الأمريكية كارولين فورشي… الشعر ضد النسيان

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام
 ميلاد فايزة تُعرف كارولين فورشي في الساحة الأدبية الأمريكية بعملها الأنطولوجي «ضد النسيان»، الذي جمعت فيه نصوصا لأهم الشعراء في العالم، ممّنْ عاشوا تجربة فظائع الحرب والإبادة والموت. وقد صاغت، بعد قضائها ثلاث عشرة سنة من البحث والقراءة، مصطلح «شعر الشاهد» لتصف به حبلا سريا يصل الهموم الذاتية بقضايا الحرية والعدالة والالتزام في الشعر. أثّرت التجربة الأنطولوجية الضخمة التي جعلت الشاعرة تعيش لسنوات مع نصوص لميلوش رادنوتي ومحمود درويش وآنا أخماناتوفا وغيرهم، في تجربتها الخاصة ومنحت نصوصها ثيمات آتية من مناطق النزاعات والحروب والديكتاتورية. ولدت كارولين فورشي سنة 1950 في ديترويت بولاية ميشيغان وقد قضت فترة من حياتها في العمل الصحافي والنشاط السياسي المناهض للقمع والعنف، فزارت بيروت والسلفادور ومناطق أخرى مدفوعة بإيمان عميق بقدرة الشاعر على إحداث التغيير من خلال العمل الصحافي والكتابة الإبداعية والترجمة. لكارولين فورشي أربعة دواوين شعرية هي «تجميع القبائل» و»البلاد التي بيننا» وملاك التاريخ» و»الساعة الزرقاء» بالإضافة إلى أنطولوجيا «ضد النسيان» وترجمات كثيرة لمحمود درويش وجورج تراكل وروبرت دسنوس وكلارابيل ألاغريا. هذه أربع قصائد لكارولين فورشي تتنوع فيها الثيمات والهموم الشعرية بين سجون السلفادور وجنرالاته وقصص المسافرين الغرباء في محطات القطار في أوروبا الوسطى وغرف الفنادق الضاجة بحكايات العشاق العابرين…

الزائر

يهمس بالإسبانية: لا وقت قد تبقّى.

إنه صوت المناجل وهي تنحني على سنابل القمح،

آلام أغنية أحد الحقول في السلفادور.

حذرةً تهبُّ الريحُ خارج السجنِ

بينما تلمسُ يَدا فرانسيسكو الجدرانَ وهو يمشي في الداخل، إنها أنفاس زوجته

تتسرّب إلى زنزانته كلَّ ليلة بينما يتخّيل

يدَهُ يدَها.. إنه بلد صغير.

ليس ثمة شيْءٌ لنْ يقترفه رجلٌ بحقّ رجلٍ آخر.

……………….

إلى غريب

رغم أنك تذكر مدينة البندقية

محتفظا بها على لسانك مثل نواة

وأنا أقول نعم، ربما بوخارست، لا أحد منا

حقّا يعرف، هناك فقط هذا القطار

الذي يتسلّل من خلال المراعي المغطاة بالثلج،

مثل عربة زلاجة تنحني لتلمس

مزلاقيها المدفونين في الثلج.

نلتقي على رصيف المحطة المهتزّ،

وأسنان الريح المكسورة

تنغرس فينا.

تُخرِج خبزَك الأسود من الكيس

وتشاركني القهوةَ التي تنسكبُ على قفازاتك.

أعمدةُ التليغراف تقطّع الحقولَ في الشتاء إلى

مُكعّبات بيضاء، وفي كل نافذة

هناك لوحة بدائيّة لمزرعة صغيرة.

نُنصت إلى أُمّهات يوبّخن

بالأنكليزية أطفالهن وكأنّنا

لا نفهم أيّ كلمة مِمّا يَقلن ـ

اِهْدأوا، اِهْدأوا.

..

ثمّة بعض الأدلّة

على مكانِنا الآن: بالاتُ تِبْنِ القمْح مَرميّة

في كلّ مكان كأنها توابيت مفقودة.

الأضواء الصفراء البعيدة المنبعثة من المطابخ

قد مُسِحت بالزيت.

في كلّ مكان، تنقلُ الأسلاكُ السوداء المرتخية

الرسائلَ من جهةٍ في البلاد إلى أخرى.

الرجالُ الواقفون على الحدود

يلّوحون لنا بأيديهم.

..

نمسحُ دوائرَ بخارِ الأنفاس ذات الشكل البيضويّ من على النوافذ

لنرى أنفسنا. تلمسُ

الزجاجَ بحَنانٍ أَيْنَمَا احتضنَ وجهي.

بعد أيام كُنتَ تُريني صورَ امرأةٍ وأطفال

باسمين من نافذة محفظتك.

..

كلّما تباطأ القطارُ، يمرّ رجلٌ

بين العربات مُغمْغماً اسم مدينة،

وعلى الأزرار الذهبية لمعطفهِ وجوهُنا.

كلّ مرة نُضيع أناساً. كلّ مرة أَجدُكَ

ثانيةً بين العربات ماسِكاً

قطعةَ خبز لي، شيئاً

ساخناً لأشربَه، إلى أنْ

لمْ يعُدْ هناك المزيد من المدن فتضُمَّني إليك

دافعاً يدك تحت معطفي

مردّداً اسمك لي، مستعجلاً

فمك على فمي.

لا يملكُ كلانا شيئاً

لنعطيه لبعضنا بعضا.

………………

لقاء

ما أن يغيّر ما بنفسه حتى تغيره الأبدية في النهاية – ملارميه

على الفونوغراف، صوتُ امرأةٍ

ماتتْ منذُ ثلاثةِ عقود

تغنّي عن رجلٍ

كان بوسعه أنْ يجعلها تفعلُ أيَّ شيء.

على الطاولةِ، كأسانِ هشّتانِ

من النبيذِ الأسود،

وقارورةٌ ملفوفةٌ في منديل.

إنَّها تلك الغرفةُ، الغرفة

التي نزلنا فيها في كلِّ مدينة، إنَّها

كما أذكر: السريرُ وكتلةٌ

من ضوْء القمرِ ووسائد.

أظافرُ أصابعي نقراتُ ضوْء

على فخذيْكَ.

الرائحةُ الكريهةُ لِسُلَّم النجاةِ من الحرائقِ.

بَقايا السجائرِ المبلولة

التي سحقْتَها الواحدةَ تِلوَ الأخرى.

أتذكّرُ كيفَ راقبتُ الصباحَ يأتي

وأنتَ تنامُ، كُنتَ تبدو مثلَ طفلي وليسَ رجلاً أكبرَ بعشرِ سنواتٍ.

أتذكَّرُ ملمسَ نهْديَّ بعْدَ

سنواتٍ، الحركةَ الدائريةَ للألسنة النديّة في فستاني،

بعضها لكَ وبعضها

تركهُ رجالٌ آخرون.

مُنذئذٍ، أصبحتُ دائماً أوّلَ مَنْ يستيقظُ

وتعلّمتُ أنْ أتركَ السريرَ من دونَ أنْ يراني أحدٌ

وأقِف أمامَ المغسلة

أمسح الزيتَ والملحَ عن جسدي،

مُحدِّقةً في الماء بينَ راحتيْ يديّ.

لقد حافظتُ على كلِّ شيْءٍ

هَمَسْتَ في أذنيَّ حينَها.

أستطيعُ أن أتذكَّرَ ذلك الآنَ وأنا أراكَ مرَّةً أخرى،

كمْ مِن الرقّة نستطيعُ أن نَحْشر بينَ السلالمِ

ومِزْلاج الباب، أو كما كان الحال،

وكما لا يزالُ، في صوتِ امرأةٍ تغنّي عن رجلٍ

كانَ بوسعِهِ أن يَجْعلَها تفعلُ كلَّ شيءٍ.

……………………

4ـ الكولونيل

ما سمعته للتوّ صحيح كنتُ في بيته جاءت زوجته

بصحن القهوة والسكر. بردتْ ابنتُه أظافرها بينما خرج ابنه

ليسهر. كان هناك جرائد يومية، كلاب أليفة ومسدس

على وسادة الكرسي بجانبه. تأرجح القمر عاريا على حبله الأسود

فوق البيت. كان في التلفزيون برنامج بوليسي باللغة الإنكليزية.

كانت الجدران حول البيت مزروعة بالزجاجات المكسورة

لتقلع عظمتي ركبتيْ رجلٍ أو تشرّح يديه.

الشبابيك كانت مغطاة بالحديد المشبوك مثل حوانيت بيع المشروبات الكحولية. تناولنا

العشاء، قطعة من أضلاع الخروف ونبيذاً فاخراً. كان هناك جرس ذهبي على الطاولة

لمناداة الخدم. جاءت الخادمة بثمار مانجو خضراء، ملح ونوع

من الخبز. سُئلتُ كيف استمتعتُ بوقتي في البلاد. كان هناك إعلانٌ قصير

بالإسبانية. أخذتْ زوجته كل شيء إلى المطبخ. كان هناك

حديثٌ قصير حينئذ عن مدى الصعوبة التي قد أصبحت عليها شؤونُ الحكم. قال الببغاءُ

مرحبا من الشرفة. قال له الكولونيل اخرسْ وقام

من على الطاولة. قال لي صديقي بحركة من عينيه: لا تقولي

شيئا. رجع الكولونيل بكيس كان يستعمل لجلب الخضروات والفواكه.

أفرغ الكثير من الآذان البشرية على الطاولة. كانت مثل

أنصاف حبات خوخ مجففة. ليس هناك طريقة أخرى لقول هذا. أخذ واحدة

منها بيده، هزّها أمام وجوهنا وأسقطها في كأس ماء.

أصبحت حيّةً هناك. لقد تعبتُ من العبث، قال. أما

بالنسبة لموضوع الحقوق لأيٍّ كان، فقولي لشعبك إنه بوسعه أن ينيك

نفسه. رمى بالآذان على الأرض وأمسك بكأسه الأخيرة

من النبيذ عاليا في الهواء. شيءٌ لشِعرك، أليس كذلك؟ قال. بعض

الآذان على الأرض التقطت شيئا من صوته. وبعض الآذان

على الأرض ضُغطت على الأرض.

*كاتب تونسي

مقالات من نفس القسم