وحيد الطويلة يصنع أسطورة العصر

الحب بمن حضر
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

شوقى عبد الحميد يحيى

        عندما يقف الإنسان أمام لوحة سيريالية[i]، يتحير، من أين يبدأ ، وإلى ما ينتهى، ويتعدد المشاهدون، وكل يخرج من النقطة التى تتوافق ورؤاه هو. غير أن الفنان لابد أن شيئا معينا كان فى قرارة نفسه، ويريد التعبير عنها، برؤيته هو، لذا يسعى لأن تصل رسالته إلى مشاهده، لكن النقد فى النهاية، لا يبحث عما يمكن أن يكون الفنان، قد عنيه بلوحته، ولكن العناية الأكبر، هى ما عبر به الفنان عن ذلك، وما يمكن أن يوحيه ذلك للمشاهد. وهذا ما أتصور أن وحيد الطويلة قد صنعه فى لوحته (الواقعية جدا) تحت مسمى الرواية، التى منحها عنوان “الحب بمن حضر”[ii]، ليمنح كل قارئ ما يريد: الحب، الأسطورة، الفن الشعبى، الحلم، الواقع، الماضى، الحاضر. فقد أعد وليمة عامرة، وترك كلا ينتقى ما يحب منها.

فإذا ما نظرنا إلى الحب، والذى جعله الكاتب فى صدر روايته، كمدخل لها، سنجد أنه يستعيد صورة عنتر وعبلة من جديد، ذلك الذى أشعل الدنيا بكلماته وأشعاره، لتصبح على كل لسان، غير أن أهل عبلة أبوا أن يلتم الشمل، فجاء وحيد الطويلة ب”موعود” الذى حفر اسم محبوبته “بهجة” على كل حجر من الحجارة التى يصنعها، كما ملأ بيتها بهداياه المصنوعة أيضا من تلك القوالب التى إحترقت فى النار، واكتسبت صلابتها، حتى يصعب كسرها. فالعلاقة هنا صلبة ويصعب كسرها. ليقودنا ذلك إلى الرؤية الرمزية، والتى سنعود إليها بعد قليل. المهم أن الحب فى قلب “موعود” يزداد اشتعالا، يوما بعد يوم، بينما “بهجة” لا تشعر بذلك الحب، على الرغم من أنها تعلمه جيدا، غير أن قلبها لم يشتعل، ورغم علم والدها بذلك الحب. إلى أن تشتعل البلدة بالفتنة، والتى تبدأ بخطاب، ثم خطابات تأتى للرجال أن زوجاتهم تنام مع آخر. إذن فالمساألة وصلت إلى حجرات النوم، وهو ما لا تتحمله (أعصاب الرجال). ويصبح الطعن فى الشرف، ليستيقظ العرق العربى المتأصل فى الأعماق، والمنحدر من موروث الزمان. وتستشرى الفتنة. ويبدأ البحث عمن فعلها؟. وتقوم القيامة، إلا أن { القيامة هنا ليست من الغيب بل أصبحت من الحاضر. والحاضر لا أحد يعرف له رأسًا من ذيل، الكل تائه، ثور مغمى يدور حول ساقية محاطة بالنار من أربع جهات. حكاية الرسائل عويصة، ونهايتها مخيفة، وهناك من يريد أن يتجاهلها أو يدفن رأسه في قصة الحب}. قصة الحب التى يبدأ معها الشرخ بين الحبيبين، حيث تبدأ “بهجة” فى الشك فى أن “موعود” هو من يفعل ذلك، ولا يجيبها بالإيجابات الشافية التى تطرح اليقين، فبدأ الشك يأكل كبدها {لكنها لا تسأله الآن عن الحب، حضر في غير وقته، جاء في وقت الفتنة، والفتنة تأكل كل شئ حتى الأحلام الطيبة، ما يشغل قلبها وعقلها هو ما يشغل الناس الآن، ولديها سبب يكاد يشوي أعصابها، لم تصلها رسالة، هي وأبوها من دون العالمين}. وتزاد المشكلة، حين تغيب الرسائل فترة، لتعود للزوجات، وليصبح التخبط أكبر، وتموج حركة من الشك فى كل الأشخاص، وليعبر عنه الكاتب بصورة جلية {كان هناك فأر يلعب في عين الزوجة وقطة تلعب في العين الأخرى}. ويزداد البحث عمن كُسر قلبه ليكسر قلوب الناس جميعا؟. كما يزداد الشك ويعتصر قلب “بهجة”، شكت فى “موعود”، فامتنع عن الإجابة عن أسئلتها التى تحمل الإتهام. حيث تشير تلك الاتهامات إلى “موعود”، فهو مكسور القلب موجوع من عدم تجاوب “بهجة” مع ما يشعر به من حب وهى التى كانت{ حبيبة الروح، بهجة ليست جسدًا لموعود، ليست حبيبة ولا امرأة فقط، هي طاقة النور لروحه وأيامه، دمه الذي يمنحه الحياة، وبأقل كلام: فصيلة دمه، مستقبله الذي يمشي على ساقين جميلتين، حياة تأخذه ليرى ما لا يُرى وليسمع ما لا يسمعون}. وإن تعدد الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا محلا للشك، بصورة يكشف بها الطويلة قاع المجتمع خاصة أن {لائحة الاتهام طويلة، والمشتبه بهم على الجرار، لكن لا بد من وجود سببين أساسيين: من الذي عرف هذه الأسرار كلها، وكيف؟ ما هي أسبابه للانتقام، لا بد من وجود مبرر قوي لهذا العقاب البشع، والسؤال الأهم من الذي تعرض لإهانة أذلته، تسربت تحت مسام جلده، سكنته وسيعيش بها لآخر العمر؟}.

ومن أؤلئك الذين يطالهم الاتهام، ذلك الذى يتاجر بالنساء، ويتنقل من واحدة لأخرى، بعد أن يمسك بما يمكن أن يهددها بها. خاصة أن ثلاثة أرباع النساء واقعات فى الحب. وشيخ الجامع الذى يرتقى المنبر، ويحدث البسطاء عن العفة، بينما هو متزوج من أخرى بعقد عرفى، وتتهمه زوجته بأنه تزوج دون أن يخبرها. و {واحد كان يصلي بالناس إمامًا وقت غياب شيخ الجامع، ضبطوا واحدًا في فراش امرأته، جرسوه وفضحوه هو مع أنه مجني عليه، ترك البلد كلها لأنه لم يتحمل نظرات الناس وغمزهم، وبدل أن يقفوا معه في محنته، هزأوه وسخروا منه}. وشاب ذهب لخطبة فتاة، فرفضه أهلها بغلظة، ليصبح أحد المتهمين بإشعال  الفتنة. أو موجوع مغلول طفح الغل منه فأحرق البلدة.أو مشعوذ فى زمن أصبح كل من فيه مشعوذ { لكن طالما هناك حب و غرام وأجساد تمشي على قانون وأجساد تخرج عليه، فوجوده ضرورة، يبدو أن وجوده مثل الحب والدين، لو لم يكن موجودًا لاخترعه الناس}. وفضلا عن ذلك كله.. هناك من يحب أو يهوى اللعب، وأعجبته اللعبة فراح يمارسها. وصاحب المخزن الذى اغوى ب”عزة” ثم صارت له قوادة. ولـتأتى {واحدة جاءته كالموت، حامية كالقدر، تسللت لأوردته ونسفت له كل مغامراته، شطبتها، محتها، أبادتها وملكت عليه قلبه، بل ملكته كله، ولا تريده} والمهم أنه أحبها، غير أنها لم تحبه، لكن “عزة” اصبحت محل شبهة فى أن تكون هى من أشعل الحريق. حيث أن الحب هنا –أيضا – هو سر التحول، أو الكراهية التى تدفع لإحداث الحرائق. خاصة ذلك الحب الذى يأتى من طرف واحد. مثلما “عزة” وصاحب المخزن،  لتكون (هى) مشعلة الفتنة، وكما فى حالة “بهجة” و”موعود” ليصبح هو مشعل الفتنة، مثلما تتأكد “”بهجة” فى النهاية.حين يعلن الراوى {وأنا الذي أحببت موعود في الحكاية، كيف يتحول الحب إلى طاقة شر، كان ذلك مختبئًا في كلامه، وأعرف أنه كان احتمالًا فقط، كانت هناك طاقة مفتوحة للخير، وقلت من الممكن أن يأكل نور الحب سواد الشر، يحرقه والحرق هنا حرق نبيل، مبرر وفيه فروسية وفيه باب نور للحياة}. ولتصبح (حكاية) “موعود” و “بهجة” اسطورة العصر، التى ترسل الحكمة، والتحذير، لمن يعى.

الأسماء

        لم نقل (الحكمة والتحذير) عفوا، وإنما يقودنا إليها اختيار الأسماء، الذى لم يكن –أيضا- عفوا، حيث استطاع الكاتب أن يجعل منها شخوصا فاعلة، ومؤثرة، وتساهم فى البناء المُحكم للرواية، فلا نستطيع أن نقول أن “موعود” و”بهجة” هما الشخصيتان الريئستان فى العمل، رغم أن الظاهر يقول ذلك، وإنما كانت كل شخصية حجرا ينضاف للبناء حتى يكتمل. وهو ما يستدعى التأمل فى رؤية، تبتعد –قليلا- عن تلك الرؤية الشخصية { انسحب الدم من وجهه فجأة ولم نفهم لماذا! هو الخاسر في معركة الكرامة، لكن بما أن المصائب تجمع أكثر مما تفرق، فقد اتفقا بالملامح أولًا ثم باللسان على ضرورة ازاحة الموضوع الشخصي وحتمية الاهتمام بالهم القومي الذي سينسف المكان كله، وقد يتسبب في بحار دم بسبب لسعة الاتهامات}. حيث يدور الحديث عن “موعود”، وما يتبين من تأمل تلك الشخوص.

فإذا أخذنا شخصية “موعود” فلنا أن نستعير إسلوب الكاتب، ونقول أن مجرد ذكر الإسم يستدعى على الفور أغنية عبد الحليم حافظ الشهيرة (موعود معايا بالعذاب .. موعود يا قلبى). فهو الذى عانى من التجاهل ، وأصبح قلبه معذبا. رغم كل ما قدمه للمحبوبة. وهو الذى جاء من بعيد، لا بُعد المكان، وإنما بعد الزمان، حيث أتى مع والده، ليستلم القمينة، التى تحرق الطوب ليصنع منها البيت (المتين)، وأتى على من كان يعمل بها، وهو الكبير فى العمر، ولم يلبث أن رحل، بعد أن سلم الراية. وكأننا امام تتابع الزمن، ومروره، ليتأكد أن من يعمل بجد، ويثبت الحب، والإخلاص، مصيره –دائما- هو التجاهل، والصد، وهو ما نستطيع أن نضرب عليه عشرات الأمثلة. رغم أن والد بهجة، والذى يمكن أن نرى فيه الحكمة، والخبرة، تركها له تسافر معه، ولم يقلق من تلك العلاقة. فضلا عن أنه عندما اشتعلت النار، فكر أولا أن يذهب إليه، لكن الوقت قد فات. ليقول الراوى، ما يحمل خبرة السنين، وحكمتها{ أنا لا أقول لكم ألغازًا، لا أفشر عليكم، ولا أسحبكم في الكلام، ومقام سيدي سالم ابو جبارة نفسه، العجوز يعرف والناس كلها تعرف أن البلدة تموت كل مائة عام، تفنى حتى من الطير عدا البوم والغربان، تحترق كما يحترق الطوب في جوف القمينة}.

و  “مسعد” ابن الغجر، أو ابن الحدوتة” الذى سُرق منهم، وعلى إثرها كان تركهم البلدة.، والذى جاءت له أمه فى المنام لتخبره: اسمك مظلوم، مظلوم الغجري، وهو سائق السيارة الوحيدة فى المنطقة، والذى يصعد للمنبر، وهو الذى لم يره أحد دخل المسجد قبل ذلك، وهو الحشاش، والذى أخذ يهذى على المنبر. حيث (ركن) إمام المسجد بسطوته، وأصبح هو خطيب الجمعة، ليقول كلاما موزونا وسط هلوساته وتحذيرا لم يُدركه المصلين: { أيها الناس، أيها الناس: الدنيا راكب ومركوب….إذا كان على الخوف فكلكم خائفون، وإذا كان على الموت فليس على بال واحد منكم وإلا ما فعلتم ما فعلتموه. وإذا كان على اللي بالي بالك، فكله شغال، كلنا عرايا، والملايكه شايفه بلاوينا  وقلت لكم كل واحد متشاف، هو في حضن مراته، ولا حضن تاني} يا أيها الأموات. لتكون أول نداء يسعى لإيقاظ النيام، بينما تصوره الآخرون، يخاطب الأموات بالجبانة الملاصقة للمسجد. وهم لا يرون أن باطنه –والذى يعلمه الكاتب- يعنى ما يقول. إلا أن “مسعد” لم يكن بذلك السوء الذى ظنه الناس، فهو خيرٌ جدا، ولا يتقاضى أجرا ممن لا يستطيع دفع الأجرة. فهو مظلوم يبحث عن العدل. بل إنه يرى فى قرارة نفسه، أنه الأحق بالمنبر، وأن يخطب فى الناس لإيقاظهم، بدلا من ذلك الذى يستنيم الناس، بكلمات محفوظة ومكررة، بينما هو فى الخفاء، يفعل ما يناقض ما يقول. فمسعد هو المسطول (الفايق). وشيخ المسجد هو (الفايق) الممثل. كما يمكن أن ننظر ل”مسعد” الذى اعتلى المنبر، رغم ما به، على أنه إعتلاء الشخص غير المناسب، وغير الصالح لما أختير له.

   وكأنى بالكاتب حين اختار ل”مسعد” هذا الاسم، كان يصنع المفارقة، بين الاسم، وبين الحياة التى يعيشها، ولينتزع البسمة على الشفاه، وسط تلك المآساة التى صنعها فى”الحب بمن حضر”.

وإذا ما ذُكر “مسعد” لا بد أن نذكر معه “حربية” والتى يكشف اسمها ما يخبئه الكاتب وراء السطور، ولنستبين، لماذا هو (فايق)، ولماذا هو مظلوم. حيث يبكى “مسعد” على المنبر طويلا، فيجد شيخ الجامع فرصته بأن يُنزله من على المنبر { كان لا بد من شئ يقطع هذا، فكر شيخ الجامع أن فرصته جاءت له ليمنع هذا العرض من ناحية وليستولي على المنبر من ناحية أخرى، كما يستطيع أن يواجه بقوة المنبر “حربية” التي تقف له كالقضاء المستعجل على الباب}.

ف”حربية” ( والتى لها من اسمها –الرمزى- النصيب الكبير) هى {ابنة الصول كمون، الذى يعمل في البوليس في منطقة بعيدة، ورغم أن الناس لم يرونه إلا لمامًا، إلا أنهم كانوا يخشونه، لم يدفع مرة واحدة أجرة لمسعد، ورغم ذلك لم ينتقل بغضه له لابنته التي ورثت عنه خوف الناس منه}. وكان أكثر الخائفين من “كمون” شيخ السمجد الذى استحضره عندما رأى حربية {لن يبحث شيخ الجامع عن مسعد على الأرجح، لن يستطيع، حربية على الباب، ستحرسه وتمنع عنه، لن يفتك به أحد، إذ أن الصوت القادم من مراقد الموتى كان على وتيرته بقوة:

” أيها (الميتين)، اصحوا، القيامة قامت”  .. اصحوا، القيامة قامت يا جماعة}.

وإذا ما ذُكر “مسعد”، فلابد أن يُذكر صديقه الأقرب “علعول” ذلك الذى معه كرتونة فازلين، {هو ولا فخر قائد فرقة الزمارين والطبالين في البلد، بل زعيمهم، عمامته كبيرة، شاله لامع وسره قاطع، نفخ  في كل الأفراح وقلبه صامد، يعرف الناس بالواحد من كثرة التطواف….. يسكن هو وفرقة الطبالين هنالك في الأطراف، على مقربة من الشطر الغامض من الأسفلت، كأنهم يعيشون وحدهم، لا ينتمون للفلاحين ولا للجزارين}. فيصبح بكل هذه الأوصاف رمزا لتغير الوجوه،وأما كرتونة الفازلين، إذا ما استحضرنا ما يفعله الفازلين، لأدركنا وظيفة “علعول” الموجع في الأمر أن كل عازف يتقدم بنفسه ليرمي آلته كأنه يرمي ذنوبه، كأنها نوع من الشهادة على نفسه، يرميها بيده الشمال كأنها شئ نجس أو آلة حمل الذنوب لا آلة البهجة.

{أجمل ما في الموضوع أن الطبالين والزمارين يعودون في اليوم التالي لشراء آلات جديدة، ويعود “علعول” في الجمعة التي تليها لعزفه، كأن شيئًا لم يكن}. فقد تعود “علول” ومن معه، لحرق كل آلاتهم، بايديهم كل عام، ويشترون غيرها، لنرى فيه إولئك المتحولون، والآكلون على كل الموائد، والذين يغيرون وجوههم مع كل تغيير، ويمررون كل مالا يمر.

والواقع أن كل هذه الأسماء، المُخنارة بعناية ساخرة، وموحية، تدعو القارئ أن يخرج من الرؤية الشخصية المحدودة، إلى الرؤية الجمعية الأوسع، وما يقدمه وحيد الطويلة فى العديد من رواياته السابقة مثل “باب الليل” و”جنازة جديدة لعماد حمدى” و “كاتيشوا”، حيث خرج برؤيتها من الخاص إلى العام. فهو هنا-أيضا-  قدم العديد من الإشارات التى تؤكد ذلك.

 ففى خط الرجل الذى جاءه خطاب بأن إمرأته تخونه فى غيابه، وعندما يفصح لزوجته عن محتوى الخطاب، يهرب من ذكر الحقيقة، إلى ذكر القضية الأكبر، بل هى من أكبر الكبائر، حيث يخبرها بأن أحدا وشى به بأنه يشتم الحكومة { ابتزاز تحت الوسط بقليل، أوإنها إشاعة من إشاعات حساده بأنه يقف دائمًا ضد الحكومة}. فمثل هذه التهم، ما يستدعى الاستدعاء والتحقيق، كما أنها تسعى بنا إلى الرؤية الجمعية. كما أكد الكاتب ربط بين (الذكورة) والسلطة، حيث المرأة تفرض سلطتها على الرجل العاجز عن إشباعها، أى الفاقد للقدرة، أو الفحولة. فإذا ما تأملنا الحالة التى تمثلها الحاجة “صباح” تلك التى تزوجت الرجل الكبير، الجزار، بما توحيه، وتستدعيه تلك المهنة فى أعين وسمع العامة، عندما كان فى شبابه، فأغرم وهام بها، وعندما عجز الرجل عن الفعل، اصبحت تلعب له فى أصابع قدميه، حتى يرتوى، وخوفا من أن تهجره، كتب لها كل ما يملك، بما فيه محل الجزارة، وزَوجَها ابنه، العاجز جنسيا منذ البداية، فاصبحت هى بعد وفاته، المعلمة، وضرتها أخذت مكانها السابق فى بيع الكرشة والعفشة على باب المحل، وزوجها – الإبن- يجلس على باب المحل –كحارس- ينش الذباب عن وجهه.{ ثم أنها سواء تدري أو لا تدري أحبت شهوة السلطة، وتحتاج عبادًا يشعرون بها على قفاهم وأمام ناظريها}. خاصة وأن زوجها قد علمها الشعوذة، فاصبحت تملك بذلك كل أسرار البلدة. {لا تحتاج صباح أن ترسل الرسائل أو تفكر فيها، رغم أنها تعرف كل الخبايا، ربما هي تقريبًا أكثر من يعرف، السلطة التي تمتعت بها على الرجل الكبير جعلتها تشعر أنها أقوى من الآخرين}.

كما أن اختيار الكاتب، لتلك  القضية، الشخصية جدا، والتى تعكس أهميتها فى عين الرجل، مثلما خضع الرجل الكبير، وتنازل عن كل ممتلكاته، للتى يمكن أن تفضحه، أو التى كسرت عينه، أى ان فقدان تلك الوسيلة، هى فقدان للرجولة، على المستوى الشخصى، فقدان للسلطة على المستوى الجمعى. وهو ما نستطيع تبينه، خاصة فى البلاد الديكتاتورية، والتى يلجأ فيها الحاكم لاستعمال القوة، بوسائلها المتعددة، لفرض سيطرته على شعبه.

فضلا عن تلك الأوصاف العديدة التى قدمها الكاتب لعملية الفتنة، وما استتبعها، حيث يقول {رغم أن الرسالة وجعتها، لكنها لعبة برائحة المحنة، لذا ربما فكرت على نحو سياسي أو قل بطريقة ماكرة على الآخر مثلما تفكر الدول العظمى، أن تسرب خبر الرسالة الأولى، كي ينشغل الناس بها وتغطي على بيتها وزوجها}. فاستعمال أساليب السياسة، وأفعال الدول لم يأت جزافا، خاصة وأن الرواية لم تأت بطولها على شئ يمكن حذفه، دون أن تتأثر الرسالة المرجوة.

ويستمر الكاتب، ربما للتأكيد على الرؤية الخلفية، فيذكر، بعد أن اتسعت رقعة الفتنة، واخترقت كل البيبان {كلما طرق الباب واحد سرت حالة فزع كأن الطارق عزرائيل، ترقب مفجع، كلما دخل واحد أوقفوا اللعب وتطلعوا إليه بوجل ثم عادوا بسرعة، كأنهم يدفنون ميتًا ثم يعجلون بالانصراف، اللاعب الأخير القادم من دكة الاحتياطي كان يحمل الخبر بالتحديد تحت إبطه، سرعان ما سربه لواحد آخر بجانبه، وهكذا حتى عرفت القاعة كلها وغرقت……. انكتموا مرة واحدة ثم انقطع النور فجأة.}. وانقطاع النور فجأة هنا، يستدعى ذلك الهجوم الذى يتم لمداهمة موقع ما، أو شخص ما. كما يستدعى رواية الإنجليزى “جورج أوريل” (1984)، والتى زرع الأخ الكبير فيها الكاميرات التى ترصد حياة البشر، ويعُد عليهم أنفاسهم فى دولته.

وأيضا عندما يتحدث عى الرسائل{ رسائل هبطت من سماء غير معلومة يا جماعة، سماء ليست زرقاء، خيمة غضبانة، بعضها مرمي في البلكونات، أو مثبت بأكرة باب………. ، فلا سر لأحد في المكان خافٍ على أحد، قانون غير مكتوب لكنه ساري المفعول دائمًا، الكل يعرف ماذا طبخت كل دار، وهل كان عندهم لحمة أم لا، ومن اشترى ومن باع} فالسماء غير الزرقاء، ليست سماء الله، لكنها سماء أخرى، سماء لا يستطيعون الهروب منها{ كرب عميم، والفاعل مجهول لكنه مؤثر مهما حاولوا أن يديروا ظهورهم أو يخفوا وجوههم، مهما حاولوا كذبًا أن يتجاهلوه، وهم في الحقيقة لا يستطيعون}.

وبعد كل هذه الاسماء، وما يحيط بها، وهى المحيطة ب”بهجة” التى يحيطها كل هذا الفساد، وهى لاتعطى من يحبها الحب الحقيقى، ما يستحقه، ولا تضعه على عرش قلبها .. ألا يدعونا ذلك لأن ننظر ل”بهجة” بوجودها الرمزى؟. ألا نرى فيها الواقع الفعلى؟ ألا نرى فيها..مصر؟! 

اللغة والموروث الشعبى

تعمد الكاتب أن يبنى بنيانه على خطين متوازيين: خط يسير عليه  “موعود”  و”بهجة”، والحب المشتعل فى صمته. واعتمد هذا الخط على الحضور المباشر للشخوص، الأمر الذى معه يمكن النظر إليه على أنه الخط الواقعى. وإن كان قد بدأ الرواية بأغنية أفريقية، تكاد تنطبق على الحالة، وكأنها تمنح القارئ الرؤية الكلية للحالة بينهما. وكأنه يعطى الدرس ل”بهجة” ولماذا فقدت “موعود”. فتقول الافتتاحية: {أن تبقى مسافة بينك وبين حبيبكَ، حتى وإن غاب عن عينيكَ لا يغيب عن قلبكَ. أن تهجر وتهاجر دون أن تطّبِق جفنيكَ. الحنان ليس كالحب}.وقد عرفنا أنه رغم الحب الكبير الذى حمله “موعود” ل”بهجة”، إلا أنها لم تبادله نفس الحب، وإن تطرقت بعض الأقوال إلى أنه ربما يكون (العطف).

كما إعتمد الكاتب فى هذا الخط، الذى عنونه ب”موعود وبهجة”، ليتناوب مع الخط الثانى الذى عنونه “راو على الناى”، الإسلوب الواقعى، وكأننا أمام (حكاية ) واقعية. فنرى مثلا { العجوز يحاول أن يبطئ الأيام،  يعرف أنه سيموت}{لم يعد ينظر للخلف أو الأمام}{ يفاجئها كل مرة بلعبة جديدة}. وهكذا، تلك الجمل التى تحمل حالة المضارع (يعرف، يحاول، يفاجئها).

بينما إعتمد الخط الثانى، والذى يستحضر الماضى أو التاريخ، ولذلك جاء على لسان الراوى، ونايه، بما يحمله الناى من إشعاعات دلاليلة حزينة. فنرى –على سبيل المثال، أنه يبدأ { كان يا ما كان .. مات العجوز، مات من زمان لكن الحكاية تعيش}. كما تحمل صفة الحكمة، أو الوعظ. فنرى مثلا { للأسطورة وجهان، أو وجه وقفا، تموت البلدة كل مائة عام إن غاب الأغراب، و وجه مبهج نسيته الآن، قد أتذكره فيما بعد….الناس هنا يا سادة تعيش لحظة بلحظة، غارقة في الملذات، والحب شحيح، لا يولد إلا مع الأغراب}. وكأننا نجلس فى جرن القرية نستمع  إلى (الشاعر أبو ربابة) ونحن مستغرقون.

كما استخدم في هذا الخط عملية التقطيع التى ، تنمح التدافع والتوتر، والتلاحق، فتثير شهوة القارئ للأستزادة، ويقع فى حبائل التشويق. وتأتى النهاية حين يصحو الوالد من الحلم/ الكابوس {بحلاوة الحياة والنجاة نط رغم الوهن، فرد حجر جلبابه كأنه نفض كل كوابيس الكون،  لكن هناك بهجة، ينطر جسمه، يحاول أن يجري بسرعة في اتجاه ابنته، يراها نائمة في أحلامها، يطمئن لكن لا يبتسم}.

وقد سار الخطان متوازيان عندما كانت “بهجة” تعيش بانطلاقها مع “موعود”، إلى أن يلتحم الخطان عندما تشتبك “بهجة” مع الأحداث الجارية، وتبدأ الشك، عندما ترى كل الناس قد وصلتهم خطابات، إلا هى ووالدها. حيث بجدأ الانفصال عن “موعود، والاشتباك مع ناس البلدة. وينعزل “موعود عن ناس البلدة، وعن “بهجة”.

ومن الاشياء الملحوظة بشدة، إنشاء الكاتب لصيغة الحكاية الشعبية، وهو الذى عُرف فى الأوساط الأدبية، بأنه زعيم رواد المقهى، حتى أنه يكتب بعض نصوصه فيها، تلك الصيغة التى تؤصل للعمل، وتعود به-ظاهريا- إلى فترات سابقة. وهو ما يتوافق مع تعريف فاروق خورشيد عن السيرة الشعبية {تتميز السيرة الشعبية العربية بأنه فن مستقل له قواعده وأصوله وله بناؤه الفنى الخاص به، وله أهدافه الفنية والاجتماعية والسياسية التى استقل بها وتميز}ص44.

وما يهمنا فى هذا التعريف ، تلك الأهداف التى تكمن وراء الحكاية الشعبية(وله أهدافه الفنية والاجتماعية والسياسية}، اى الخروج عن الحكاية الشخصية، التى جعلها الكاتب رداء لجسد الأمة، ليجبرنا على السير فيما وراء الحكاية الفردية.

وكما تتوافر السخرية فى الكثير من مواقف الرواية، بما للسخرية من نصيب فى تصرفات الشعوب، والتى بها يسخر حتى من همومه، وما يقول عنها دمحمد أمين عبد الصمد فى بداية الفصل المعنون”إضاءات على السخرية السياسية والثورة فى مصر” {من لا يستطيع السخرية لا يستطيع الثورة}[iii]. وكأن الكاتب يدعونا إلى الثورة على الصمت، أو الثورة على الموت. فنقرأ:

{ هي ولا فخر زوجة عرفية لشيخ الجامع، ولا يعرف أحد إن كان هناك شهود على العقد أم لا، البعض يقول إنها عشيقة شرعية، والأمر لا يعني شيئًا عند هؤلاء الناس، فالكل راكب ومركوب كما قال مسعد}. و{لا لا يا سادة يا كرام، هنالك واحد فقط هو الذي يجرؤ أن يفعلها، هذه الفعلة الحقيرة تحتاج لواحد معجون حقارة، مخبوز بالنذالة، عصير زبالة، واحد صاحب وجيعة نادرة لن ينساها إلا بدخول القبر، وربما في القبر لن ينساها}.

وإذا كانت الرواية، تقوم على وصف الحالة، متخلصة من عبئ الزمان والمكان، ومتوافقة مع لغة الشاعر والربابة، حيث قصص الأزمان الماضية، وحكمة الماضى. فقد حرص على أن يمسك بقارئه، منذ اللحظة الأولى، ليسعى وراء إكتشاف من وراء الفتنة، وكأننا أمام رواية بوليسية، غير أن اللغة لعبت دورها فى جذب القارئ، وفى عملية تجسيد الحالة. ففى لحظة توتر بين “بهجة” و”موعود” بعد دخول الشك فى قلبها بأنه من فعل الفتنة، وذهابها إليه، دون تلهف، أو بقلب مشوش. يصف الكاتب جلستهما، بينما يتصارع داخلها، فتأتى اللغة سريعة، متقطعة، وتعبر عن الانفصال الحادث بينهما {تطرد الكلام عن خاطرها، يشربان الشاي، لا يتحدثان، كلاهما غارق في أسئلة مختلفة، كلاهما يبحث عن إجابة أخرى، خطوطهما غير متقاطعة كالعادة، خطان متوازيان، ربما هاربان، هو يفكر في الحب، وهي تفكر في الرسائل، مع أنها لا تعرف السكينة والفرح إلا معه}.

كما أنه من أساليب التشويق التى نجح بها الطويلة، مخالفة أفق التوقع عند القارئ. فبينما ترسخ فى ذهن القارئ، عند بداية الشك من جهة “بهجة” فى “موعود”، ونظرا للحب الكبير الذى أحبه “موعود” لها، استبعده القارئ من قائمة المتهمين، بالتأكيد ليس هو، فمن يحب لا يكره، ذلك ما استقر فى باطن الإنسان المصرى، لكنه عندما اكتشف فى النهاية أنه هو الذى فعلها، يقول ، تلك المقولة الراسخة فى الأذهان “ومن الحب ما قتل”. ليكشف القارئ عن جوهر العنصر المصرى الذى يجد لكل مناسبة ما يخصها، حتى لو كانت متناقضة. إلا أن ما فعله “موعود” هنا ليس قتلا، ولكنه انتقام من الحياة التى أمُل أن يعيشها، ولم يستطع. لتنطبق الحالة على “موعود” الإنسان، و”موعود” الرمز، فى ذات الآن. حيث يستدعى (على المستوى الجمعى) الانتماء، الذى هو المرادف للحب.

        فى أحد حوارات وحيد الطويلة، قال { كتبت ألعاب الهوى عن منطقة بكر لا يعرفها أحد، حين بدأتْ الرواية تَشِيع قال واحد: “هيكتب إيه ده، هو كان اتلطم فين!”.

 كنت وقتها وسيمًا مفرطًا في الأناقة أعمل في الجامعة العربية، آخري -كما قالوا عني- وجيه يريد أن يصير كاتبًا، وحين قابلني بالصدفة بعد شهر وسألني عن الرواية كتبت له في الإهداء “عشان تعرف التلطيم اللي بحق وحقيق”}.وتشير هذه الإجابة تُشير إلى أحد عناصر كتابة الرواية، وتحدد الفرق –مثلا- بين خيرى عبد الجواد وجمال الغيطانى، اللذين ارتبط اسميهما فترة من الزمن. حيث تعنى الترجمة النظرية لما فعله عمليا فى “الحب بمن حضر” حيث نجد مثل تلك العامية، التى إن جاز أن نقول عنها (الشوارعية) الموحية والمستمدة من لغة الشارع، والتى تضع القارئ فى صميم الحدث ، مثل أن يقول  الناس عن “مسعد” { بدا تمامًا أنه سيدخل في الغويط، إن كان للمكان خريطة جينية فمسعد هو أكثر من يعرفها }حين يخاف الناس من حديثه.

وحين تحدثت “بهجة” نفسها عن اتهامها لموعود، وتقنع نفسها بذلك { لبستك التهمة يا حلو}،

و{ خبر أسود يا موعود}, { ولو أسرعت لربما لحقت باللهو الخفي أو حتى بذيله} و { لكن الرجال عبط بطبيعتهم، اعتذر منكم، أنا أنقل لكم ما حدث، وريالتهم  تسيل بسرعة} و { راحت في قلب المأساة تبحث عن المرأة التي عكَّت مع زوجها} { و يا داهية دقي} { ومنه لله الراوي العليم صاحبي}                     

والعامية تقود إلى معتقدات الشعوب

استخدم الكاتب أكث من مرة الجن والبوم{ لأن أيًا منهم لن يصدق أن ما عرفه غير حقيقي، أو من اختراع الجن أو البوم}. فلم يكن ذلك عفوا، أو مسايرة. فغذا ما بحثنا عن استخدامات (الجن والبوم)، سنجد أن (الجن) لعبت فى مخيلة العامة، وتصور –الصغار خاصة- أن الجن يفعل ما لا يستيطع الإنسان أن يفعله. حتى باتت صورة الجن فى المخيلة الشعبية، أنها تستطيع أن تفعل ملا يستطيع الإنسان أن يفعله، كما نسمع كثيرا(ولا الجن يقدر عليه). خاصة أن الجن غير مرئي، فإذا كان الفاعل فى حالتنا، وهو من أحدث الفتنة، ويرسل الرسائل، غير معلوم، فاستخدام الجن هنا هو نفاذ إلى قناعات، وفكر قاع المجتمع، ليتوافق أيضا مع الصيغة التى استخدمها الكاتب واستمدها من العامة.

كما أن البوم، رغم رؤية الكثير من طبقات الشعب ترى فيه الشؤم، أو تَوقْع ما لا يُستحب، فإنه يرجع إلا العصر الفرعونى، حيث كان المصرى القديم، يرى أن الروح بعد الموت، تعود للحياة على شكل طائر البوم، فاستخدام البوم هنا أيضا، يتوافق مع صيغة الفن الشعبى المستخدم فى الرواية، وينسجم مع أحداثها، وهو ما يؤكد أن وحيد الطويلة، حرص على ألا يضع الكلمة المفردة إلا إذا كانت تساهم فى إنشاء المعنى، والرؤية الكلية للعمل، مبنى ومعنى. خاصة وأن فاروق خورشيد، صاحب الدراسات الشعبية يقول {ومن هذه التصورات التفسيرية والتعليلية التى حاول بها الإنسان أن يفك مغاليق هذا العالم المجهول تكونت الأساطير}[iv]ص46.  وهو ما سمح لنا أن نقول أن وحيد الطويلة يصنع أسطورة العصر، حيث بناها على الخيال ليحلق بها فى أفاق الموروث، وهو يُضمر فى باطن السطور، الواقع الحاضر، والمضارع من الأفعال. وليكون الربط، هو إلتزام “موعود” بجلباب الرجل الكبير الذى أورثه القمينة المشتعلة، والمتوارثة عمن قبله، وكأنها تعود إلى ذلك الزمان البعيد. ولتكون (القمينة) إلى جانب البعد الرمزى لها، فى عملية التطهر، فهى أيضا رمز تحويل الهش إلى الأصيل، أو النيء إلى الصلد، وكأن موعود، وعد ببناء البيت الذى لا يستطيع أحد كسره، مثلما حاولت هى  وغيرها كسره، ولم يستطيع أحد.

الخاتمة

         حين يزداد شعور “بهجة، بالاضطراب والخوف والقلق، يصف الكاتب الوضع { لكن شئيًا ما لا تعرف كنهه بالضبط يعكر خاطرها، الدنيا مقلوبة، والنار تقترب من كل شئ، نار القلوب ونار الفتنة. أدركت من حوار أبيها مع أصحابه أن الفوضى تسيطر على حياة الناس وإن أخفوها، وأن المكان برمته في محنة حقيقية، الخطر بين الأصابع، وتشعر أنها كبرت فجأة أو تغيرت}. بينما يصرخ الوالد، النار اشتعلت، وطالت كل شى، والبشر يحترقون، فكر أن يلجأ ل”موعود” لكنه تراجع، النار طالت ابنته، تسرع الإبنة لأبيها، تجد النار قد اشتعلت فيه، ولا يدرى أيهما يحاول أن يُنقد الآخر…… ويحمد الله…. بعد أن استيقظ، ونحمد الله معه أنه كان حلما، وإن كانت بعض الأحلام تنبئ بما هو قادم. يصمت الناى، الذى طالما صدح صوته قبل كل رسالة، ويكون “موعود” قد أخذ جلباب جده، ورحل.

 ويلجأ الكاتب إلى اصل الحكايات، ومنبع الخرافات الحقيقية، والعبر، إذا كان هناك من يعتبر{ألف ليلة وليلة كان فيها ألف حل وحلّ، لكن هذه محتاجة حل واحد وحيد، عمومًا هانت، انتظروا، الحكاية على وشك أن تنتهي، موعود الجديد حط المداميك في ليلة واحدة، مداميك خفيفة لكن غارزة في الأرض، وبنى البيت الصغير، طوبة عليها اسمه، وطوبة بإسم بهجة، وعندما انتهى وضع قالب طوب طويل عريضًا باسميهما في أعلى نقطة فوق الباب، ثم حمل أشياءه وجلباب العجوز ورحل}.وكأن القارئ يرى فى الحب يسرى بين “موعود” و”بهجة” يقوم بناء البيت. ولنسأل نحن مع الكاتب.. متى يمكن أن تصبح “بهجة” اسم على مسمى، ومتى يمكن أن تحب “موعود” كما أحبها؟!.

……………………………………..

[i]  – عرف النقاد اللوحة السريالية بأنها تلقائية فنية ونفسية، تعتمد على التعبير بالألوان عن الأفكار اللاشعورية والإيمان بالقدرة الهائلة للأحلام.

[ii]  – وحيد الطويلة – الحب بمن حضر- بتانة للنشر- 2024.

[iii] – د محمد أمين عبد الصمد – التنوع الثقافى فى مصر – الهيئة المصرية العامة للكتاب – 2015 .

[iv]  – فاروق خورشيد – السيرة الشعبية –الشركة المصرية العالمية للنشر- لونجمان ط1   1994.

مقالات من نفس القسم