يسرق لأول مرة

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

صوت خافت ممدود كان ينبعث من تحت قدميه لا يلبث أن ينقطع للحظة قصيرة ثم يعود كما هو. كان قد بدأ كضحك مكتوم على خطوات مهزوزة لمهرج عجوز. وذلك في أثناء صعود عبد الرازق سليم السلم الخشبي ذا الإحدى عشرة درجة الذي يرتقي إلى الطابق الثاني والأخير.

عندما وصل إلى المنتصف اعتراه خاطر يوصيه بالتريث كي يمتلك زمام نفسه ولو لمجرد برهة قصيرة حيث يمكنه بعدها مواصلة ما عزم عليه أو أن يرجع عائدًا إلى داره، فقد كان ذهنه مشغولاً فيما إذا كان أحد موجود يكون قد سمع صوت قدميه أم لا. كان لا يعرف من أين أتى ولماذا، حيث اختلط عليه فكره وتشابكت بداخل رأسه تفاصيل لأشياء فكر بها كثيرًا من قبل، غير أن تلك اللحظة أضفت عليها غرابة مخيفة كانت توحي بعواقب وخيمة. ولكنه إذا تمالك نفسه ثم نحى عنها هواجس الخوف والقلق فسوف يخدش هذا الصوت الصمت المندس بين ظلام إحدى عشرة درجة في أثناء الصعود وإحدى عشرة درجة في أثناء النزول، الذي إذ قدر له أن يسمعه في وقت آخر غير هذا لكان قد أثار بداخله رغبة أكيدة في السخرية من نفسه، كما يحب أن يفعل أمام ابنه إبراهيم الذي يرقد في فراش المرض منذ سنتين.

كان هو قد حاول في أثناء تلك المدة، على الرغم من بؤسه وفقره ومجابهة صباحات أيامه بوجه محتفظ بعبوسه في أغلب الأحيان كانت ملامحه تتلوى حزنًا وسخطًا، أن يخلق مواقف الضحك والسخرية كي يخفف عن ابنه ضيقه وملله اللذين صار أثرهما باديًا على ملامحه السمراء الشاحبة وعوده النحيف، حيث بدا وكأنه يسبق سنوات عمره الاثنتي عشرة بكثير.

كان عبد الرازق وقتها يجعل من هيئته المزرية والمفتقرة للمهابة، فضلا عن نفسه التي كانت تميل إلى الضعف والخنوع، مثارا للسخرية، كأنهما خيطين يحرك بهما جسده مثل الدمية، هو الذي كان قد تخطى الخمسين، طويل القامة، رفيعًا، يُرى دائمًا مرتديًا جلبابًا أزرق متهرئ الأطراف ومليئًا ببقع متسخة بشدة، وينتعل حذاءً قديمًا من دون جوارب. كان أيضًا يجد في ذلك وسيلة تبعد غلالة الحزن التي كانت تحجب سحابة الفرح والطمأنينة وراحة البال عن داره، فخلال ذلك كان يحاول بقدر استطاعته أن يخفي تصنعه وقلة حيلته حتى يستعيد ابنه فرحته العذبة، بينما كان ابنه إبراهيم كثيرًا ما يلم به حزن عندما يفطن إلى ضعفه وقلة حيلته. يكون ذلك بإحدى الحجرتين اللتين يتكون منهما داره الصغير المسقوف بجذوع النخيل وسعفه، بالإضافة إلى مساحة ضيقة يفتح عليها بابي الحجرتين، في عقب النهار بعد عودته من ماكينة المياه التي يعمل على حراستها ويتولى تنظيم نوبات بين المزارعين في بلدته. كانت تشاركه زوجته حسنية في ذلك، التي تعلم بكل ما يعتمل بداخل نفسه من كثرة ما أنصتت للوعته وملاحظتها ملامحه التي كانت كمرآة تعكس ما يعانيه عندما يطول صمته، غير أنه كثيرًا ما يخاف أن يعرف ابنه الغرض من وراء هذا الإشفاق عليه.

كان في أثناء جلوسه في مقهى «درويش» الذي أخذ يتردد عليه كثيرًا في الآونة الأخيرة برفقة صديقه عتمان عبد الودود إلى وقت متأخر من الليل، حيث يظلان موجودين بها حتى بعد انصراف روادها من أهل البلدة وعابري السبيل. حينها كان عتمان يتعجب لرغبة صديقه في ملازمة مكانه بالمقهى وشروده عما حوله، وأيضًا لنظرته الطويلة التي يصوبها نحوه كأنما يراه لأول مرة.. ولم تكن كآبته وسخطه شيئين جديدين عليه، فقد كانا صديقين منذ وقت مبكر يعود إلى فترة الشباب، مع أن عتمان كان يكبره بثلاث سنوات، طويل القامة مثله، غير أنه عريض المنكبين، ممتلئ، ملامحه غليظة، وصوته بطيء ومنخفض على الدوام. كان يمتلك دارًا من طابقين قبالة دار عبد الرازق، ويزرع أربعة قراريط بشرق الترعة الكبيرة ورثها عن أبيه، فيما كان عنده بقرة وعدد من الماعز.

كان يواظب في كل خميس على الذهاب إلى سوق البهائم من أجل السمسرة التي كانت تدر عليه نقودًا كثيرة بسبب براعته فيها، وعلى الرغم من كل ذلك فإنه كان شحيح اليد على نفسه هو وأسرته المكونة من زوجته سعدية البدينة وثلاثة من الأبناء؛ حيث بدا ذلك على مظهرهم الرث مثلما بدا هو بجلبابه الصوف المتسخ الذي يرتديه صيف شتاء.

ومع أن عبد الرازق كان متأكدًا من عدم وجود أحد في الدار فإن قلبه ما زال يخفق بشدة تكاد تحطم ضلوعه، بينما غمر العرق جسده حتى التصق بجلبابه البالي، الذي أحس بثقل على الرغم من نحافته اللافتة ووخم إرادته وتشتت ذهنه، فقد كان يعتريه خوف من أن تكون زوجة عتمان قد عدلت عن البيات في دار أبيها هي وأبناؤها التي لا تبعد سوى أمتار قليلة.. وازداد خوفه أيضًا عندما ألم به خاطر من أن تكون قد بدلت مكان النقود التي كانت تحتفظ بها داخل خزانة الملابس كما أخبرته زوجته، ولكنه استبعد ذلك لقصر الوقت الذي مر على بيع عتمان بقرته، عندئذ تحولت مخاوفه إلى شعور يحفزه على المواصلة حتى وإن ظلت عكارة الخوف راكدة بقاع قلبه.

كانت نظراته المحدقة في الظلام تشعره بغرابة المكان كأنه لم يدخله من قبل أبدًا، وكأن رائحة الرطوبة المتغلغلة بالجدران التي ألفها تأتي من مكان بعيد لا تستطيع مخيلته تبين معالمه بسبب كثافة الظلام.. ها هو ما زال يقف في منتصف السلم لا يحرك ساكنًا، مصغيًا للسكون الذي يغشى أذنيه على الرغم من أن الليل كان في بدايته.

كان لا شيء يتردد غير صوت أنفاسه العالية لغضبه من أن يكون أحد منهم قد علم بوجوده. أولئك الذين طالما مد إليهم يده على استحياء طالبًا المعونة لعلاج ابنه الذي تركه منذ وقت قليل في حال يرثى لها، حيث يتلوى.. كان يتلوى من ألم ينهش جنبه حتى يبلله العرق وتهيم نظراته في تضرع. عند ذلك اشتدت قبضته المعروقة على الدرابزين في توعد لكل من يحاول أن يفسد عليه الأمر، بينما كانت عيناه تطلقان نظرات إلى الخلف نحو الباب المطل على الدرب الذي تنضح شقوقه عن ضوء ضئيل يخدش الظلام في خجل.

كان قد قدر تفاهة ما يتوخاه من حذر بعد أن قتل ضميره ودفنه بجوار كلمات كانت ترن بداخله كي تذكره بالثواب والعقاب، والخير والشر. أجل، أصبح لا يخشى شيئًا.. ثم جعل يخاطب نفسه: «إن لم أفعل ذلك فسوف يموت ابني الوحيد.. الكل يعلم بمدى احتياجي إلى النقود وفي مقدمتهم عتمان صديقي الذي لم أجد في جعبته غير أشياء زائفة عن الصداقة والعشرة والجيرة والظروف الصعبة». لكل هذا أحس بنشوة البطولة كأنه مبعوث السماء الذي سوف يقتدي به المعوزون حتى يتخلصوا من الهم.

هناك شيء جديد انبعث بداخله كان يحثه على تكرار الأمر في المستقبل مرات ومرات – إذا أفلت هذه المرة – إلى أن يندم كل البخلاء والجشعين وليس عليه فيما بعد لو أتت الفضيحة..

أدار رأسه إلى الأمام عندما كف عن انشغاله بما يعتلج داخل نفسه واضعًا نصب عينيه هدفه الذي جاء من أجله.. هم بالصعود إلى أعلى ولكنه بوغت بضوء يشع بقوة من خلف الباب الموارب للطابق العلوي فتسمر في مكانه وهو يبتلع ريقه الناشف بصعوبة، بينما ازداد إفراز جسده العرق، في حين ألمت به برودة مقيتة أشعرته برعب مماثل حدث له في زمن بعيد حينما كان صغيرًا، الذي أعقبه تبول لا إرادي، ولا يتذكر منه غير رائحة البول التي كانت تأتي على أنفه كما الآن. وقبل أن يشعر بالخجل من نفسه، صعد درجات حتى رأى «لمبة صفيح» يعلوها لهب متوهج، تتلاعب فوقه خيوط دخان أسود، لا يكشف عن خيال لأحد يمكن أن يكون موجودًا.

هدأت نفسه المروَّعة واستعاد زمام نفسه ثم تشبث بالأمل في السطو على النقود من دون جلبة. هل يمكن أن يكون عتمان وزوجته البدينة قد نصبا إليه مكيدة؟ هل راودتهما الشكوك لما أثاره هو وزوجته من أسئلة تخص أمر النقود؟ لا، هو يعلم أنه توخى الحذر معه عندما كان يتحدث إليه منفردين آخر الليل في مقهى «درويش»، بل أيضًا أوصى زوجته أن تتبع ذلك مع المرأة البدينة التي هي إن لم تكن موجودة الآن في البيت، فلماذا تركت اللمبة مشتعلة؟ وأن لم يكن يعرف سابقًا لا مبالاتهما لرجع على الفور!! وأيقن بأن هناك أمورًا تصدر عن الناس دون قصد منهم، فقد كان يهتم للظلام الذي لم يتوقع أن يكون هكذا، ثقيلا على نفسه ومربكًا لقدميه. وبدلا من رائحة البول التي أثارتها ذكرى الرعب الطفولي، كان قد تشمم رائحة الرطوبة التي امتزج بها عبق الجدران الرخو العتيق. وكلما تذكر إلحاحه على الناس في طلب المساعدة لعلاج ابنه، ازداد تصميمًا وعزمًا قويين.

من دون توقع منه تخلخل جدار السكون بنحيب حار كان يخرج من جوف امرأة؛ حيث بدأ خافتًا ثم ازداد، تصحبه أصوات لأقدام مسرعة كانت تقرع أديم الدرب، كأنها راغبة في استجلاء الأمر. بوغت وانتفض في مكانه بينما في ثوان ألمت به رغبة يشارك بها أصحاب الأقدام المسرعة، فنزل إلى أسفل بقدمين مرتجفتين وقلب يرتعش، مقتربًا من الباب بخطوات بطيئه كأنها لرجل في وسط كابوس. كان قد فكر بأن يترك البيت ويهرب في غياهب ظلمة الدروب الضيقة والملتوية، إلا أنه تراجع عندما رأى من بين الشقوق هامات باهتة وصامتة، ذات رؤوس محنية في أسف بالغ. كان لا يلبث أن يفكر في احتمال عودة المرأة البدينة إلى الدار على وقع الجلبة التي أحدثها النحيب في الدرب، فهي من المؤكد أن تكون بين الواقفين. نعم.. بالفعل قد عثر من بين الشقوق على ظلها المترهل وهو يتحرك ببطء أمام الباب وكأنه يود فتحه. وعلى ما ألم به من جزع في تلك اللحظة كان قد انتوى أن يصعد إلى الأعلى كي يأخذ النقود ثم يقفز من الناقذة أو يعتلي السطح إلى الأسطح المجاورة، حتى يصل إلى الخلاء. هكذا وبهذا فكر حيث كلما تنتهي الفكرة تعود كما هي بلا زيادة أو نقصان، ومن دون أن يبرح مكانه، مع ما يتهدده من عودة أصحاب الدار. وقبل أن ينجرف في البحث عن إجابة للسؤال الذي ألح عليه – فقد كان يود أن يعرف أين يمكن أن يكون صديقه عتمان في تلك اللحظة – جذب انتباهه بقوة صوت النحيب، فقد شعر بأنه يدعوه لمعرفة ما حدث. عندما وجد في الصدى الممزوج بهمهمة المتسائلين ألفة قديمة.. تحسس المزلاج بيدين مرتجفتين حيث كان عازمًا على الخروج، ولكنه قبل أن يأتي بحركة باغتته أصوات صارخة تردد اسم ابنه إبراهيم مسبوقًا بآهة ممدودة كانت تناجي الأفق الصامت المظلم بلا جدوى فيما أحس بأنها ستظل إلى أمد طويل تطارده بالذنب. هل يمكن أن يكون هذا عقابًا أم مفارقة مقيتة؟ إن كان هذا أي الاثنين، فلماذا جاء مبكرًا؟ وبينما كانت أذناه تجدان في ما يحدث غرابة شديدة تختلط بهمس الخبل انحنى هو إلى أسفل مقرفصًا ثم دفن رأسه بين كفيه في اسستلام لدموعه المنهمرة.

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق