واختفت بين عينيه

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

سوسن الشريف

في مساء اليوم الثالث أرسل لها رسالة اعتراف قصيرة، تحمل مشاعر اليأس والخوف من أن يظل بمفرده فريسة لمشاعره نحوها، قال لها صراحة أنه يحتاجها، ويرغب في فعل الكثير من أجلها. لم تتفاجأ بالرسالة لكنها تفاجأت بكم الاعترافات في هذه السطور القليلة، وكم المشاعر التي تفجرت كنهر جارف كادت تغرق فيه، فاجأتها صراحته وتدفق الكلمات التي تكاد تسمع صوته وهو يقولها. وجدت نفسها ترد على رسالته باعتراف لا يقل شجاعة عن اعترافه، وشعور بخيبة أمل من نفسها، لأنها أصيبت بالمرض، وغرقت في نهر مشاعره وهي لا تعرف العوم، وليس لديها طوق نجاة.

 

بعد أن خاضت محاولات يائسة للهروب والتحصن، اكتفت بالاعترافات المتبادلة بينهما، ولم تخضع لرغبتها المُلحة في مراسلته، حاولت تجاهله، لكنه كان يفرض وجوده عليها بقصد ودون قصد، فكان يرسل الرسائل تحمل جملتين فقد أحدهما للاطمئنان عليها، والأخرى عتاب لتجاهلها إياه. حدثها مرة واحدة في الهاتف لم يقل أيضاً سوى تلك الجملتان، ولكن صوته جاء دافئ متهدجاً يحمل شوق ولهفة، ذابت معه، حمل صوتها كل ما تشعر به، رغم ان حديثها كان مغلف برسمية شديدة، وكأنها واحدة أخرى غير التي اعترفت بما في داخلها. حتى محاولتها اليائسة في الكذب عليه لتبرير عدم اتصالها، بادرها بردة فعل مهذبة، وأخبرها بأنه يقدر أسبابها ويتفهمها، ولم يصرح لها أن كذبها ساطع كالشمس، وهو ينهي تلك المكالمة القصيرة حمل وداعه ضحكة خافتة تدل على سعادته لسماع صوتها. تكرر إلحاحه عليها ليتبادلا رسائل ولو للتحية واطمئنان كل منهما على الأخر، لكنها توقفت عن مراسلته، وأصرت على أن يكون هناك نهاية معلنة لهذا الطريق، الذي يرغب كلاهما السير فيه، فاتفقا على لقاء أخر أخيراً ….

جاء موعد اللقاء الثاني، ولم يكن استعدادها أقل من ذي قبل، بل أكثر، تعمدت أن تختار ثوب رقيق ناعم، ألوانه تبرز جمالها، اختارت أن تكون المرأة الجذابة. فهذا اللقاء لم يعد بين أثنين غرباء، بل بين امرأة تذوب شوقاً، وخوفاً، وبين رجل لم تقابل مثله من زمن، رجل يعرف كيف يعامل المرأة، ينظر إليها ككائن يجب أن يُعامل برفق وحنان، المكان الوحيد المناسب له هو الحضن الدافئ، رجل يعرف كيف يمنح المشاعر دون أن يفرضها، رجل عرف كيف يفك حصارها دون جهد.

وحانت لحظة اللقاء، ارتدت نظارتها الشمسية وقررت أن يجلسا في حديقة ملاصقة لمكتبها، فلا يمكنه الذهاب إلى أماكن عامة، لأن الاخرون سيلتفون حوله، ولن يتمكنا من الانفراد ولو لحظة. راقبها وهي تسير إليه وكأنه يحتويها، راقبت ابتسامته المشرقة وهي تملأ وجهه، والسعادة لرؤيتها التي لم يستطع أن يسيطر عليها، ومد يده ليصافحها، ولم يعتادا هذا من قبل، ورغم أن أيديهما كادت تتلامسا لكنهما حملتا كل ما يشعران به. رغبت في أن تترك يدها في حضن يده الدافئة، ورغب أن يظل ممسكاً بيدها ليشعرها بالأمان، والشوق الذي يشعر به، رغب أن تذوب في يده، رغب أن تخبرها يده كم هو في حاجة إليها، أكثر من حاجتها إليه.

ـــــــــــــــــــــــــ

*مقطع من أحد نصوص مجموعة “مذكرات قلب” صدرت أخيرا عن دار المحروسة

 

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق