البهاء حسين
أعترف بالذئب صديقاً
طالما أنه يرفع عقيرته، حين يعوى، للسماء
أعترف بالذئبة أماً
ما دامت تنسى أنيابها، رغم الجوع
ماذا تفعل الأم أكثر من ذلك
أن تدسّ ولدها فيها، حين يكون مرعوباً
تخبئه بداخلها
كما كانت أمى تفعل
كنتُ أضمها بقوةٍ، كأننى سأعود إلى بطنها،
حين أسمع عواء الذئب
بجوار بيتنا الطينىّ
تحت الحائط الواطىء الذى يمكن أن يتسلقه بعويّة واحدة ممطوطة
كانت أمى تسمى ساقيها بـ “الفاخورة “
أستأثر بوضع رجلىّ بينهما
أكثر من إخوتى
كانت سيقان أمى تحمينا من الليل
من الجنينة المهجورة التى تتسرب منها الذئاب
مرة سمعتُ عن رجل ادعى أنه نائم، تحت جدار بيتنا
وترك مؤخرته عريانة للضبع، كى يلتهى بلحسها، دون أن يأكله
سمعت قريتنا تقول إن الضبع لا يأكل النائم
سمعتُ منها عن طرق كثيرة للنجاة ،
لكن لا شىء مثل سيقان الأمهات
فى الليل
أذرعهن وهى تحضن خوفك
،،
كان الذئب يعوى
وليس بينى وبينه سوى الجدار
سوى أمى
،،
العواء حنين
يحنّ الذئب، أحياناً، إلى الإنسانية
تعود الذئبة إلى أمومتها، حين تجد ولداً مراهقاً يبادلها الطعام والحُب
ولداً أراد أبوه أن يصنع منه زعيماً للقبيلة، خلفاً له
فإذا به يفقده
لكن دله على العلامات، كما كانت سيقان أمى دليلى
لم يكن يعرف أنه لن يعود معه
إلى الديار
إلى أمه
لكنه عرف، حين رأى الطير تحوم فى السماء ،
ماذا سيحدث لجثة ولده
يموتُ من نحب مرتين، حين لا نتمكن من دفنه
يا لها من صدفةٍ تلك التى أبقت ” كيدا “على قيد الحياة
يا لها من ذئبةٍ
يا له من طائرٍ هذا الذى نقر ” كيدا ” من شفته العليا، فأيقظه من الموت
“كيدا ” ما زال حياً، رغم أننى جهزتُ حزناً حقيقياً عليه
حزناً يبقى بعد انتهاء الفيلم
كأننى أبوه
من حسن الحظ أن ولداً كهذا نجا
من حسن الحظ أننى ولدتُ من ساقيك يا أمى
مراتٍ كثيرة
من حسن حظى أننى عرفت عواء الذئب
منذ الطفولة
فى الثلث الأخير من الليل،
كى لا تختلط علىً الأصوات، حين أكبُر
،،
فى كل قلبٍ عواء
،،
يغطى الثلجُ كل شىء
فى طريق العودة
لكنّ النجوم تسطعُ لنا، دون أن نطلب
:
أنا مدين للذئاب
لكل نجمة
:
هنا سقط ” كيدا “
على صخرةٍ ناتئة من الجبل، كأنها رفّ فى جدار
رمته جاموسة وحشية بقرنها، فى الهاوية نفسها،
مع إخوتها من ضحايا قبيلته
” كيدا ” هنا فى المنتصف
لم يسقط على السفح الصخرى، مع الجواميس
هنا يتمدد على ظهره
وكان على أبيه أن يراه من الحافة، وذراعاه ممدان إلى جواره
أن يُبلغ أمه، حين يعود، أن ابنها قد مات
وليس بالإمكان أن يعود حتى بجثته ،
” كيدا” مات، ستأكل الطير من رأسه
هكذا ظن الأب، فأعطى ظهره لولده
واستعدّ للحزن عليه
لاجتراره، بدلاً من احتضانه
لن يدربه، من جديد، كيف ينحت من الصخر سكيناً حاداً يصطاد به
شكراً للحياة التى تولد من فم الطائر
شكراً لليد، يدنا التى تنقب بداخلنا، كى نعثر على الرمق الأخير
على الأمل، لأنه عزوة
حسنُ ظنٍ بأن النجوم سوف تقودك من يدك
لا شىء ، كالنجوم، يحمل همّ العائدين
لأنها أمّ بالفطرة
شكراً للجليد
للبحار المتجمدة التى تجعل من الغرقى إخوة
شكراً للبقاء الذى يصبح غريزتنا التى لا نملك غيرها فى مواجهة الموت
للنار التى تصنع كل هذا الدفء
للحب، لأنه وجهتنا الأخيرة
:
تحولك الوحدة إلى ذئب
أنيابه هى الكلمات
يحولك الحرمانُ إلى عاشقٍ متسلسل
إلى صيادٍ عجوزٍ طريدته هى القُبلة
:
لماذا أحبّ امرأة البواب، هنا ” فى بولاق الدكرور “
إلى هذه الدرجة
أعوى ، كلما تلامسنا عامدين
شهقتُ آخر مرة
لم أصدق أن يعبر إصبعى ردفها، وهى تنحنى، لتمسح النصف السفلى من الثلاجة
يعبر ويقف، فى الشق، عند الردف الآخر، كأنه حافة الدنيا
انتظرتُ، طويلاً، لأحصل على شىء كهذا
أحمله معى عندما آوى إلى السرير، وحيداً، كالعادة
شىءٍ أجتره،
أعرق وأنا أتذكره
لكن لكل شىء نهاية
الجسد، كأى عجلٍ، يسقط من الجبل
بصوتٍ أو بلمسة إصبع
،،
ما الرحلة
ما الطريق الذى نسلكه، كى نتجنب الموت
سوى أن نثق بالنجوم
نجا ” كيداً ” يا أمى بسببها
قبل آلاف الأعوام
فرد أصابعه، فى مواجهة النجوم، لينسخ السماء فى يده
ثم راح يمشى، حتى وصل
الجليد الحقيقى يا أمى هو الوحدة
أنا هنا من دونك
من دون حبيبةٍ تُغنينى
وكلما رأيتُ امرأة البواب، أو تذكرتها، رحتُ أعوى
مضى ربعُ قرن وأنا بعيد عنك
عن صخرتى
ولست متأكداً إن كان فى العمر بقية، لأرى كل نجمةٍ على حدة
:
لو مات ” كيدا ” يا أمى
ما كانت هناك رحلة
حضن أمه، حين رأته فجأة، بعد موته
حين أذهلتها المفاجأة واستعارت ذراعيك وأنت تضمين طفولتى التى يطاردها عواء الذئب
كل ليلة
ما كانت هناك أمومة يا أمى
سماء ننام ونصحو عليها
ما كانت هناك ذرية من الذئاب صغيرة
أبناء ” ألفا “، الذئبة التى تبنت ” كيداً “، وهجرت بسببه قبيلتها
أبناؤها الذين ولدوا على يد أمه
فى الخيمة، بجوار النار
أبناؤها الذين يخرجون، الآن، للصيد مع الرجال
إلى مواجهة الجاموس الوحشى الذى يعرف كيف ينتقم من الأب فى ابنه
الذئاب الصغيرة سوف تواجه أسلافها
تصبح الذئبة أماً
لكنّ المعضلة أن الوحدة
تجعلنى أحنّ إلى ذئبيتى الأولى
كل العواء الذى سمعتُه فى الطفولة يخرج الآن من جوفى
من شيخوختى
أعوى ، طوال الوقت، ولا نجمة تهدينى يا أمى
فى هذا الطريق.
………………………
* Alpha .. فيلم أمريكى، عن شاب صغير اسمه ” كيدا”، لقى حتفه، أو هكذا ظن أبوه، وفى طريق عودته من الموت يصادق ذئبة تتخلى عن ذئبيتها وقطيعها من أجله، وتنجب، عند وصولها إلى دياره محمولة على ذراعيه من الإعياء، ذئاباً تصبح ، بدورها، صديقة لقبيلته .













