وأنا أتحدث إليك

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

كان يجب أن يكون عجوزًا مشردًا مثلا، يهيم في الشوارع كخلاصة مزعجة لقذارة العالم .. لكنه للأسف لم يكن كذلك .. كان يمتلك مظهرًا مناقضًا تمامًا، ولا شك أن هذا الاعتداء كان أشد عنفًا تجاه البشر مما لو كانوا يشاهدونه بشعر أشعث، وعينين زائغتين، ووجه نحيف، نحتت الأوساخ المتراكمة عبر الزمن خمود ملامحه، ولحية كثيفة بيضاء، وثياب رثة .. الخصائص التقليدية الحاسمة التي يفتقدها، والتي غالبًا ما تثير استجابات روتينية أقل كلفة: ابتسامة السخرية التي تتطور أحيانًا إلى ضحك، أو تترجم إلى كلمات .. الإشاحة العفوية للوجه، الذي درّبه التعوّد جيدًا على عدم الاهتمام .. الشفقة الطارئة كفقاعة تتبدد مع نهاية النظرة .. كيف لرجل مثله، لا يزال في الحقبة الشابة من منتصف العمر، شعره الناعم مصفوف بعناية فائقة، ولديه عينان متزنتان، ووجه أبيض بخدين ممتلئين ومنعّمين، ويرتدي ملابس أنيقة، كما يشع من نظافته المثالية عطر أخّاذ؛ كيف له أن يمشي في الشوارع ويكلّم شخصًا غير موجود؟! .. كيف لرجل مثله أن يسير بين الناس كأنه برفقة صديق؛ يحكي له، ويضحك معه، ويقف في بعض الأحيان ليشير بيده السمينة إلى أماكن متوهمة، ويقول له مثلا:

(أنظر .. لا يزال المقهى كما هو، وإن أصبح زبائنه أقل بكثير بعد أن أطلق صاحبه لحيته، ومنع الشيشة والطاولة والدومينو .. أنت تعرف أن حالته العقلية كانت مهيأة لذلك منذ زمن طويل “يضحك” .. لكن كما ترى؛ دكان الترزي بجوار المقهى لم يعد كذلك بعد أن مات الأب، وقرر الإبن تحويله إلى سوبر ماركت .. بالمناسبة .. هل تعرف شيئًا عن ابن مالك مخزن الأخشاب المغلق هذا؟ .. ألم يدخل المصحة للعلاج من الإدمان؟ .. هناك من يقول أنه لا يزال نزيلا فيها، وهناك من يقول أنه غادرها، ويستعد لتحويل المخزن إلى محل لبيع التحف والأنتيكات .. “يلتفت إلى الجهة المقابلة” .. أتذكر بائعة الفاكهة التي تسكن في هذه الحارة، والتي تجاوزت شهرتها حدود الشارع والمدينة أيضًا؟ .. لا أعرف ما الذي كان يجذبك إليها .. كانت دائمًا تصيبني بالغثيان .. تنقّلت صاحبتك من بيع الفاكهة إلى بيع الملابس المستعملة ثم إلى بيع البليلة والأرز باللبن، والآن تبيع السمك، ومازالت تؤكد حتى الآن أنها توقفت عن بيع الحب …)؟!

يعاود المشي بخطوات مائلة على نحو طفيف للداخل، كأن جسده يريد أن يُشكّل مع جسد الصديق غير المرئي قوسين لاحتواء الكلام والضحك بينهما .. يحدّق الناس فيه بدهشة واجمة .. يجبر الاستغراب العابس بعضهم على التوقف .. على محاولة استدعاء الابتسامات المألوفة .. لكن لا شيء سوى ثقل الحسرة .. الشفقة المتوجسة التي تحرّك الأقدام بعيدًا فيما يشبه النزاع بين إلحاح الهروب، والرغبة في الانتظار ومواصلة التمعّن رجاءً لمعرفة نهاية ما للمشهد .. لكن لا أحد في الحقيقة يبلغ هذه المرحلة .. لا أحد يواصل تتبع الرجل حتى النقطة الأخيرة في الرحلة اليومية، أو ما تبدو ظاهريًا كذلك .. فالرجل يتوقف فجأة عن كل ما يفعله ثم يبدأ في المشي كشخص وحيد، ليس برفقته أحد، وبسرعة الخطو غير المتمهل، اللائقة بهذه الفردية غير المتوقعة .. في هذه اللحظة تموت أي فكرة للاستمرار في المراقبة .. فقط يزداد الطغيان الحاد للتعجب .. يصبح أكثر وحشة وإرباكًا نتيجة تحوّل يبدو هزليًا أو منطويًا على خدعة ما بهذا الاسترداد المباغت للعقلانية .. كيف لرجل مثله ظل يخاطب شخصًا خياليًا ويضحك معه أن يصبح إنسانًا سليم الإدراك فجأة، وأن يمشي صامتًا  كما يلزم المنطق؟!.

لكنك تستطيع أن تعرف الحقيقة لو تغاضيت قليلًا عن سير الرجل وحيدًا، وانتبهت إلى الأسى المكتوم في ملامحه أثناء مشيه الصامت، مطرق الرأس، بسرعة العائد من لقاء .. تستطيع أن تعرف الحقيقة لو تصادف أن تكون بجواره حينما ينزل من بيته، وبما يكفي لأن تسمعه .. ذلك لأن الرجل بعد لحظات قليلة من خروجه إلى الشارع كل يوم يلتفت بشكل مباغت إلى هذا الشخص غير المرئي، ويقول له بعتاب متسامح: (هل يصح أن تتركني فجأة أمس وأنا أتحدث إليك؟).

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق