وضع خاص

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

قصة : محمد ربيع *

1

أمشي إلى الميدان الكبير، الشوارع مضاءة بأنوار صفراء، أعمدة النور تضيء ما تحتها فقط، بينما ما حولها يبدو نصف مظلم. ضباب خفيف ينتشر فوق المكان، والهواء واقف تماماً، كأننا في أول فصل الصيف، حيث نجد أياما حارة تتبع أياما باردة، فنتعجب التغير المفاجيء في الجو ودرجة الحرارة. أقابل هيثم في الميدان، لم أره منذ عشر سنوات أو أكثر، من أيام المدرسة الثانوية، كان زميلي في الفصل، لكنه لم يكن صديقا. يلعب هيثم بكرة، يضربها بقدميه ورأسه، يرفعها عاليا لتتلقفها قدمه مرة أخرى. يناولني الكرة ويقول: جرب. أنا لم ألعب الكرة باتقان أبدا، هو أيضا لم يكن لاعباً جيداً، سأجرب، مادام هيثم قد أصبح محترفاً هكذا، فربما صرت أنا محترفاً أيضاً. "أنطق" الكرة بقدمي، برأسي، أرفعها على ركبتي اليمنى وأبدأ في تنطيطيها باحتراف. أركلها بقوة إلى الأعلى. مرة أخرى أركلها لأعلى أكثر، تغيب في السماء قليلاً ثم تهبط بسرعة. هيثم حصل على كرة أخرى، بدأ في ركلها عالياً كما أفعل أنا. حولنا ظهر الكثيرون يفعلون كما أفعل، يركلون كرات إلى الأعلى. مع مرور الوقت يبدو على بعضهم التعب وتتعرق جباههم. الكل يحاول رفع الكرة قدر المستطاع. يريدون أن يصلوا بها إلى السماء. أنا سأتفوق عليهم، أمسك الكرة بتركيز، أجمع طاقتي، أفكر في أن الكرة ستصل إلى القمر إذا ما عزمت على ذلك. أركلها وأنا في وضع طائر في الهواء. أهبط على الأرض بعنف حتى أني أفقد توازني وأقع. الكل يتوقف عن محاولة ركل كراتهم. تغيب كرتي في السماء طويلا، أنتظرها بدون فائدة. فجأة تظهر كنقطة بيضاء صغيرة في السماء السوداء. تسقط بسرعة بالغة على الأرض بالقرب مني. لكنها لا ترتد مرة أخرى إلى أعلى، بل تتكسر إلى شظايا. أحاول أن أمسك ما تبقى منها فأجد أنه بارد جدا. قطع صغيرة تحطيها طبقة من الصقيع. كأنها كرة من زجاج. أحدق في السماء لأجدها خالية تماماً من النجوم، سوداء تماماً. مظلما تماماً.

2

أسير في شارع طويل جداً، عريض جداً، ربما يزيد عرضه عن المائتي متر. مضاء بصف لانهائي من الأعمدة، ضوؤها الأصفر ينتشر على طول الطريق. الجو جاف جداً، حار جداً. أمامي نفق ضخم للسيارات، تزدوج أعمدة النور عند النفق، أعمدة تضيء الشارع وأخرى تضيء النفق. فتبدو رؤوسها المضيئة وكأنها تشكل جناحي طائر خرافي، طويل الذيل عظيم الجناحين. يختفي ذيله المضيء في الأفق، بينما جناحاه في وضع متحفز وكأنه يستعد للإقلاع. رائحة منتنة تزكم أنفي، رائحة بشعة. أتجه نحو الرصيف وأقفز فوق الحاجز الخرساني المنخفض، أتابع المسير لأعرف سبب الرائحة. ألتفت إلى الخلف لأتابع الطائر الخرافي المضيء خلفي، يجب ألا يغيب عن بصري، النور الأصفر منارتي في هذا المكان. بالتدريج تعتاد أنفي على الرائحة، أستمر في السير. أبتعد تدريجيا عن الضوء الأصفر الآتي من خلفي، ظلي يمشي أمامي ويزداد خفة، يذوب وسط الأرض غير الممهدة. وكلما التفت خلفي أرى الطائر الضخم يغوص داخل الأرض، ابتعدت كثيرا وبدأت الأرض في الاستدارة. عدة خطوات أخرى ويختفي ظلي، سأبقى أنا وحدي ماشياً بدون ظل. فجأة أسمع طنين النحل، آلاف النحلات تطن بجنون، أنا أخشى النحل كثيراً، أكره لسعاتها. لكني أستمر لأعرف سبب الرائحة المنتنة هذه. أمامي ترتفع الأرض بقدار بسيط، كأنها هضبة منخفضة. الرائحة تظهر بقوة الآن. على الأرض أمامي جثث لأبقار وخراف وأسماك وكلاب وقطط. يتكاثر الذباب عليها ويطن ليغطي على الصمت. أحاول الصعود فوق الجثث، أريد أن أرى نهاية محيط الجثث هذا. تنزلق قدمي، أخطو فوق الجثث وفي قلب العاصفة الذبابية ببطء. ألتفت خلفي كل بضعة خطوات لألاحظ الطائر المضيء الرابض على الأرض خلفي. أخاف أن أفقد العلامة ولا أتمكن من العودة للطريق. لا أشاهد جثثا لبشر، لكن المشهد مرعب بما فيه الكفاية، في الخلف أشاهد الطائر المضيئ يرتفع بهدوء، يضرب بجناحيه فيرتفع عاليا، يحلق في السماء ثم يبدأ في الاقتراب بسرعة، يزداد ضخامة كلما اقترب مني، يستقر فوقي تماما، يحلق في السماء، ثابت في السماء. ضوؤه يغمر المكان، ضوء أصفر ساطع. يطير الذباب بعيداً، يخشى الضوء الأصفر. أشاهد بوضوح الجثث الملقاة على الأرض أمامي وخلفي، تمتد حتى خط الأفق المظلم البعيد. واضحة تماماً الآن، أرى جلود الحيوانات وأجسادها المنتفخة. صمت تام يغطي الجثث، ولا نسمة هواء واحدة. كأني في غرفة ضخمة مغلقة. يرفرف الطائر بجناحيه قليلاً، ثم يضرب الهواء بهما ويرتفع بسرعة إلى السماء السوداء المظلمة. يختفي مخلفا بقايا من ضوء أصفر في الفراغ، يعود طنين الذباب مرة أخرى ليغطي على الصمت. أدور حولي باحثا عن أي أثر للطائر. أي أثر لضوء.

3

أركب سكوتر وأجري في الشارع. أعمدة الإنارة تلقي الضوء الأصفر على الأسفلت. السكوتر مزود بموتور كهربائي صغير، يعمل ببطارية صغيرة مثبتة في المؤخرة. أعلم بالخبرة أن البطارية تنفذ بسرعة، أيضا أعلم أني إذا زدت السرعة سيزداد معدل فقد طاقة البطارية. أحاول الموازنة بين فقد الطاقة وبين التأخر عن ميعادي. أنا على موعد مع أسماء. هناك في آخر الشارع يجب أن أستدير يمينا وأسير في شارع آخر، لأعود إلى نقطة قريبة من مكاني هذا. أفكر في أنه لابد من وجود طريق مختصر، خط مستقيم يصل بين النقطتين. على يميني عمارات كثيرة بلا شوارع بينية، لكن هناك ممرات ضيقة بين العمارات. حتما سأجد ممرا منهم يصلح لأن يكون طريق مختصر.بين عمارتين، أقف بالسكوتر على مدخل الممر. أنتظر قليلا، أنظر الى الممر وأحاول أن أرى نهايته، لكن الضوء الأصفر لا يصل إلى هناك، نهاية الممر مظلمة تماما وقد تكون مسدودة بحائط أو مبنى آخر. تطل علي سيدة طاعنة في السن من شرفة في الدور الأرضي، تبعد عني أمتار قليلة، تعرض علي خدماتها بابتسامة ودودة للغاية، أشكرها في البداية وأنا خجلان من تطفلي على المكان. أشرح لها ما أريده، الطريق المختصر. تدعوني هي للدخول، تقول أنه بالإمكان المرور عبر شقتها والنزول من البلكونة الخلفية، زوجها سيسعد بي كثيرا. أدخل حاملا السكوتر. الشقة مظلمة تماما، الظلام علامة على عدم الترحيب، لكنها تعتذر عن الظلام وتقول أن زوجها يحبه، يكره النور ويكره النهار، ينفعل ويكون غاضبا خلال النهار، حتى إذا ما نزلت الشمس هدأ وارتاح. زوجها يجلس بالقرب من الشرفة الخلفية، في الغرفة الخلفية. لما دخلت الغرفة شاهدت من خلال الشرفة محطة الأتوبيس حيث سأقابل أسماء، المغامرة كانت مثمرة تماما، انا قريب جدا من المكان. أجلس بجانب الزوج على الكنبة الأسيوطي ذات الغطاء المزركش. يرحب بي ويحدثني عن أشياء كثيرة، لكني أفكر في الشرفة ومحطة الأتوبيس وأسماء. أرد عليه ردودًا معدة سلفاً، ردوداً آلية، ثم أتقدم من الشرفة، ضوء أعمدة النور الأصفر يدخل إلى الشرفة وينير أرضيتها. أقترب من حافة الشرفة، الضوء نفسه ينير الرصيف والأسفلت بالأسفل. أجد الشرفة عالية عن الأرض بتسعة أمتار على الأقل. لا ألاحظ سلماً لأنزل منه، يستحيل النزول من الشرفة، إلا إذا قفزت منها إلى الأرض. أفكاري الصبيانية تلك لا معنى لها، الأمر لا يحتمل كل هذا، أترك السكوتر على حافة الشرفة وأعود لأجلس على الكنبة الأسيوطي.

4

أنا على قمة الهرم الأبيض. أعلم تماما أن لونه أبيض، لكن ضوء الأعمدة الأصفر يحيل لونه إلى أبيض باهت، أصفر خفيف يؤذي العين. قمة الهرم مسطحة، هرم ناقص. أحتلها أنا وابراهيم مدافعين عن الهرم الأملس السطح. حاملين بنادقنا، نطلق منها النار على المجموعة التي تحاول تسلق الهرم. لا أعرف كيف علموا بخيانتنا، كيف علموا بأننا سنسرق الهرم. يدورون حول الهرم ويطلقون علينا النار. نحن نقف على الأرض العليا وهم مكشوفون، لكنهم كثيرون ويطلقون النار علينا باحتراف. الرصاصات تمر من جانبي وتصطدم بالأرض قرب قدمي. رصاصة تصيب ابراهيم في رأسه ليسقط من فوره ميتا. أندم على اليوم الذي فكرت فيه في سرقة الهرم. أرمي سلاحي وأستسلم. على الأرض أجلس معهم، مازالوا بلباسهم الرسمي وستراتهم المضادة للرصاص وخوذات الرأس. بينما أنا مجرد من ملابسي وأجلس مقعيا لأخفى عضوي. نتكلم في أمور عادية. لا يسألني أي منهم عن سرقة الهرم. أتعرف على أحدهم على الرغم من الخوذه السوداء التي تغطي رأسه. يمسك سلاحه بطريقته الخاصة التي حدثني عنها يوما ما، ضوء الأعمدة الأصفر ينعكس على البلاستيك الداكن الواقي لعينيه، أحدق في انعكاسة الضوء الأصفر كثيرا. يطير اصبعي بفعل رصاصة. أدير رأسي إلى اليمين، أود أن أعلم من أطلق النار عليّ. لا أفهم لم يطلقون النار عليّ. أراهم جميعا وقد خفضوا أسلحتهم. الرصاصة لم تأت من ناحيتهم. أحدق مرة أخرى إلى الضوء الأصفر المنعكس على الخوذة أمامي. سلاحه منخفض أيضا كأسلحة رفاقه. رصاصة ثانية تفتت ركبتي تماما. الرصاص يأتي من اليسار إذن، ألتفت نحو اليسار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*قاص مصري

 

 

خاص الكتابة

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق