“هيليوبوليس” رواية توظف حداثة السرد لمصلحة البعد الأنثوي

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 31
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

د.صلاح فضل

تلتقي ثلاثة عناصر في مقدمة رواية “هيليوبوليس” دار شرقيات 2001 للكاتبة المصرية الشابة مي التلمساني، لتصنع قدراً من الارتباك الحداثي المقصود، بما يتولد عنه من موقف جمالي جديد، يتجاوز ما اعتاد المؤلفون التمويه به والسكوت عليه. فصوت الراوية فتاة تقف أمام المرآة، اسمها “ميكي”، وكان أصله “ماهي”، وهي تختزن شعوراً طاغياً بأنها مجرد “ماريونيت” أو دمية خشبية تحركها خيوط منظورة. تأخذ الفتاة في فلسفة حركة الدمى معتمدة على مخزون ثقافي وفكري، يبدأ من تراث خيال الظل والقراقوز، والماريونيت وصندوق الدنيا، ليصل إلى أفكار “بون كلودويل” عن الدمى باعتبارها “كلاماً يتحرك”، إلى “جيل دولوز” في حديثه عن التفاعل بين الفارس والحصان والحربة، من دون أن يكون الاول هو الفاعل دائماً. مثل هذه الخواطر الحداثية لا تجعل أبداً من “ميكي” مجرد دمية خشبية، أو حتى على طريقة “إبسن” كما يريدنا منطوق البداية أن نتصور، بقدر ما يربك تمثلنا للشخصية بشكل متعمد مقصود. هذا الارتباك يزداد وضوحاً عندما يبرزه صوت الراوي صراحة في النص، باعتباره خاصية للحكي غير التقليدي. “فبدايات الحكي التقليدية لا تصلح لإثارة الدهشة، والبدايات السنتمنتالية العاطفية المفرطة لم تعد تثير العواطف، فإذا كانت كل البدايات ممكنة ومتعذرة في الوقت نفسه على إنتاج المتعة المفترضة، فإن القفز بين الأحداث من دون قيد يبدو ملائماً ومرادفاً لحركة ميكي كماريونيت الكلام”. هناك إذاً رغبة معلنة في التجديد والاثارة، وكشف التردد في نقطة البداية من دون إخفائه تحت ستار المهارة التقنية المحكمة. ويأتي الخيط الثالث المناقض في طبيعته لما سبق مستحضراً الطريقة الكلاسيكية في تقديم المكان الذي تدور فيه الأحداث ويعود إليه عنوان الرواية، وهو ضاحية مصر الجديدة بالقاهرة. لكنه يستحضرها بالطريقة المرتبكة ذاتها ابتداء من مشهد “افلاطون” عام 390 قبل الميلاد، وهو في طريقه الى مصر حاملاً معه كمية هائلة من الزيت تكفي لتغطية مصاريف إقامته وتعليمه، الى مؤسس الضاحية البارون البلجيكي “إمبان” الذي كان يقضي مع زوجته وابنه اشهراً عدة في السنة في قصره العجيب، حتى يرسم الراوي ذلك البيت الذي ستدور فيه الأحداث، والمكون من خمسة طوابق، وكيفية بنائها وطريقة مرور التيارات الهوائية عبرها. كل هذا الشتات من المقدمات الروائية في الفصل الاول يعطي للقارئ إحساساً بالتوتر والقلق من ناحية وهو يقدم المهاد الثقافي والطبيعي والنفسي لعملية السرد، من ناحية ثانية.

تستدعي الكاتبة من مخزون الوعي لدى “ميكي” صورتين متقابلتين: إحداهما وهي طفلة لا تصل قامتها إلى افريز الشرفة التي تطل منها، وهي تشهد “زوزو” – من دون أن تقول إنها أمها – في ثوب أسود، وقفت تبكي، ثم تذهب الى درج “الكومودينو” لتخرج منه صندوقاً خشبياً مطعماً برقائق الفضة، وتشير الى صورة قديمة فيه قائلة: “هذا جمال عبدالناصر وهذا أبوه !! قلبت الصورة على ظهرها وقرأت: إلى الطالبة النابغة زينات، تحية ومودة من رئيس الجمهورية العربية المتحدة جمال عبدالناصر”. وصفت ميكي في هذا المشهد أيضاً مراسم الحداد وهي تقام في بيتهم إثر انقطاع الارسال التلفزيوني فجأة، “وظهور آيات قرآنية على شاشته بدلاً من لوحة الورد المعتادة، جاء الشيخ الى المنزل متأخراً وجلس بين النسوة، تربع على المقعد بنظارته السوداء وقفطانه البني وراح يتلو آيات لا تعرفها”. يرتبك القارئ مرة اخرى وهو يعيد ترتيب الأحداث، فمن الذي مات؟ لكن سرعان ما يفهم المغزى عندما تضع ميكي الى جانب الصورة السابقة صورة أخرى رأتها في تشرين الأول اكتوبر 1981، وكانت لحادث المنصة الذي اغتيل فيه الرئيس السادات. كان حادثاً مخيفاً حقاً، والهيكل البشري المرشق بالدوائر الصغيرة يعني أن الرجل مات مهترئاً، لكن الجسد يصبح مجرد صورة والرصاصات مجرد علامات، والجنازة مجرد مسرحية واللحن الجنائزي مجرد موسيقى تصويرية لمصاحبة المشهد. كان الحِداد طويلاً في المرة الاولى، مختصراً في المرة الثانية. هكذا يقوم التقابل بين الصورتين بتجسيد الدلالة السياسية لما تختزنه ذاكرة ميكي من صور بصرية لكنها معجونة بثقافة الصورة، ومشبعة مثل صانعتها بروح السينما وعالمها الأثير، فهي تحتفظ ايضاً في ذاكرتها السمعية بأصوات تسكن روحها وتملأ أذنيها، وهي أصوات متقابلة متعددة. فكما أن لأمها اسمين، “زوزو” الذي اتخذته منذ أن اصبحت “أبلة”، و”زينات” اسمها القديم، فلها ايضاً في ذاكرة ميكي صورتان تبعاً لحالاتها ومواقفها. و”كلما تكلمت زينات سمعت صوت زوزو إلا في الحكايات، كانت تسمع فقط صوت أمها”. وإذا كانت لعبة توارد الصور تلقائية وطبيعية فإن صنعة السينما التي تستغرق الكاتبة منذ طفولتها تدخل في النسيج الحميم لخلايا ذاكرتها فتدفعها إلى ابتكار الاصوات بطبقاتها وحالاتها، وربطها في “مونتاج” يجسد طبقات الشخصية، مثلما تربط الاشكال والصور لتكون كتابتها مشبعة، بجماليات الفن السابع والفنون القولية معاً. على أن القارئ لا يكاد يدرك مغزى العبارة التي تتصدر الرواية والمأخوذة من عالم الاجتماع المؤسس “دوركهايم” والتي تقول: “الأفراد وحدهم هم عناصر المجتمع النشطة، وإن أردنا الدقة يتكون المجتمع ايضاً من الاشياء”. لا يكاد القارئ يفهم هذه العبارة حتى يمضي في استكناه العالم الذي تقدمه، فإذا به في الدرجة الاولى عالم من الاشياء والشرفات والكراسي، والادوات. وحتى الشخوص، فإنهم يثبتون فيه بطريقة تشكيلية تبرز فيها الألوان والاوضاع كما ثبتت في ذاكرة الصبية التي تقوم بدور الراوي غالباً. فبعد ان تغيب جدتها وعماتها بالموت، أو قبل ذلك لا يهم، فالأحداث ذاتها لا تكتسب شيئاً من الاهمية في هذا المنظور الاستاتيكي الجامد. يتبدى المقعد الذي كانت تحتله وقد شغلته زوجة ابنها، أو باعه مالك العمارة بعد أن أجر الشقة لطلاب سودانيين. هنا لا يمتلك الحدث بروزاً دلالياً الى جانب الاشياء المتصدرة، والكاتبة على وعي واضح بنتائج ذلك وخطورته. ومع انها تلجأ الى الميثولوجيا المصرية القديمة في تمثيل حركة الآلهة بين ضفتي النيل، كي تقبض على جوهر الزمن خالياً من الأحداث، غير أنها تدرك بحسها السينمائي الحركي أنها تحاول الامساك بالماء، فتعمد إلى التركيز على فكرة التكرار باعتبارها ضماناً للايقاع الزمني الذي يعوض غياب الاحداث. وهي تعرف مكمن الخطر في هذا النوع من الابداع سواء كان بصرياً أم لغوياً، انصراف المتلقي عنه هو العقوبة التي تنجم عن افتقاد التشويق وانطفاء جذوة السؤال اللاهث: ثم ماذا؟ لكنها على رغم ذلك تجازف باستحضار عالم الاشياء وحشد الرواية به، وترك الاحداث الصغيرة المشتتة لتقوم بدور الخيط الرفيع الذي لا يقوى على شد أزر البنية السردية ولا ضمان تماسكها، وذلك لانها تقدم، اولاً باعتبارها فُتات الحياة اليومية، ويتم القفز عليها واستباق نهاياتها ومصائرها قبل الاوان من ناحية ثانية، ما يجعلها فاقدة للقدرة على الانتظام في نسق زمني كلي.

هنا يتدخل لون من الشعرية الغنائية ليحل محل الشعرية الدرامية في السرد، وتصبح “ميكي” المتطورة عن “ماهي” – وربما عن مي ذاتها ايضاً – هي محور الحديث وبؤرة الدلالة فيه. وتصبح معها الاشياء وقد اضحت مكونات عالم المرأة بامتياز، ما يجعل هذه التقنية قريبة من اقامة عالم المجتمع الفني، كما كانت قادرة على بناء العالم الاجتماعي عند “دوركهايم”. ولأن ذاكرة الصبا تحتفظ بالتفاصيل اللامعة للطفولة والمراهقة، فإن قدرتها على النسج الفني تبدو مذهلة وهي تستحضر دنيا الصغار والخدم في مقابل دنيا الكبار ومصائرهم.

أجواء الناس

يتآمر صوت الراوية ميكي مع عواد الخادم – المقرون اسمه دائماً بعبارة مأخوذة من تمثيلية اذاعية شهيرة باغنيتها الافتتاحية: “عواد باع ارضه” تضع له خطاباً صغيراً في صوانه، تكتبه على عجل في غفلة من العمة، وهي في طريقها الى المطبخ لتقشير الثوم المنقوع في الماء، تدسه ميكي بين ملابسه، لن يقرأ الخطاب فور عودته، لكنه في المساء سوف ينفذ الخطة، سوف يصعد الى الطابق الخامس بعد العصر، ليخبر “زوزو” ان العمة في انتظارها، وانه على استعداد للبقاء هنا حتى تعود، هكذا يجتمع الاولاد الثلاثة في غرفة الولد الاصغر الذي يجيد الطبل، ويلحق بهم “عواد” و”صابرين”. ويبدأ حفل راقص يستمر ساعة أو يزيد، تسدل الخادمة “صابرين” ستاراً على باب الغرفة وتقف وراءه تنتظر. يكاد قلبها ينخلع حين تسمع ميكي وهي تقول: والآن مع الراقصة الجميلة صافي، تزيح الستار مثل راقصة محترفة وتتقدم داخل الغرفة بحركات واثبة، لترقص على دقات الطبل والتصفيق، كاشفة بابتسامة واسعة اسنانها البيض وجزءاً من ساقيها، لو اعتذرت صابرين عن الرقص، أو اصابها التعب مبكراً، يقوم الاولاد بتمثيل مشهد قصير من “بوبي الحبوب”.

ومع أن مصير هؤلاء الخدم المقيمين لا ينتهي النهاية السعيدة التي كانوا يطمحون اليها، فمنهم من هربت مع صبي المكوجي، وعادت بعد سنوات تستجدي المأوى والطعام فلم تظفر بهما، ومنهم من نجح في اقامة بيت متواضع مطحون. غير أن رياح التحول والتغيير التي تشير إليها الرواية في سطور قليلة عقب حكايات الصبا، في حالات استباق زمني لا ينتظر موعده، تجعل بنية الرواية مؤلفة من حلقات صغيرة مفككة في الظاهر، لا ينظمها سوى المكان والوحدة الاسرية، وتكاد تضيع في نثار مبدد لولا ذلك الخيط الشاحب لذاكرة ميكي في ما يشبه السيرة الذاتية المنتقاة والمعلقة في خيوط الماريونيت، ميراث النسوة وتماسك المنظور.

إذا كان من الحق أن الحياة التي يعيشها كل من الرجل والمرأة واحدة، فإن نسبة مكوناتها ودرجة حضور كل عنصر فيها تختلف الى حد بعيد. فبينما تمثل السياسة والامور العامة والجنس العصب الحساس لأدب الرجال عادة، نجدها في المنظور الانثوي غالباً ما تتوارى إلى الظل، ولا تبرز إلا عند الضرورة لتعطي للحياة نكهتها المميزة. هكذا نجد “ميكي” تتذكر من أحداث صباها قصة امها وهي ترسل صينية الشاي وطبق الحلوى إلى الجنود المعسكرين في الميدان، إثر ثورة الخبز عام 1977. كما تتذكر حادثة تمرد جنود الأمن المركزي بعد ذلك. لكن هذه اللمسات السياسية الخفيفة تغرق في بحر من الاوصاف التفصيلية لمكونات عالم المرأة، مما لا يخطر للرجل على الاطلاق ان يدمجه في اي نسيج أدبي تبنيه مخيلته. فها هن، مثلاً عمتها “آسيا” تستعد لزفاف ابنتها وتستحضر لها مدام “وفية” الخياطة من السيدة زينب، لتمكث لديها قرابة اسبوعين تخيط لوازم الجهاز من قمصان وفساتين، وتاييرات وملابس سهرة. وها هي تمسك بعشرات الألوان والاشكال والموديلات، وتمعن في وصف ملمسها وخواصها ووظائفها وكيفية توزيع الوقت في حياكتها. فالصباح للقص والتفصيل والخياطة، والمساء لورشة اللفق والتطريز، ما يجعل الرواية ترسم لوحة ثرية للنماذج والاشكال منعمة بعطر المهنة ورائحة الاقمشة، حتى يتماهى شكل الخياطة ذاتها بماكينة السنجر التي تستخدمها. تستغرق في ذلك صفحات مطولة تبرز خصوصية العالم الانثوي واهمية هذه التفاصيل بالنسبة اليه، الامر الذي يبدو فيه مخالفاً لعالم الرجال الذي يقدمونه في كتاباتهم الادبية. وكلما كانت الذاكرة امينة والمخيلة نشطة كانت اصدق في تمثيل هذه الخصوصية الانثوية الجديدة على الكتابة الروائية، شريطة ان تمتلك الكاتبة شجاعة ابتكار التفاصيل الحميمة، وانتقاء العناصر الفاعلة في تشكيلها باستراتيجية شعرية لا تجعل السرد مشدوداً لفضول القراء في اكتشاف النهايات بقدر ما تربطه بتقنية الرصد السينمائي لمجموعة من اللحظات المنعمة بمذاق الحياة الأليف.

ومع أن دلالة الرواية لا تؤخذ نقدياً من اقوالها، بقدر ما نستصفي من وقائعها واحداثها ومعنى مصائرها الختامية، فإن هذا اللون من السرد الحداثي الذين نجده في “هيليوبوليس” يتسم بقدر كبير من الوعي بالذات، ما يجعل ميكي صوت الراوية التي تعمد احياناً الى قطع حبال “الماريونيت” ونزع القناع عن وجهها لتسفر بضمير المتكلم، وتعدد تاريخ اشياء العائلة وما تتوارثه النسوة منهن. تجعل “زوزو” امها التي لم تخاطبها او تتحدث عنها اطلاقاً بهذه الصفة، بل تظل تحكي عنها بتباعد غريب – اقرب إلى الألفة الاخوية – تجعلها تفتح صندوق جدها، لتعرض ما فيه من ادوات النجارة بأسمائها التفصيلية. ثم تفتح هي بدورها صندوقها الخاص لترص اغراضها في بيت الزوجية – من دون الإشارة الى كيفية حدوثها-“.

نفثت الكاتبة في هذه السطور ما ارادت قوله بالاوصاف واللقطات والصور الموزعة بعدالة على بيوت العائلة، خصوصاً من المنظور الانثوي الطاغي على رؤيتها، فالبشر فيها ينطبعون بخاتم الاشياء، وهذه بدورها تحدد نظرتهم الى الوجود، وتعطي القارئ في نهاية الامر معنى هذا العمل الجميل المضمخ بعطر رقيق من الشجن، وصوت ندي من الماضي، وهو ينشر ظله الرهيف على المستقبل، بما يجعلها قصة المرأة في المجتمع وهي تتماهى بالاشياء وتجعلها تضج بالحيوية الخلاّقة.

 

عودة إلى الملف

 

مقالات من نفس القسم