هزمتك يا موت الفنون جميعها

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 9
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

أحمد أنيس

انتشرت في السنوات القليلة الماضية مقولة (هذا زمن الرواية)، والتي قد تعني ضمنيًا أننا لسنا في زمن الشعر، وبالتزامن انتشرت -أيضًا- مع نظريات موت المؤلف وغيرها من نظريات الموت بعض المقولات أو التخوفات من (موت الشعر).

بشكل شخصي أنا من المؤمنين بالحياة وبمقولة درويش في الجدارية (هزمتك يا موت الفنون جميعها)، كنتُ ولا زلتُ أري الشعر في مقدمة هذه الفنون العصية علي الموت، يكفي أن نلقي نظرة علي الفارق بين تعريف الشعر في المعجم مثلاً وبين ما وصل إليه الشعر اليوم لنري كل هذه الحيوية والقدرة علي التطور والتنوع  والاستمرار.

للحديث عن (المشهد الشعري) الراهن يبدو الأمر صعباً إلي حد ما، ففي رأيي أن ما نعيشه اليوم طور من أطوار التشكل وليس الاستقرار، يظهر شعراء ويختفي آخرون وهناك العديد من الأسماء التي لا تزال تتلمس طريقها. وأعتقد أن آثار الهزة الكبيرة للثورات بانتصاراتها وإحباطاتها تنعكس علي المجتمع العربي كله وليس الشعر بمنأي عن هذا، إلا أنه رغم هذا يمكن استشراف بعض الملامح الملحوظة في تشكل هذا المشهد الجديد لو صح التعبير. أول هذه الملامح هي التنوع والفردانية، لدينا اليوم العديد من الأصوات الشعرية الصاعدة لكنها غير منتظمة في تيار بعينه أو في شكل وأسلوب خاص أو حتي في خوض معركة أدبية متمردة ضد جيل أقدم (مثلما حدث مرات مع أجيال سابقة) حتي عندما حاول البعض استدراجهم قوبل بالتجاهل غالباً، بينما وإحقاقًا للحق لعب الكثير من شعراء الأجيال السابقة أيضاً دوراً داعماً وشديد الإيجابية والمحبة لشعراء هذا الجيل، بشكل شخصي أصابتني وغيري تلك المحبة ومن أسماء كبيرة بحق، يظل الشاهد هنا أنه وعلي الرغم من العدد الكبير نسبياً لأصوات هذا الجيل إلا أنه من الصعب ملاحظة تشابه ما يجمعها بشكل كامل اللهم إلا انتشار التأثير الحداثي والتكنولوجي علي معجم ومفردات النصوص.

الملمح الثاني أو الملاحظة لو شئنا الدقة هي الانفجار الأنثوي، يبدو أن هذا هو جيل الشاعرات بامتياز، أحاول تجنب ذكر أسماء بعينها مخافة النسيان  ولكن علي سبيل المثال في مقابل كل شاعر يمكنني ذكر اثنتين أو ثلاث شاعرات من نفس الجيل، بالطبع تظل هذه النسبة غير دقيقة ولكنها تظل صالحة للدلالة، ربما يأتي هذا انعكاسًا للدور الذي لعبته المرأة في الثورة وكذلك تزايد الوعي النسوي في المجتمع بشكل عام حتي وإن لم يحقق الكثير من المكاسب المرجوة بعد.يأتي التأثر الكبير بالشعر المترجم كأحد أبرز هذه الملامح أيضاً، يبدو هذا الجيل محظوظًا بحق في الاستفادة من سهولة معرفة ومتابعة والوصول للشعر المترجم والأدب المترجم بصفة عامة، بعكس أجيال سابقة كانت تجد الكثير من الصعوبات للحصول علي ترجمات حديثة بوقتها، وإن كان لهذه العملة وجهان أيضاً، فبينما نري أثراً إيجابياً لهذا التأثر من حيث التنوع وثراء المصادر الشعرية إلا أنه أحياناً ما تجد هذا التأثر مبالغاً فيه منتجاً نصوصا اغترابية تفتقد الأصالة، تقرأ نصاً لشاعر أو شاعرة عربية فتشعر وكأنك تقرأ شعراً مترجماً يأتي من حقول دلالية ومفردات وصور ليست ابنة بيئتها.في الأخير يظل الملمح الأهم في رأيي هو الدور الهائل الذي لعبته السوشيال الميديا، وبالأخص الفيسبوك، إذ أصبح لدينا اليوم مصطلح جديد (شعراء الفيسبوك)، يحلو للبعض استخدام هذا المصطلح بشكل سلبي أو تهكمي أحيانًا، بينما كنت ولازلت أري هذا الزخم والسيولة شديد الإيجابية في روايته الخلود تنبأ ميلان كونديرا بما نعيشه اليوم من كون أن كل الناس سيصيرون كُتاباً، لم يكن يعرف وقتها بالطبع شيئاً عن الفيسبوك وعن صدق نبوءته، أهمية هذه الإشارة في رأيي أنها تأتي رداً علي ما يواجهه الشعر من أزمات علي مستوي النشر الورقي بعكس الرواج (المادي) الذي تعيشه الرواية، لو عكسنا النظر باتجاه الفيسبوك سنجد أن الشعر العربي والمترجم كذلك في أزهي عصوره انتشاراً، وإن كان هذا يُثير تخوف البعض إلا أنني بشكل شخصي أثق في قدرة الشعر علي التخلص من غبار الرحلة، مثل ما فعل دوماً طوال رحلته التاريخية.وفي النهاية ما ينفع الناس هو ما يمكث في الأرض.

مقالات من نفس القسم