يوم أن كنا نحلم

السيد شحته
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

السيد شحتة

كان لى حلم كبير روادنى طويلا فى نومى ورافقنى بحلى وترحالى خلال صحوى حتى خلت أننا لن نفترق أبدا، وأن السبل لن تباعد بينا حتى ولو لثوان معدودات، لقد أمتزجنا ببعضنا البعض حتى صرنا شيئا واحدا وكتلة منسجمة لاتستطيع أن تفصل فيها الحلم عن الحقيقة ، تلبسنى الحلم فأصبحت أتحدث بلسان حاله وكأنه واقع لا يغيب إلا عن عين أعمى أو صاحب قلب مريض.

طفنا كل العوالم معا وشيدت من بنات أفكارى قصورا مشيدة زينتها بأفخم الأثاث كى ينعم فيها السيد ” حلم” متربعا فى سويداء قلبى ومالكا على أمرى كله حتى لم أعد أرى فى المجرة كلها حقيقة سواه ،كان يجلس أمامى منتشيا واضعا ساقا فوق الأخرى وهو يفتح أمامى قائمة بكبرى الأمنيات كى أنهل مما يطيب لى وأترك الفتات لمن ستقودهم أقدامهم إلى أن يمضوا فى نفس الطريق من بعدى.

سكرت من معسول كلامه بعد أول رشفة كمراهق يتجرع الخمر لأول مرة وطلبت نيل الأعالى فيكيفينى من الجوع ما طبعه على جسدى الهزيل وما تركه من آبار حرمان فى معدتى المسكينة ،كنت أسابق الرياح على جناح من رحم الغد المشرق الذى أهفو إليه رافضا أن أعيش بقية عمرى فى ثياب ذلك الذى لم يخلق لدنياه إلا ليضرب فى الأرض بفأسه حتى تتورم يمناه ويسراه وينحى ظهره ويشيخ وهو يستقبل أولى سنوات شبابه .

سمعت نصيحته وبذلت كل ما أملك فلن يربح فى النهاية إلا المنكبون على تحقيق ما يتمنون والذين إذا ما فرغوا من أعمالهم فإنهم ينتصبون بالدعاء إلى الله أن يكلل جهودهم حتى يكون النجاح حاليفهم فى كل حين.

جعلت من السيد حلم عالمى الخاص فلم أسمع سوى صوته الرنان ولم أرى سوى بريقه ولم تهفو نفسى إلى شىء إلا أن يصبح حقيقة ملموسة يراها كل الناس فى القريب العاجل ولايظل طيفا يداعبنى بين الحين والأخر أو خيالا يسكن حشايا قلبى وخلايا مخى .

لم تزدنا وعورة الطريق إلا ارتباطنا ببعضنا البعض ، كنت أحتمى به من قيظ الصيف وبرد الشتاء القارس، وأحقاد الجيران وخيانات ذوى القربى وطعنات الأصدقاء الغادرة ، كنت أحاول ما استطعت إلى ذلك سبيلا أن أبقيه فى ستر مكنون بعيدا عن أعين الحاسدين ومؤمرات الحاقدين.

ويوما بعد آخر وساعة بعد ساعة كنت أحس به يكبر فى داخلى وبعد أن سقيته من كأس صبرى وأطعمته من جسدى الحى بدأ يتجسد شيئا فشيئا حتى أصبح واقعا ملموسا ونورا ساطعا وقرة عين لى .

لم يصدق أى من قرنائى أو حتى أبناء عشيرتى الأقربين أن شخصا بسيطا مثلى تقذف القرى بالمئات من أمثاله يوميا سوف تسلط عليه الأضواء فى مدينة الزحام هذه وأن أبن العامل البسيط سوف يصبح كاتبا مرموقا وأديبا كبيرا ينتظر القراء المطبعة قبل أن تخرج إليهم بأحدث كتبه وإصداراته.

من قال أن هناك مستحيل يوما ما ؟ من قال أننا لايمكن أن نطير كالفراشات وأن نمسك الهواء بأيدينا إذا حلمنا بذلك ساعة ما ، الأحلام هى الوقود الذى تتزود به أرواحنا كى تتمكن من مواصلة التحليق فى عالم تقتله الكثير من المحسوسات وتتنازعه إحباطات لاتعد ولا تحصى.

الحالمون وحدهم هم القادرون على أن يمضوا فى الطريق حتى نهايته وأن يجتازوا كافة الموانع والعراقيل التى وضعت كى تبقيهم محاصرين فى المربع الأول حيث يشربون كأس المرار الأبدى كان هذا يقينا مستقرا فى داخلى منذ البداية ووضعت نصبى عينى هدفا هو أن أقضى بقية عمرى باحثا عن الضوء فى نهاية النفق المظلم.

وإذا كان هذا هو حال الشاب الصغير فكيف يمكن تخيل الصورة بعد أن أضحى كاتبا مرموقا ملء السمع والبصر لقد سكنه حلم جديد بأن يكون كبير الكتاب وليس كاتبا عاديا، ولكن المنافسون كثر والطريق محفوفة بالمخاطر والأشواك ، ولكن ولما لا يحاول وقد ارتقى هذه المكانة التى يحسده القوم عليها اليوم بفضل الحلم الذى كان يسكنه من الصغر، أطلقت لحبل أفكارى العنان ، فرغت ذهنى من شواغله وألقيت بجسدى المثقل بالأوجاع على السرير واستشرفت الهيئة التى أتمنى أن يكون عليها فى قادم القادم وقبل أن أخلد إلى النوم أحسست به يتحرك فى حشايا قلبى ووسط خلايا مخى فتهلل وجهى المجهد وأيقنت أن حلما جديد يولد فى داخلى وأننى ربما أنهض من نومى غدا فأجد نفسى قد تبوأت مقعد الكاتب الأكبر والصانع الأول للفكر.

نهضت من نومى فى الصباح على صوت بومه تنتحب فغزت الكآبة روحى وأوجعتنى وغزة فى صدرى  فتسائلت مذعوار هل يكون هذا نذير شر ، ولكنى انتفضت من فراشى مستعيذا بالله من وساوس الشيطان وتفاءلت بالخير أملا فى أن أجده أقرب إلي من حبل الوريد.

واعتمرت ثيابى وتأكدت من استقامة هيئتى بعد أن وضعت عويناتى وانطلقت وأنا أحمل على ظهرى حلما جديدا عاقدا العزم على ألا أعود إلا بعد أن يضحى حقيقة لكننى عدت فى المساء مهموما وبصورة تختلف تماما عن تلك التى خرجت بها كان شعرى منكوشا وكان الشيب يبدو واضحا فيه رغم أننى لم  أرى أثرا له من قبل وكأنه نبت توا من هول مع رأيت .

ظللت صامت طويلا ،خفت حتى أن أبوح لنفسى بما جرى  فأنا أعلم أن العاقبة وخيمة وإن جزاء اللسان الطويل فى عرف بعض الأقوياء هو القطع، لكن لماذا أنا هنا الآن وحيدا ، وأين ذلك الذى كان يلازمنى كظلى أين أختفى الحلم؟ ولماذا لا أرى أحدا من الأهل والصحاب لقد كانوا حتى الأمس كثر واليوم لا أبصر طيف أيا منهم وكأنهم تحولوا إلى هشيم تذروه الرياح.

دفنت رأسى بين راحتيى طويلا وكأننى أحاول الفرار من لحظة أخشاها كثيرا ، ارتجف جسدى بشده فأرتجت الحجرة بأكملها وكأنها تشارك صاحبها الأحزان لقد فجعت فى أعز ما أملك ،لقد وراىت بيدى منذ قليل من سهرت طويلا على تربيته حتى صار أنيسا لى ومعينا على نوائب الدهر ، لقد خسرت حلمى إلى الأبد فدور النشر بأكملها تحولت اليوم إلى أنشطة تجارية أخرى أكثر ربحية وأنتهى عصر طباعة الكتب وتأليف الروايات ولن يكون هناك حاجة إلى كاتب كبير أو صغير بعدالآن وعلى من الغد أن أبحث عن عمل أخر أقتات منه أنا ومن أعول بعد أن أغلقت الدنيا فى ذات مساء كافة أبوابها دونى وبلا سابق إنذار.

“كان لى حلم ومات ،ومن اليوم على أن أدفن رأسى فى وحل الواقع ولا شىء غيره حتى لو عملت صبيا لصنايعى فى أحد الورش فما عادت حروفى تكفى لشراء أرغفة من الخبز الحاف” تمتمت بهذه العبارات وأنا أخشى من ذهاب عقلى فى تلك اللحظة التى لم أرى أمر منها فى حياتى الطويلة.

ومن هذه الساعة تغيرت حياتى بشكل كامل ولم أعد أعرف للحلم طريقا وحتى إذا صادفنى فى نومى فإننى كنت أهب مذعورا مسارعا إلى الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ، تحولت إلى واعظ يجوب المدينة ليحذر الناس من شر الأحلام ،ولم أكن أتردد فى رواية حكايتى وكيف جعلتنى الأحلام أسقط على عنقى فى نهاية المطاف لألقى حتفى فى الحال دون أن يفكر أحدهم فى مد يد المساعدة لى فالكاتب يموت فى اللحظة التى تتجمد فيها كلماته وتجف فيها سطوره.

عندما تحلم فأنت تضع رقبتك تحت مقصلة الفرص التى لا تأتى سوى لمن ولدوا وفى أرصدتهم مال كثير ورثوه عن آبائهم ، أما أبناء أولئك الذين لاحيلة لهم فإنه محكوم عليهم بألايحلموا فطريقهم مسدود مسدود مسدود مهما نالوا شرف المحاولة وحتى لو أفلحوا يوما ما فإن طعنة غادرة فى ظهورهم فى العتمة كفيلة بأن تفقدهم الأخضر واليابس وأن تعيدهم إلى نقطة الصفر المحجوزة دائما وأبدا بأسماء أبناء الغلابة والمساكين.

فى كل صباح يمتهن الكاتب ذو الحلم الضائع مهنة ما كى يربح جنيهات قليلة تكفى بالكاد مصروفاته الشهرية ولكنه مازال حتى الآن يحتفظ بقلمه وأوراقه تحت السرير حيث يسهر حتى الصباح ليخط كلمات لايطالعها أحد سواه بعد أن تم وقف طباعة الكتب بسبب الخسائر الباهظة للمطابع قابضا على خيط رفيع يبقيه فى مسافة تتأرجح بين الحياة والموت.

مقالات من نفس القسم