هواجس أمام المطر

عبد الهادي المهادي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

عبد الهادي المهادي

زحفتْ بداخلي أيامُ هذا الأسبوع بقدمين ثقيلتين كعجوز في الثمانين نجت بأعجوبة من حروب كثيرة وطاحنة، ولم تغرب شمس الجمعة حتى كادت تستلُّ روحي، ويبدو أنها أشفقت عليّ لأمر أجهله، لكنها تركتني شبه محطمة. أمور كثيرة ـ نفسية بالدرجة الأولى ـ جعلتني أقطع مسافة طويلة في زمن ضوئي نحو الذّبال. وزوجي، الذي انتقل للاشتغال في مدينة قريبة، تعب من الطريق، فما عاد يأتي إلا في مثل هذه الساعة، وأنا أجلس الآن وحيدة أمام النافذة أنتظر عودته. كنتُ قد قرأتُ قديما رواية ـ وكيف لي الآن أن أتذكر عنوانها ـ تتحدث عن الوحدة وتصف معاناتها، الآن فقط أعي الهُوّة السحيقة جدا بين أن تقرأ عن الوحدة وأن تعيشها.

أعرف أن زوجي يحبّني، ولا يملّ أبدا من التّعبير عن عشقه لي بالكلمات كما بالهدايا، ولكن ما حيلتي وقد غزاني قلق عميق بارد، وهو الآن ينخر فؤادي. ورغم أني، وقبل أن يغادرني فجر الاثنين، جعلته يطمئن أني تفهّمتُ تلك الفلتة التي نطق بها ليلة السبت، والتي جعلت السّعار يسكُنني، فإن إحساسا بالتهديد الوجودي لم يغادرني، ورغم أنه اتصل بي طويلا ثلاث مرات في اليوم لعلّه يُهدّئُ من روعي، فإن كل محاولاتي في ستره خلف ضحكات، أبت أن تخرج عفوية كما في السابق، فضحتني.

مطرٌ خفيفٌ ينزل مسترسلا دون انقطاع منذ لا أدري من الوقت، والناس في الشارع، كما يبدون لي من شاهق نافذتي، ما بين مطمئن ومهرول، وبئيسةٌ تنتظر الإشارة الضوئية الحمراء لتسرع في التجوّل بين أكبر عدد من السيارات طلبا لصدقة نادرا ما يجود بها أحد، وكلبٌ متشردٌ يريد أن يقطع الطريق، ولكن الزحمة والأضواء والضجيج أصابته مُجتمعةً بالتردد، طال وقوفه هناك، وفي الأخير التفت وعاد مُنكّس الرأس إلى حيث انعطف وغاب عن ناظري.

هناك في موقف السيارات القريب من بيتنا نزلت أسرة صغيرة من سيارة متواضعة، من حركاتهم وإشاراتهم بدو لي أنهم خرجوا تَوّا من الجنّة، كانوا يبدون فرحين سعداء. نسيت كل العالم وراقبتهم بعينين متحجّرتين؛ وكان طفلان في عمر الزهور مَصدر دموعٍ سرعان ما سالت باردة على خدَّيْ.

ارتفع المؤذن بالعشاء ولمّا يصل زوجي بعد، جاوز وقته المعتاد، كنتُ أعرف أنه قد يتأخر قليلا، فالسياقة والمطر يهطل تأخذ منه وقتا أطول، هذا ما شرحه لي مرّة. رنّ هاتفي بقوة فأخرجني إلحاحُ صوته من تأملاتي؛ إحدى صديقاتي القديمات تودّ أن تدردش معي، ولكنني لم أشأ أن أردّ، فلا قدرة لي الآن على الاستماع لأخبارها وحكاياتها ومجاراتها في ضحكها، ولكنها لم تملّ من معاودة الاتصال؛ مُصِرّة. عدّلت الهاتف على وضعية الصّامت، ورميته بعيدا عنّي.

وعندما عُدتُ بعينيّ إلى الشّارع، كان المطر قد توقف، فبدا تحت الأضواء زاهيا مغسولا، وتمايلت الأشجار بعد هبّة ريح قويّة نفضتها بعنف مما علق بها من قطرات، مما جعل الناس يفرّون من حولها، وطارت بعض العصافير الصغيرة التي كانت هانئة في نومها. وما لبثت أن هدأت الرياح واستكانت الأشجار فعادت الطيور سريعا إلى دفء أوكارها.

أحدث هذا المشهد في نفسي تحوّلا مفاجئا؛ التقطتُه لا شعوريا، وأحسستُ وكأن منسوبا من شيء مجهول، ولكنه دافئ، يرتفع في داخلي بالتدريج. مسحتُ على وجهي بكفين انتبهتُ أنهما تَحَوَّلَتا في غفلت مني إلى قطعتين من جليد، وغيّرت جلستي وأنا أحدثُ نفسي بحماس: “ماذا لو كان صادقا، وكانت كلُّ هواجسي مجرّد وساوسَ ليس إلا… لم يسبق لي أن ضبطتُ عليه ما يُشينُه”.

لا أدري كيف استطعتُ ذلك، ولكني حزمتُ أمري، وتوجّهتُ إلى غرفتي، عازمة على أن لا أدع هواجس تُسَمِّمُ حياتي، وأن أعيد لنفسي الثقة في زوجي.

أخرجتُ مذكّرتي التي تعوّدتُ أن أكتب فيها يومياتي، وفتحتها على آخر صفحة مُسَوّدَةٍ، كانت فقرة قصيرة توثّق ما جرى تلك الليلة من يوم السبت، والتي كتبتها صباح الاثنين بعد مغادرة زوجي. اقتلعتها دون أن أحدث صوتا، وقرأتها بخفوت، انتبهتُ حينها أنني كتبتها بحيادية تامة، وكأني أكتب تقريرا عن حادثة لم أكن بطلتها: “بينما كنتُ جالسة بجانب زوجي نتحادث في أمور الحياة، ناداني باسم أنثى غير اسمي، وعندما انتبه سريعا لزلّته، كانت الكلمة قد استقرّت كرصاصة طائشة في عمق صدري، وعبثا حاول إقناعي بأنها زميلة تشاركه مكتبه، وقد تعوّد أن يناديها، فلا شيء مما قد أتخوّفه… ولأوّل مرّة منذُ أن تزوّجنا نِمنا ليلة سَبْتِنا ونحن نعطي الظهر لبعضنا.”   

تأمّلتُ الورقة وكأني أودّعها، كنتُ سأمزقها، قبل أن تسترجع ذاكرتي سريعا مشهدا ختاميا من رواية يُصَوِّرُ بطلةً تُغرق رسالةً في كأسٍ لتمسحَ بالماء مكتوبها.     

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق