والعاملين عليها

مروان عثمان
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

مروان عثمان

حاول ابنه إقناعه بالبدء في توزيع كراتين الخير الخاصة بشهر رمضان على المحتاجين.

ابنته ترى أفضلية توزيع المال على المحتاجين، بررت ذلك بأنهم يجدون أحيانًا في الكراتين بعض ما لا يسعدون به، لكنهم يضطرون لطبخه على مضض، لأن ذلك سيكون أفضل من مائدة فارغة عندما تحين ساعة الإفطار.

زوجته لم تُبدِ رأيًا في هذه الإشكالية، فقد كانت على علم تام بتجربتهم لكل سبل الخير تلك من قبل، لكنه عندما سألها قالت إنها سمعت شيخًا أزهريًا يقول في التلفزيون، “إن أفضل الخير أنفعه للناس”، فهز رأسه مُدعيًا فهمه للنصيحة البديهية.

بعدها بأيام، خلال عطلته الأسبوعية، اطّلع على قائمة المحتاجين الذين اعتاد إخراج الزكاة والصدقات عليهم كل عام في هذا الوقت. وبدأ يفكر في حل يساعد به كل هؤلاء بجودة لا تقل عن السنوات السابقة، وفي الوقت نفسه يُراعي عدم زيادة المبلغ المالي عن المعتاد رغم ارتفاع الأسعار عن السنوات السابقة.

لاحت له فكرة بدت مثالية، سيُعطي المال المخصص للمحتاجين لرجل آخر يقوم بتوزيعه توزيعًا عادلًا، ولدى تفكيره فيمن يوكل إليه تلك المهمة، استقر رأيه بعد يومين على خيري عبد الجواد، الرجل الذي يجاوره دائمًا  في الصلاة في المسجد القريب من مسكنه.

لا يعرف عنه سوى ما يعرفه الجميع؛ إنه موظف حكومي يكبره في السن ببضع سنوات، يعمل في مخزن من مخازن وزارة التموين، وذلك ما أعطاه الأفضلية، لديه خبرة طويلة في شراء المواد الخام اللازمة لكراتين الخير. إذا لم يحصل من هو في مثل مركزه على أسعار معقولة، فمن غير الممكن أن يفعلها غيره! وهو أيضًا أعلم منه بهؤلاء المساكين، وأعلم بالطريقة المُثلى لجعل دعواتهم تتدفق عليه في العشر الأواخر من الشهر الكريم. يعرف ما يستهلكونه بكثرة من السلع الغذائية، وما يفضّلون عدم الحصول عليه إلا في أضيق الحدود. كما يعرفُ بالتأكيد إذا كانت الأوراق المالية أفضل لم من كراتين الخير أم لا.

لم ينتظر طويلًا، وفي اليوم التالي، خلال الاستراحة الفاصلة بين ركعات صلاة التراويح، بادر بمحادثته:

-تُصلي العام القادم في الحرم إن شاء الله..

تبسم خيري عبد الجواد وهو يُمسك مسبحته وقال:

-يكتبها لنا الله كما كتبها لكم.. ألن تسافر لأداء العمرة هذا العام؟

-أتمناها من الله، لكن كما تعرف فالأسعار..

شدت كلماته انتباه خيري، بينما صمت هو وعمدّ إلى محاولة تغيير دفة الحديث بالمزاح:

-لا أود إخراجنا من حديث الله لحديث الشيطان!

رد عليه خيري عبد الجواد بنبرة تخلو من المزاح:

-أي شيطان؟

-الشيطان الأعظم، المال!

-استغفر الله، المال فتنة صحيح، لكن الله…

قاطعه قائلًا:

-استغفر الله العظيم، “المال والبنون زينة الحياة الدنيا”

فأكمل خيري عبد الجواد الآية:

-“والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخيرُ أملًا”

-على ذكر الباقيات الصالحات والمال، المبلغ الذي أخصصه كل عام للمحتاجين، أريد أن أضعه بين يديك.

انتفخ وجه الرجل وقال:

-إنها مسئولية ضخمة عليّ سعادتكم.

-ليست مسئولية ضخمة، إنها ليست مسئولية على الإطلاق، أنا على دراية بالصعوبة التي صارت الدنيا عليها، كما وأريد إشراك آخرين في الثواب..

وفي اليوم التالي بعد صلاة التراويح، سلّمه المال في حقيبة صغيرة، فقال له خيري بعد أن تسلم الحقيبة وفتحها ليتأكد من رُزم الأموال الموجودة بداخلها:

-بالأمس ظننتُ معاليكَ تُمازحني!

فضحك وقال بصوت خافت كي لا يسمعه أحد من الموجودين حولهم:

-وهل في هذه الامور مُزاح؟! إنه حق الله علينا..

خلال الأيام التالية، عند حضوره للصلاة، كان خيري عبد الجواد يأتي للسلام عليه والاطمئنان على صحته بإلحاح غريب، ثم يتركه ويذهب. لم يسأله عن كيفية تصرفه في المال الذي أعطاه إياه. لم يُفاتحه خيري عبد الجواد في الموضوع، ففضّل الصمت، وقال إن ذلك أفضل، فأحسن أوجه الخير، هي ألا تعلم شِماله ما تُنفق يمينه، وإنه ما من داعٍ لسؤاله وإحراجه، فكل شيء واضح. لقد أعطاه الأموال، ومعها ورقة مُدون فيها أسماء المحتاجين وعناوينهم.

لكن بعدها بقرابة أسبوعين، وقبل نهاية شهر رمضان، طلب سائق الباص الخاص بأحد المدارس الخاصة -التي يشارك آخرين في ملكيتها- مقابلته. وافق على الفور، وظن الرجل أتى خصيصا ليشكره على المساعدات التي لم تنقطع عنه هذا العام، وكيف أنه لم ينسهم رغم الظروف الصعبة التي يمر بها الجميع. لكنه فوجئ بالرجل يقول بعد تحيته والسلام عليه ويده اليمنى لا تزال مرفوعة حذاء وجهه:

-لا تؤاخذني يا باشا إن كنتُ أسأتُ التقدير في القدوم إلى هنا وطلب لقائك، أنا على علم بكثرة مشاغل سعادتك، كان الله في العون، لا تؤاخذني.. لم يُحضرني إلى هنا سوى الشديد القوي.. الظروف صعبة وأنت أعلم بها منا جميعًا، قدركَ الله عليها وجعلكَ عونًا للناس…

لكن تلك المقدمة الطويلة لم تُفلح في التمهيد للصدمة التي تلقاها حين سمعه يقول في النهاية:

-لم يصلني من سيادتكم السلام الذي اعتدت عليه كل عام، ولا حتى مكالمة بسيطة منذ بداية رمضان، فجئت لأسأل هل هنالك زَعَل -لا سمح الله- أو سبب لقطع حبال الود في الشهر الكريم؟!

ثم صمت لحظة لم تطُل، وتابع بوتيرة تتمتع ببعض المكاشفة:

-سعادتك تعرف جيدًا عدد الأولاد عندي ومصاريفهم الكثيرة التي كانت تهد الحيل وصارت الآن تقتله.. لم آتِ طلبًا للمال منكم لا سمح الله، إنما جئتُ فقط للاطمئنان، هل سيادتك غاضبُ مني في شيء؟!.. إن لم يكن كذلك، فأنا راضٍ كل الرضا والحمد لله…

ولم تمهله الصدمة المكتومة بداخله سماع تلك الخطبة الطويلة حول أهمية رضاه عنهم. لم يلاحظ سوى يد السائق وهي ترفع حذاء فمه ليُقبل كلا وجيهها كتعبير عن الاكتفاء بنيل رضاه فوق كل النعم الأخرى.

فسأله بصراحة تحسم الموقف:

-تقول إنك لم تصلك مساعدة مني هذا العام؟! كيف ذلك هل غيرتَ عنوانك أو شيئًا من هذا القبيل؟!

-كلا، عنواني كما هو.

وقال له كلمات كثيرة فيما معناه ألا يقلق، فهو لا ينسَ أمثاله ممن يعزّون عليه. ثم صرفه بحنكة واعدًا إياه بأن المساعدات ستصله خلال الأيام القادمة. وبدأ يسأل بقية المساكين الذين يتذكر ورود أسمائهم في قائمته عن وصول المساعدات إليهم من عدمها. فاكتشف أنها لم تصل إلى أي واحدٍ منهم.

قرر مواجهة خيري عبد الجواد. لكنه فوجئ بأنه لم يحضر للصلاة. واستمر انقطاعه عن المسجد لثلاثة أيام تقريبًا. لم يرغب في الاتصال به رغم أنه يملك رقم، لم يعرف ما سيتعين عليه قوله له. فبحث عن أحد الوجوه التي يعرفها بالمسجد ممن اعتاد رؤيتهم مع خيري عبد الجواد وابتدَره سائلًا إياه:

-أين الأستاذ خيري عبد الجواد؟ لم أعد أراه يأتي للصلاة منذ أيام وتلك ليست عادته..خير، أهو مريض -لا قدر الله- أو شيئًا من هذا القبيل؟!

فمال الآخر على أذنه وقال:

-ولله الحمد ليس مريضًا، لكن كما تعرف، إنه منهمكٌ في تجهيزات زيجة ابنته.. هاتفته منذ يومين للاطمئنان عليه فقال إنه يشتري جهازها من دمياط قبل أن تقفز الأسعار مجددًا.

فطن لما حدث، وقال قبل التفكير في مخرج من الموقف السخيف:

-فليبارك الله ويتمم بخير إن شاء.

وعاد للمصيبة التي حلت به، وحاول بلورة المشهد منذ البداية في رأسه، لقد ظن خيري عبد الجواد أنه اختلى به سرًا ليقدم له مساعدة مالية تعينه على تجهيز ابنته، لا ليعطيه أموال الزكاة والصدقات ليوزعها على المحتاجين. لقد فاته أن يشرح له الأمر تفصيليًا ظنًا منه أنها مسألة لا تحتاج للشرح؛ مال، وشهر رمضان، أوان إخراج الزكاة، وتدفق الصدقات؛ كل ذلك يجعل كل شيء واضحًا، ومسألة واحدة فقط سببت هذا اللّبس الغريب، أنه كان في أمسِ الحاجة للأموال، ويبدو أن شيطانًا ذو مخيلة واسعة صور له أن الورقة في أسفل الحقيبة بها أسماء من ساعدوه بتلك الاموال التي كان محتاجًا إليها، وكنتُ أنا منوبًا عنهم لأخذ الثواب، فكتبتُ أسمائهم وعناوين بيوتهم ليتسنى له رد جميلهم بالشكر بعد حين. تناول سحوره وهو يفكر في هذا الالتباس الغريب الذي حدث.

في اليوم التالي جاءت إلى منزله سيدة كانت تعمل عندهم كخادمة ثم توقفت عن العمل لأنها لم تعد قادرة. اعتادت تلقي المساعدات منهم في هذا التوقيت من العام. لم يكن بالمنزل وهاتفته زوجته لتسأله عن ذلك. فواتته فكرة سديدة.

أعطى تلك السيدة، وكل المساكين الذين استفسروا منه عن تأخر الصدقات، رقم هاتف خيري عبد الجواد، وطلب منهم مهاتفته بصفته القائم على توزيع الصدقات.

لم يتوقف هاتف خيري عبد الجواد عن الرنين. وفي كل مرة يحادثه المتصل بشكل أكثر جراءة واقتضابًا:

-آلو..السلام عليكم..أستاذ خيري؟.. كل عام وأنتم بخير.. أخبرني الباشا أن اتصل بكم، قال إن اسمي مُدون في ورقة المساعدات الخاصة بالشهر الكريم..أرجوكَ لا تؤخرها عليّ أكثر من ذلك فلدي الكثير من الالتزامات!

 

 

 

مقالات من نفس القسم

مريم سمير
تراب الحكايات
موقع الكتابة

إشاعة