نور الهدى سعودي
قبل الدقائق التي سبقت توقف القطار، علق رأسي بجملة قيلت صباحا، وكان قائلها قد مضى في يومه منذ ساعات؛ كنت أعيدها في صخب داخلي، أغير موضع الوقفة فيها فتتبدل نبرتها، أتركها تعود إلى صوته قبل أن أستردها بصوتي. خففت العربة سرعتها واتجه الركاب الواقفون قرب الباب إلى الخارج، تبعت حركتهم بعين شاردة عن اللوحة المضيئة فوق رأسي؛ كانت قدماي أكثر يقظة من رأسي وأشد امتثالا لما يجري حولهما، فخرجت معهم ومضيت خطوات قليلة والجملة الصباحية تستنزف ما بقي من انتباهي. أطبق الباب الزجاجي وتحركت العربة، عندها ظهر اسم المحطة على جسد القطار المغادر، اسما أعرفه من الخريطة وقد جاء قبل وجهتي بثلاث محطات.
لاح الضوء الأحمر في مؤخرة القطار لحظات قبل أن يبتلعه النفق، لتركني انطفاؤه على رصيف شبه خال، يتصاعد من حوافه برد رطب تركه مطر انقطع منذ قليل، وفوق السكة تمدد ضباب رقيق أذاب أطراف المصابيح البعيدة. دفعت الريح من جهة النفق رائحة الحديد المبتل إلى وجهي، فدخلت صالة الانتظار الزجاجية المطلة على الرصيف، سألت عن القطار التالي؛ رفع الموظف عينيه إلى الشاشة، أشار إلى الساعة وقال إن أمامي سبعا وخمسين دقيقة، وعاد إلى عمله بلا اكتراث.
أخذت قهوة من الآلة القريبة من الباب وجلست على المقعد المعدني البارد، واضعة التذكرة إلى جانبي، صعد بخار القهوة قليلا قبل أن يميله الهواء المتسرب من أسفل السلم. على الجدار المقابل امتدت خريطة الخط كله في هدوء هندسي لا يعرف السهو؛ اقتربت منها، ومررت إصبعي من المحطة التي نزلت فيها إلى الوجهة التي ما تزال أمامي، فظهر الخطأ على نحو يكاد يكون مريحا، نقطة تحت طرف الظفر ومسافة معلومة تنتهي عند اسم مطبوع بوضوح.
انزلق إصبعي على الخريطة إلى خط مواز وتوقف. رفعت يدي، فعاد يوم قديم من غير أن يأخذ إذن الذاكرة؛ صوت باب يغلق في شقة لم أعد أذكر لون جدرانها جيدا، وطمأنينة سبقت قرارا دخلته كما يدخل المرء غرفة مألوفة، دون إحساس خاص بأن شيئا في حياته يغير موضعه. لم تعد الواقعة محفوظة على هيئة قصة يمكن استعادتها من أولها، فقد أخذ الزمن منها ما شاء وترك شذرات متفاوتة الحدة، وصار ما أعرفه الآن يتسرب إلى ما كنت أعرفه وقتها، إلى درجة يصعب معها أحيانا تمييز العلامة التي كانت موجودة فعلا من تلك التي أضافتها النهاية إلى البداية.
خلف الزجاج، وقف رجل تحت المظلة المعدنية يشعل سيجارة ويحمي اللهب بكفه من الريح، خرج الدخان من فمه كثيفا للحظة، وانزلق تحت الحافة فجذبته الرطوبة نحو الرصيف، حيث اختلط بالضباب وفقد هيئته على مهل. تفرقت السحابة الأولى واستقرت رائحة التبغ قرب المدخل، تخفت حين يسكن الهواء وتعود مع انفتاح الباب، كأن ما غاب عن العين وجد لنفسه طريقة أخرى في البقاء. تبقى من بعض الأخطاء معرفة عصية على الخلاصة، تتسرب إلى طريقة النظر ثم تفقد الصلة الظاهرة بمصدرها، كأن التجربة ذابت في صاحبها وبقي منها اختلاف طفيف في وزن الأشياء؛ وقد يكون ما يستقر بعد هدوء الواقعة أقرب إلى فسحة داخل الحكم، مساحة تسمح للمعنى بأن يتأخر قليلا قبل أن يغلق بابه، فيمضي المرء وفيه أثر لا يعرف متى خرج من الحادثة وصار جزءا من تكوينه، خارج مطلب البراءة وخارج تلك الرغبة القديمة في أن تتحول الحياة كلها إلى درس مفهوم، مثل رائحة التبغ نفسها، وقد انفصلت منذ دقائق عن الدخان وظلت تقيم في الهواء بعد أن ضاع شكلها.
مر إعلان فوق الرؤوس، فرفعت امرأة في الطرف الآخر حقيبتها ظنا أن قطارها وصل، ثم أعادتها إلى الأرض بعدما انتبهت إلى رقم الرصيف. فشعرت بشيء من الألفة مع تلك الحركة الصغيرة، الخطأ يحتاج أحيانا إلى هذا القدر من البساطة كي يحتمل؛ يد ترفع شيئا ثم تعيده أو قدم تتقدم نصف خطوة ثم تغير وجهتها، ولا يبقى بعد ذلك شيء يستحق السرد.
على المقعد القريب جلس أخ وأخته أمام رقعة شطرنج صغيرة ذات قطع ممغنطة؛ كان الأخ يعلمها حركة الحصان، يريها المربعات بعناية ويترك القطعة بين أصابعها، فتخطئ المسافة ويعيد لها الدور، فتضع الحصان في مربع آخر وتضحك من دهشته. في المحاولة التالية استقر الحصان حيث لم يتوقع، فتوقف لحظة أمام الرقعة كأنه يفكر إن كان يصلح الخطأ أو يتركه. بنى نقلته التالية على موضع الحصان الجديد، واستمرت اللعبة من هناك، طفلان يحاولان أن يجعلا سبعا وخمسين دقيقة أقصر من نفسها.
حين عدت إلى مقعدي كانت القهوة قد فقدت حرارتها، ومع برودتها خفتت الجملة الصباحية في رأسي وخرج من مكانها صوت أقدم، صوتي أنا، في كلمة خرجت يوما أسرع من قدرتي على فهمها، ثم دخلت حياة شخص آخر وبقيت هناك من دون أن أملك ما جرى لها بعد ذلك. في السنوات التالية تغير معناها عندي أكثر من مرة، فيما ظل وصولها إلى الآخر واقعة حدثت مرة واحدة، في الدقيقة التي سمعها فيها، قبل كل ما سيأتي لاحقا من مراجعات. ثمة أشياء يستطيع المرء أن يراجعها داخل نفسه إلى ما لا نهاية، ويبقى للآخر زمن مستقل، زمن سمع فيه العبارة كما كانت، قبل كل التأويلات التي ستأتي لتخفف وقعها عند قائلها. من الصعب أن تصل اللغة المتأخرة إلى ذلك الزمن؛ تستطيع أن تطوف حوله طويلا، وأن تمنحه أسماء أكثر دقة، ويبقى في داخله شيء وقع وانغلق على صورته الأولى.
فتح الرجل المدخن الباب ودخل، هز قطرات صغيرة عن كتفي معطفه ومر قرب مقعدي، فامتزجت رائحة التبغ الرطب ببقايا القهوة. رفعت الكوب فوجدته شبه فارغ، ونظرت إلى الساعة فوق شباك التذاكر؛ بقيت ثلاث وعشرون دقيقة. اختفى الموظف خلف باب جانبي وترك فوق الطاولة قلما أزرق بلا غطاء، لم أعرف لماذا استوقفني القلم، ربما لأن بعض الأخطاء يشبه الأشياء التي تفقد غطاءها ثم تواصل استعمالها، يؤدي الغرض نفسه مع احتمال دائم لأن يترك أثرا في الجيب. هذه الفكرة مرت عابرة ولم ألاحقها، فقد كان ثمة ما يكفي من الهدوء كي تبقى الأشياء على حدودها، من غير أن تتحول كل واحدة منها إلى حكمة.
رجعت إلى الخريطة بعد قليل، فصار الخط الذي أخطأته أقل إثارة من الخطوط التي بقيت احتمالا، مستقيمة وناعمة لأن قدمي لم تمشها. الطريق الآخر يحتفظ في الخيال بنظافة غريبة، يعبره شخص أكثر حكمة منا ويصل منه إلى حياة لم يفسدها شيء، مع أن كل ما نعرفه عنه أنه لم يحدث. في الجهة المقابلة خسرت الصغيرة وزيرها، وحدقت في الرقعة طويلا قبل أن ترفع رأسها إلى أخيها، فأشار إلى الدور التالي وترك القطعة المأخوذة خارج اللعب. عادت أصابعها إلى الحصان.
قبل موعد الرحلة بخمس عشرة دقيقة عاد الموظف إلى مكانه، رتب الأوراق قرب الشاشة وأشار إلي أن أقترب، وأخذ التذكرة القديمة وطبع أخرى تحمل رقم الرصيف الجديد، ورسم على الأولى خطا بالقلم الأزرق وأعادهما معا. وضعت الورقتين في جيبي، استقر بينهما احتكاك خافت كلما تحركت، كأن مسارين صغيرين يتجاوران داخل القماش من غير أن يستطيع أحدهما إلغاء الآخر.
خرجت من الصالة إلى الرصيف، ازداد الضباب قليلا فوق السكة، ودفعته الريح إلى جهة المكان الذي كان يقف فيه الرجل المدخن؛ اختفى الرجل، واستقر قرب العمود عقب سيجارة مبتل، تتجمع إلى جواره قطرة من حافة المظلة وتسقط، وتبدأ أخرى في المكان نفسه.
وراء الزجاج كان الأخ والأخت يجمعان قطع الشطرنج في العلبة الصغيرة، وبقي الحصان الأبيض فوق الرقعة لحظة أطول من بقية القطع، ثم عادت الصغيرة والتقطته قبل أن يغلق أخوها الغطاء. حملت العلبة بين كفيها وتبعت أخاها إلى الباب.
وصل القطار ببطء، قرأت اسم الوجهة قبل أن أصعد وجلست قرب النافذة، أراقب المحطة وهي تنسحب إلى الخلف إلى أن ابتلع الضباب طرف الرصيف، وعاد النفق فملأ الزجاج بالسواد. أخرجت التذكرتين من جيبي، فوجدت الأولى قد انثنت عند الخط الأزرق واختفى داخل الثنية جزء من اسم المحطة التي أنزلتني فيها غفلة، بينما بدا اسم الوجهة واضحا في أعلاها. مررت إصبعي فوق الورقة وتركت الثنية مكانها، ثم وضعتهما في الحقيبة.
بقيت أراقب انعكاسي على النافذة وهو يختلط بالضوء القادم من الخارج، ثم ينفصل عنه مع كل عتمة قصيرة، انفتح النفق بعد دقائق على المدينة، وخفتت الجملة التي أخذتني صباحا بعيدا عن محطتي حتى عجزت عن استعادة موضع الوقفة الذي ظللت أغيره فيها؛ كانت قطرات المطر القديمة فوق الزجاج تسحب الأضواء إلى خيوط رفيعة ثم تمحوها.














