أريد أن أكتب

art

محمد العرفي

أريد أن أكتب
فتنبت في كفّي
أسنانٌ زائدة
تطحن الورق
قبل أن يصير كلامًا

أريد أن أرسم
فيقشّر الجدار جلده
وتفرّ الألوان
إلى حدقتيّ
ككائناتٍ مفزوعة

أريد أن أتوقّف
لكنّ التوقّف
يرتدي حذائي
ويجري أمامي
ويضحك

أريد أن أنسى
أختفي
أرحل
أعود
ولا أعود

أريد أن أعرف
فينفصل السؤال عن رأسه
يتدحرج
ينكسر
ثم يدّعي البراءة

أريد أن أُلقي نصوصي
فتصطفّ الكلمات
كجنودٍ بلا حرب
ترفض القفز
إلى فمي
تقول:
الانكشاف ليس عملنا

أريد محوها
شطبها
جذّها كما العشب الميت
أو الحي
لكنّ البستاني
لا يجيد مهنته

أريد أن أُطوّرها
فأراها تكبر فجأة
تضع اسمي في جيبها
وتغادر

أريد أن أكتب
شيئًا سرياليًا عظيمًا
شيئًا
لم يولد من رحم اللغة
ولا يعترف بالاتجاهات
شيئًا
حين يظهر
تخلع اللغة كتفيها
وتبقى عارية
في العراء

أريد كتابة الصورة
لا رسمها
أريد أن أبتلع كل حرف
لا أستطيع تذوّقه
أو لفظه

أريد أن أُزعزع نفسي
وأفنى
وأبتكر
وأختفي
وأتناثر،
أعلو
وأسقط
وأنتهي
ولا أنتهي
في اللحظة نفسها
كمن يشعل النار
ثم يدخل فيها
ليتذكّر هيئته الأولى

أريد أن أنهي كلّ شيء
لا بالموت
بل بالمحو:
أمسح الوجوه
كما تُمسح إشعارات قديمة
أو كرقم هاتف مجهول في الحافظة
أرمي العلاقات
أمزّقها
أدمّرها
وأحاول ترتيبها من جديد
ثم أُلقي بها مرّة بعد مرّة
في سلّة زمنٍ مثقوبة
وأبقى
دون ارتداد

لا أريد هذا
ولا ذاك
ولا شيئًا
ينطق اسمي
بصوتٍ عالٍ

ما الذي يحدث معي؟
أنا لا أركض
ولا أسابق أحدًا
لا أنافس
ولا أركل
من يحاول المرور
أنا فقط
أقف على حافة الطريق
وأصفّق
للغبار
وهو ينجح

لماذا أنشر؟
لماذا أكتب؟
ما فائدة الإعجاب
إذا كانت الأصابع
لا تعرف القلب؟
ما فائدة “رائع”
“باذخ”
“عظيم”
إذا كانت الكلمة
قشرةً
بلا ثمرة؟

كرهتُ النفاق
لأنه يتكلّم
بفمٍ مستأجر
وكرهتُ فقدان البصيرة
لأنه يُبصر بلا دهشة
وربما
كرهتُ المجاملات أكثر
لأنّها
باهظة الصوت
خاوية الداخل

أريد أن أتوقّف
لا احتجاجًا
بل لأنّ الضجيج
تعب من
ارتداد اسمي

أريد أن لا أعود
إلى أيّ شيء
إلّا
إلى هذه الفجوة
التي تنظر إليّ الآن
وتقول:
هذا أنت.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع