاملة…ولكن للأقوياء فقط.”
قاده الطبيب المرتعش إلى أسفل القبو،وهناك وسط طقوس ضبابية وأصوات تنزف من الجدران ،
رأى( يو) تابوتا زجاجيا.
قال له: بلهجة الواثق من نفسه
“أدخل ودع العدسة ترى من خلالك”
دخل الطبيب واستلقى.
أغلق( يو ) الغطاء بسرعة جنونية.
صب عليه مادة شفافة تثبته إلى الأبد.
ثم أشعل شمعة،ونظر في عين الطبيب.
قال بصوت مشروخ:
أنت الآن ترى كل شيء..
بما في ذلك موتك المكرور.
خرج( يو) مغلقا القبو بالمرايا.
منذ ذلك اليوم يسمع كل من غشي المكان أنينا من تحت الأرض ولكن ليس أنينا عاديا،
بل أنينا يرى.
*
اختفاء شجرة العائلة
بعد اختفاء شجرة العائلة
انتهيت بواقا في مستشفى
أدعو جميع المرضى إلى حصتهم من المورفين
لاستدراج شياه ضريرة في النوم
لزجر النسر العالق في مضيق الخلايا
أدعو نيزكا صديقا لتغيير وجهته
وأخطط لاغتيال صحن طائر
يلعب النرد في بيت الأموات
في جعبتي رصاصة يتيمة
والموت تنين برؤوس لا تحصى
****
تنامين بعيدا
غير أن صوتك يقرع باب قلبي
باستمرار
مثل ضيف مدهش من درب التبانة.
****
أنا الله
وعبادي جمهور الكلمات
****
لما كسر الجرة سهوا
تبجس من مزق الفخار دم الأسلاف.
****
ثمة كلمات تضيء في الليل.
****
الإسكافي
قبل رتق الأحذية يقبلها
لأن فيها رائحة النساء.
****
نقطة ضوء
بين عدمين
كينونة العارف.
****
من فرط الوحدة
كدت أصير إلاها.
****
أيها الراعي
نايك الحزين
يخطف إوزا كثيرا من حديقة قلبي.
****
فراشتان
تئزان في المرعى
وأنا قنديل ميت
دون فراشة.
****
الشتاء القادم
سأبتاع قبرا وأهديه
إلى مصاص الدماء.
****
ظلك يبكي
مثل أقحوانة
على حافة السهو.
****
أيها الأب
غيمتك الكثيفة
مثل بومة مينيرفا.
****
لم تذر شريانا
إلا ومزقته بأسنانها
تلك اللبؤة
التي ابتلعت قاربي الصغير.
****
لم أر شيئا طوال حياتي
لكن رأيت أشياء كثيرة في النوم.
رأيت الحقيقة
مثل امرأة ضريرة في مبغى.
****
أنت بندقية مهذبة
وأنا صوتك الشرير
صوتك الذي يقفز مثل كلب سلوقي
وراء فريسته.
****
تركل سفينة النهار
وفي المساء تنام في قاع الهاوية.
****
الوهم هو الحقيقة
لذلك أدحض حجج النهار
منتظرا قيامة زرقاء اليمامة
قد ترشدني إلى لمع الينابيع.
****
وجه الله
يتمرأى في الكلمات الجميلة.
الشاعر هو الوحيد الذي ينزل الله إلى الأرض.
بواسطة نور الكلمات.
****
قال للحيوان :
كم أحبك يا أخي الذي لا يتكلم.
****
لما جن
اكتشف عيونا عميقة
في جسده.
****
كلب المنتاقضات
ينبح طوال الليل
في حديقة رأسي.
****
الطين يحب الطين
قال للجرة:
ما أبهاك يا أختي.
****
من صليبي صنعوا هراوة
لاغتيال الضوء.
****
تذهب الغيوم إلى دار الأوبرا
في الليل
إلا غيمة واحدة
تنام على سريري
مثل بنت من السيراميك
تمضغ فستق ذكرياتي ببطء.
ومن ركبتها
تتساقط طيور ميتة.
****
الوحدة باب
كلما أطرقه طرقا خفيفا
يفتح رويدا رويدا
تسحبني خمسون ذراعا لكائن
غير مرئي
إلى قاع ثقب أسود.
****
قلبها مدينة ملأى بالنعوش
سرقت جميع نجومي
التي ربيتها في المنفى
بعد مؤامرة بدائية
حولتني إلى تمثال
يملأ جيبها المثقوب
بمياه السعادة.
****
المجانين ينقلون بيتي
من الضفة المتجمدة
إلى جزر السيمياء
كنت راكبا عربة يجرها ضرير
كان الهواء جسرا
والنجوم بنات يمارسن الجنس
في الفضاء
كنت أرمي النقود والفواكه للسحرة
سيكون بيتي نهرا من الموسيقى
دافئا وعميقا مثل لهيب صلاة.








