هانى عبدالمريد: العالم سيلتفت للقصة حين يصير أكثر إنسانية

هاني عبد المريد .. ملف خاص
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

حاوره: حسن عبدالموجود

يستقى الكاتب شخصياته وعالمه – غالباً – من الحياة حوله، لكن تظل هناك قصة عن حياة الكاتب نفسه، خالق العالم، وصانع الشخصيات، لا يرويها أحد، إلا لو قرر أن يكتب سيرته الشخصية، أو حين يتصدى شخص آخر لكتابتها. وقد سيطر علىّ سؤال أساسى بعد قراءة مجموعة هانى عبدالمريد الجديدة «من شرفة بيتهوفن»  يتعلق بذلك العالم الذى ينتمى إليه هانى، خاصة مع تنوع مصادرها، إذ تبدو القصص ابنة المدينة، ثم تبدو ابنة القرية، ثم تبدو ابنة عالم خيالى، ثم تبدو ابنة الفلسفة. قصص واقعية أحياناً، غرائبية أحياناً، لكنها مهما انحرفت عن الواقع يظل هناك خيط ضعيف يشدنا إليه، حتى ولو كان ذلك الخيط «مثلاً شعبياً»، أو شخصية قادمة من الحارة وأصبحت فجأة بطلة لقصة غرائبية كالسقا.

ولد هانى عبدالمريد وعاش فى حى حدائق الزيتون، فى بيت كبير يضم الجدة والأعمام والأب، وقد احتل كل طابق أحد أعمامه وأسرته، كان هانى أكبر الأحفاد فى البيت، والأقرب لجدته، كاتم أسرارها، وذراعها، يقرأ لها أوراقها، ويرتب معها أشياءها ويستمع طوال الوقت إلى حكاياتها وأمثالها الشعبية، كانت دوماً تقول إن روحه أكبر من جسده، لذلك سمحت له باللعب فى الشارع أحياناً حتى موعد عودة أبيه من عمله، كما كانت تضغط على أمه لتنتزع له بعض الحرية.

يحكى: «قبل الرابعة عصراً كنت طفل شوارع، أشارك فى مسابقات البلى، وأجمع غطيان المشروبات الغازية، أطارد الكلاب الصغيرة، وأصطاد الضفادع والفراشات، وألعب بينج بونج على ترابيزة معلم الابتدائى الأستاذ فاروق، فى مدخل شارعنا، وقد اكتشف مهارتى فى اللعبة وأنا فى الصف الأول الإعدادى، وتأكد أن وجودى بجوار الترابيزة يجعل ربحه أكبر بكثير، إذ أن ثمن الجيم يدفعه الخاسر، وبالتالى اتفق معى على إدارة الترابيزة، على أن يمنحنى جنيهاً فى اليوم، أى أننى سألعب مجاناً طوال اليوم وأحصل فى النهاية على المال، كدت أطير فرحاً، إذ كان عرضاً خيالياً»!

لكن الأب رفض الأمر بلا أى مبرر مقنع، خاصة أن هانى فى الإجازة الصيفية. كان كل كلام الأب عن العلم والتعليم إنشائياً، وتحذيره عن الاختلاط بـ«العيال الصيع» غريباً. يقول: «كل الكلام عن جدوى ما أقدمه للعالم من إدارتى لترابيزة تنس لم يكن ليقنع أبى، كان لا يعرف شيئاً عن متعة لعب البينج بونج وفرحة الانتصار، أتخيل أن شعورى بأى خسارة حالية لن يضاهى شعورى بالخسارة فى ذلك الوقت، هذا الشعور لم أتحرر منه إلا عندما كتبت مشهداً مشابهاً فى رواية: كيرياليسون، ويمكننى القول إننا لا نتأثر فقط بما نعيشه فى الكتابة، بل أتخيل أننا نصلح عطب أرواحنا بالكتابة، نتقبل كل خسارة وأى فشل بالكتابة، بالكتابة نراجع تفاصيل حياتنا، ونفهمها، ونعيد التفكير فيها، وفى تصوراتنا المغلوطة عن أنفسنا وعن العالم كله».

قبل أن نستفيض فى مناقشة مجموعتك الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية» هناك بعض أسئلة عامة تشغلنى، أريد مناقشتها معك، وأولها.. هل الكتابة منحة من الواقع مهما انحرفت عنه؟

الحياة هى مكان متسع للحكايات والدهشة، عليك فقط ألا تفقد شغفك بها، أن يظل العالم بكل ما فيه تحت مجهرك، ترى وتحلل وتربط، هناك عطايا كثيرة طوال الوقت عليك فقط أن تستقبلها وتتقبلها، هناك أيضًا لحظات سحرية يهديها لك العالم، أتذكر أننى منذ ما يقرب من عشرين سنة ذهبت إلى «مغلق خشب» لشراء ألواح أصنع منها مكتبة، حينها لم أكن قد نشرت إلا قصصاً متفرقة بجريدة «المساء». البائع كان رجلا فى بداية الأربعينيات يجلس أمام باب محله على كرسى متهالك، يخلع فردة الشبشب، ويضم ساقه اليسرى فوق الكرسى الجالس عليه، يقرأ فى كتاب منفصل عن العالم، دار بيننا حديث، عرف أننى أنوى عمل مكتبة منزلية، وجدته يحدثنى عن يحيى حقى وطه حسين، ثم عرج إلى المخزنجى ومحمد مستجاب ويحيى الطاهر عبد الله.. ثم حدثنى عن شغفه بالقصة القصيرة وبالقراءة عموماً، تشجعت وقلت له اسمى، وأن لى محاولات فى كتابة القصة القصيرة، وجدته يرحب بى بفرح، ويقول إنه قرأ لى فى جريدة «المساء». كانت مفاجأة كبيرة حينها، أن يعرفنى رجل فى هذا المكان، وأنا لم أنشر سوى بضع قصص متفرقة بالجريدة، بعد سنتين تقريباً صدر لى أول كتاب، تذكرته فذهبت إليه بنسخة تحمل إهداء، ونسيت الأمر، وبعد حوالى عشر سنوات وجدتنى أكتب قصة عن هذا الموقف بعنوان «حكاية القديس» ضمن مجموعة «أساطير الأولين»، مررت بالصدفة أمام المحل منذ شهرين، ووجدته يتذكرنى، ويناقشنى فى الكتاب الذى أهديته له منذ حوالى 18 سنة. قلت له إننى كتبت عنه فى أحد كتبى وتركته على وعد بلقاء قريب، قد يكون الأمر بسيطاً، للبعض، لكنه بدا لى موقفا سحرياً، وبالفعل أهدانى قصة تختلف كثيراً عما حكيت من وقائع، وربما القارئ لن يتخيل أن لها جذراً واقعياً.

ومن الأشخاص الذين تدين لهم بالفضل فيما وصلت إليه؟

أنا مدين لكل الكتّاب الذين قرأت لهم وأمتعونى وغيّروا وجهة نظرى فى الكتابة والحياة، القراءة أنقذتنى من أن أكون كأطفال الشوارع، إذ جعلت لى هدفاً بعدما كان أقصى طموحى إدارة ترابيزة تنس طاولة على ناصية شارعنا.

من هم كتابك المفضلون؟ وما الفنون الأخرى، بخلاف الكتابة، التى تؤثر عليك؟

قائمة كتابى المفضلين كبيرة جدًا، لأننى لا أبحث عن كاتب تعجبنى كل أعماله، بل يكفينى عمل واحد ممتع حتى أكون ممتناً لك. أظن أن الكاتب يتأثر فى الغالب بكل الفنون، وهناك أشياء ربما لن تتوقع حجم وجودها بداخلك، لكنك مع الوقت ستتأكد من تأثرك بها، فعندما كنت صغيراً كان أبى يشغّل شرائط كاسيت الخاصة بالسير الشعبية والمداحين، وكنت حينها أبدو غير مهتم بها بل كنت ضجراً منها، لكننى مع الوقت اكتشفت أهمية هذا النوع من الفلكلور، وما يحمله من لعب مع المفردات، وتقديم استخدامات مختلفة لنفس الكلمة، أو ما يعرف بلاغياً باسم الجناس، كذلك الإيقاع، الذى يسهم فى تحرر روحك. أنا أعتبر الأمثال والحكايات الشعبية والمديح من المصادر الثرية التى أثرت فى تكوينى، وأتذكر هنا بالمناسبة لحظة سحرية ربما كنت فى السادسة من عمرى، أى مر عليها حوالى أربعين سنة وما زلت أذكرها بالتفصيل، أرسلنى أبى لشراء بعض الاحتياجات ليلاً من محل بقالة على ناصية الشارع، وفى الطريق مررت على حلقة ذكر، يبدو أن أحد الجيران كان يقيمها أمام منزله. كان هناك رجال كثيرون بجلاليب يصطفون ويتطوحون وهم يرددون كلمة «الله» على إيقاع موسيقى، استغللت وجود فرجة بين رجلين، خلعت الشبشب، ووقفت بينهما على الحصير، وبدأت أردد معهم مطوحاً جسدى مقلدا فعلهم، كانت من أجمل اللحظات التى شعرت فيها أننى أطير بالفعل، بعد فترة وجدت الرجل بجوارى يضع يده على كتفى، رجل عجوز فى وجهه نور له لحية طويلة بيضاء، يسألنى أين أبوك، وحين علم أننى جئت وحدى، ربت على كتفى فى حنو قائلاً: «بارك الله فيك»، عدت للبيت ولا أتذكر أن أحداً علق على تأخرى، فيتأكد الآن لدىّ أن الأمر كله ربما استغرق دقائق قليلة لكنها كانت سحرية، هذا السحر الذى سيكون عليك محاولة التقاطه طوال الوقت.

ومن هم أبناء جيلك؟ ولماذا تبدو شخصاً منعزلاً طوال الوقت؟ وما طموحك من الكتابة؟

كثيرون جدًا أبناء جيلى، وأغلبهم هم نجوم الوسط الثقافى الآن، وعندما أعود للوراء لما يزيد عن عشرين سنة أتذكر العشرات من الأسماء كان لها مستقبل مبشر، لكنها ربما تعثرت لظروف الحياة، أشعر بالحزن من أجلها، لكننى أشعر أيضا بالخوف، الخوف من أن أتعطل، أن اتوقف عن الكتابة لسبب أو لآخر.

لكن فيما يتعلق بالجزء الثانى من السؤال لا أشعر بأننى منعزل، لى أصدقاء كثيرون داخل الوسط وخارجه، كما أننى أتابع معظم ما يكتب، ولو لم أقرأ العمل نفسه، فإننى أحرص على قراءة مقال نقدى عنه، ربما لذلك لا أشعر أننى منعزل، لكننى فى نفس الوقت أتخيل أن الكتابة تحتاج لنوع من الصفاء الذهنى، تحتاج لوقت للتأمل ومراجعة أفكارك، وقت لمواجهة هواجسك والتفاهم معها، تحتاج لوقت لحب نفسك وقبولها والتصالح معها، وكل هذا لن يتأتى فى الحقيقة إلا مع عزلتك.

طموحى فقط أن أظل أقرأ وأكتب، أن تظل مشاعرى وذهني وخيالى نابضة لآخر لحظات حياتى.

إذا وصلنا إلى مجموعتك «من شرفة بيتهوفن» لن نجد قصة داخلها تحمل هذا العنوان، هل أردت أن تستدعى من خلاله سيرة موسيقار عظيم تغلّب على عاهته؟ هل اخترته ليكون مرآة لأبطال يشبهونه واستطاعوا التغلب على مآسيهم؟

بيتهوفن يبدو مثله مثل «السلمندر» فى قصة «نظرية السلمندر» ما إن تقطع جزءاً منه حتى ينمو له من جديد جزء آخر. معظم شخصيات المجموعة تقوم بهذا: فكرة العيش والتأقلم مع أصعب الظروف، ليس هذا فقط، بل والتصالح مع الوضع وكأنهم يستعذبون الأمر، وهذا يظهر بوضوح فى قصة «سقوط ناعم»، فحينما شعر الرجل بخيانة النخلة وقرب سقوطه منها، وأنه لم يعد متبقياً له فى الحياة سوى الثوانى التى سيصل فيها للأرض، قرر الاستمتاع بها، وفى قصة «على نفس الإيقاع» حين تأخرت المعدية عن موعدها، لم يقف الناس مكتوفى الأيدى بل تكاتفوا وتعاونوا على إقامة مجتمع كامل على ضفاف النهر، ولعل هذه الميزة موجودة لدىّ ولديك ولدى معظم المصريين، ولعلها السمة الأهم التى نمتاز بها وتجعلنا على مر العصور نعرف كيف نجتاز كل كارثة تمر بنا، ليس باعتبارها كارثة، بل باعتبارها جزءاً بديهياً من الحياة.

الصدفة تصنع كثيراً من الأحداث داخل المجموعة وتحكم مصائر بعض الشخصيات، فاللص فى قصة «قراءة حرة» يدخل بيتاً من خلال نافذة لم يخطط للقفز منها، وبالتالى بدلاً من قيامه بالسرقة يجد مكتبة وهكذا تتبدل أحواله إذ صار يأتى بمحض إرادته ليقرأ كتاباً جديداً كل يوم. «الرجل الموهوب» صار موهوباً لأن مضرباً أطاح برأسه من الجهة اليسرى وهو فى الثامنة من عمره، كما أن بطل «نظرة أخيرة» تعرض لحادث قلب مسار حياته، إذ كان موجوداً بالصدفة فى شرفته بينما يحاول شخص سرقة سيارة الجار.. وهكذا. هل كان فى ذهنك أن يكون للصدفة كل هذا التأثير؟

هذه ملحوظة رائعة، لكننى لا أتفق معها، فلم أكن معنياً بالصدفة نفسها، الصدفة هنا تعنى لى الحدث الطارئ، وكان اهتمامى منصباً على كيفية تعامل شخصياتى مع الأحداث الطارئة، وفى الغالب لن تجد المتذمر، أو العاجز أو الناقم تجاه حدث ما، ستجدهم سريعا يتأقلمون وينجزون ما هو مطلوب فى استمتاع، ففى «قراءة حرة» بدا اللص وكأنه يكتشف نفسه من جديد ويستمتع بحياته الجديدة، وفى «الرجل الموهوب» يتعرض لصدمة كان من المفروض أن تجعله يشك فى أصالة موهبته، إلا أن القصة تنتهى بمحاولته تهيئة روحه للتعامل مع الحقائق الجديدة، ونفس الأمر فى قصة «نظرة أخيرة على شارع هادئ» فرغم وهن الرجل العجوز إلا أنه كان إيجابياً تجاه الحدث، واجه بشجاعة وبلا تردد.

بعض قصص المجموعة أيضاً مشغولة بفكرة الخلق، فمثلاً هناك خالق من الجرانيت فى «خارج الملكوت»، وهناك خالق بشرى فى «مشرحة صغيرة» وغيرهما. هل تحاول هذه القصص تفسير تمرد الإنسان على شكله؟ وكذلك نظرته للإله؟

فكرة خلق أسطورة خاصة من المناطق التى أحب كتابتها، والمتتبع لقصصى سيكتشف ذلك ببساطة، أننى أخلق الأسطورة من تفاصيل بسيطة، تفاصيل فيها جانبها الأسطورى، أو من خلال قصص تتناول أساطير سابقة بالفعل كأسطورة الخلق، التى حاولت صياغتها من قبل فى «شراسة لا تسىء للبعض»، وهى قصة من مجموعتى «شجرة جافة للصلب»، ولكن المقصد يختلف من قصة لأخرى فى «شراسة لا تسىء للبعض» كان الهدف تتبع كيف ينشأ الطغيان، وفى «خارج الملكوت» تناولت فكرة قيام طواغيت الدين، وكيف يكونون هم المستفيدين طوال الوقت، بينما فى «مشرحة صغيرة»، تناولت فكرة التأويل، أى أننا فى كثير من الأحيان لا نحاول الوصول للحقيقة، بقدر تفصيل الأمر على مقاس معتقدات راسخة بالفعل داخل عقولنا.

بعض القصص تلعب على فكرة المفارقة، وقد كان بعضها مفاجئاً كما حدث فى قصة «قراءة حرة» حيث يمكن قراءة نهايتها على أن البطل الحرامى هو نفسه صاحب الشقة العجوز، لكن بعضها الآخر كان متوقعاً كذلك مثل نهاية قصة «مجرد لفة رأس» إذ أعطت إيحاء من البداية بأن العم الراحل ربما سيكون نفسه الشخص الذى قام البطل بفقء عينيه. ما رأيك؟

ربما فى مراحل سابقة كانت القصة القصيرة تعتمد على بناء مفارقة، لكن المفارقة صارت مع الوقت من التقنيات المباشرة التى تتسم بالسذاجة، أما فيما يخص القصص المذكورة فأنا أرى أنها لم تعتمد على ذلك، فالمفارقة رهانها الأكبر هو خلق دهشة لدى القارئ، وأنا فى الحقيقة لم يكن هذا رهانى، وفى «مجرد لفة رأس» كان واضحاً جداً أن العم الراحل هو نفسه الشخص الذى فُقئت عيناه، وبالتالى لا مفارقة فى الموضوع، ولكن ما حدث أن الجميع كان يعرف المعلومة وانتهت القصة وقد تأكدت الفكرة، لكن أود التنويه هنا إلى أن الولد حتى النهاية كان الشخص الوحيد الذى لم يتأكد، لأنه لم يمتلك الشجاعة للف رأسه ومواجهة ظنونه، كذلك فى «قراءة حرة»” لم تكن هناك مفارقة، ولم يكن مقصوداً أن الحرامى هو صاحب الشقة العجوز بقدر ما أردت الإشارة إلى أننا نتشابه حين تتشابه المسارات.

هل تقول قصة «على نفس الإيقاع» إن الإنسان رغم كل الشرور يخلق حياته ويتغلب على كل الظروف إذا واجه تهديداً ما؟

أحببت هذه القراءة، فأنا أؤمن بالإنسان وبقدرته على خلق حياته، لذلك تجد الكثير من قصصى، تهتم بالمجتمعات البدائية، وبالإنسان الذى يتجه للحياة البسيطة. فى الكثير من التأويلات والأبحاث التى تدرس لماذا استطاع الإنسان المقاومة والبقاء بينما هلكت كائنات أخرى بدت أقوى منه، كان هناك سببان: الأول أنه كان قادراً على خلق سلاحه الشخصى من عظام الحيوانات أو من سن الصخور، لحماية نفسه ضد أى اعتداء، وهذه صفة ما زالت موجودة حتى اليوم، فكل منا حتى الآن يعمل على خلق سلاحه، وهذا السلاح لم يعد من عظام الحيوانات وأيضًا لم يعد سلاحًا ماديًا فقط، فقد يكون العلم والثقافة سلاحاً، والقدرة على التسامح سلاحاً، والقدرة على العيش والتأقلم مع الظروف سلاحاً، أما الأمر الآخر الذى جعل الإنسان البدائى يبقى ويتطور فهو قدرته على التعاون بشكل جيد مع جماعته لمواجهة الأخطار، وهذا بالضبط ما حدث فى القصة، حيث لجأ كل فرد فيها لسلاحه الشخصى أو لميزة يملكها، وتعاونوا جميعاً لتستمر الحياة.

فى قصة «نظرية السلمندر» كان طموح بطلها «السادات» أكبر من قدراته وأكبر من أحلامه وأكبر من مجتمعه، لكنه استطاع فى النهاية أن يصل إلى ما يريده حتى لو تخلى عن أحلامه العلمية الضخمة ليعلّم القرويين كيفية صناعة الصابون السائل ومعجون الحلاقة وعجينة اصطياد الفئران.. هذه قصة مأساوية، عن كيف يضيع عمر الإنسان فى مطاردة حلم؟ هل أدرك السادات فى تقديرك ما يتعرض له؟ أم أنه كان مغيباً مثل معظم الشخصيات؟

الشخصيات لم تكن مغيبة بقدر ما كانت لديها مرونة فى التعامل، وتصالح مع النفس. السادات أفاد أهل قريته، وصنع مجداً شخصيًا ربما لم يكن ليصنعه لو سافر لدراسة كائن التيولا بالخارج، ربما هو أكثر إفادة لقريته ولمجتمعه البسيط من آخر سافر لدراسة علوم الفضاء مثلاً، وبهذا يمكن ألا نراها قصة مأساوية، فقد استطاع أن يتغلب على تجار الدين المسيطرين على القرية، واستطاع أن يجعل العلم هو المرجعية الأولى لقريته البسيطة كما أن القصة عرضت موقفاً أو جزءاً بسيطاً من حياته، ويمكن أن تتصور -لو أردت- أن تحويل مسار حلمه كان مؤقتاً، وأنه ربما بما فعله امتلك المال، ووصل لحلمه الأول.

ظهر السقا ثلاث مرات، مرة كبطل قصة «الأميرة تبتسم للبدين»، ومرتين كشخص ثانوى، «تنكر رجل أحول» و«خارج الملكوت». ما المقصود من ذلك؟ هل أردت أن تعطى إيحاء بأن هناك ما يربط قصص المجموعة؟

اللعبة هنا كان لها علاقة بمصير التمثال وحكايته، ورد مرة على مسامع غانية كحكاية لتسليتها، ورد مرة كإله يعبده الناس، وورد مرة أخيرة لنعرف حكايته كاملة وأنه مجرد سقا عاشق أخلص فى عشقه، فكما أن الحياة تجعلك تكتشف الحقائق بالتدريج، أحب فى كثير من الأحيان أن أفعل ذلك مع قصصى، وهذا يفتح لنا الاحتمالات إلى ما لا نهاية، فقد فعلت ذلك فقط مع السقا البدين، لكنك تستطيع فعله مع اللص الذى دخل المكتبة، فتعطيه حياة قبل وحياة بعد، أو مع بائعة الهوى الحولاء، أو مع الروائية التى لديها خطأ فى روايتها، هذا الأمر قد يجعلك تكتشف أن أحد هؤلاء كان فى زمان أو مكان آخر يعد فى مصاف الآلهة، وربما العكس، هذه الطريقة تفتح أمامنا كل التأويلات، فكرة أن كل قصة لها بقية وأنت قد تعرفها وقد لا تعرفها. أتذكر أن أحد الأصدقاء سألنى إن كنت رأيت نجيب محفوظ من قبل فقلت لا، ولكن بداخلى فى مثل هذه المواقف أقول دائما «ربما»، فما يدرينى لعل أبى اصطحبنى فى طفولتى لزيارة الحسين، أو السيدة زينب، وفى الترام وقف قبالتنا رجل عجوز طيب، نظر لى وداعبنى وأعطانى قطعة من الحلوى، وتبادل التحية مع أبى ثم غادرنا وكان هو، نفس الأمر يحدث طوال الوقت، أنت تتحدث عن اللقاء الأول ولن تتخيل أبدا أنه ربما كان الثانى، كنا يوماً على شاطئ البحر، تعرف ابنى الذى كان فى الثالثة من عمره وقتها على بنوتة صغيرة فى مثل عمره تقريباً ظلا يلعبان طوال اليوم، تخيلت أنهما ذات يوم بعد عشرين سنة قد يلتقيان وقد يكون ليوم قضياه معاً السبب فى انجذاب روحيهما لبعضهما البعض، وحينها لن يتخيلا أبداً أن اللقاء الأول حدث منذ عشرين سنة، نحن نتعامل طوال الوقت مع جزء من الصورة ولكن لدينا من الصلف والغرور ما يجعلنا نظن أننا نمتلك الحقيقة كاملة، وأن كل أطراف الحكاية فى أيدينا، بينما لا نعرف من الحكايات إلا قدر ما ترى أعيننا.

الأخوة الثلاثة فى قصة «تعايش» حاولوا تنفيذ وصية أبيهم بالبقاء ساهرين إلى جواره طيلة الليلة الأولى لوفاته لكنهم لم يفعلوا لأسباب تخص كل واحد منهم، فهل تريد القصة أن تقول إن الموت يفرّق الأحياء أحياناً؟

لا، بل أقول إن الفعل واحد والباعث مختلف، جميعهم ترك أباه، ولكن لدى كل منهم دافع مختلف، وربما هذا يجعلنا نتقبل تصرفات البعض لأننا لا نعرف ما الذى كانوا يفكرون فيه، أو ما الباعث الحقيقى وراء أفعالهم، الأمر المختلف عن رؤيتنا ليس دائماً شراً.

فى قصة «سقوط ناعم» أراد البطل أن يطير من فوق النخلة بعد أن اكتشف أنها خانته وأصبحت ذات جذع أملس. هل يريد أبطالك الاستمتاع حتى ولو كانوا يواجهون نهايتهم؟

تعم. الاستمتاع بل ومحاولة تحقيق أحلامهم. أنا نفسى حين انتهيت من المجموعة نظرت للشخصيات المختلفة بها، وفرحت لظهور معظمهم بهذا القدر من القوة النفسية، والطاقة الروحية العالية.

بعض قصص المجموعة تعطى مكانة هامة للمرأة، إذ يقمن بثورة، على سبيل المثال، فى قصة «زوجات الكهنة» للإفلات من الفخ.. هل كنت تخطط لذلك؟

ليست قصص هذه المجموعة فحسب، بل فى معظم أعمالى هناك مكانة حقيقية للمرأة وذلك غير مخطط له بقدر ما هو نابع من قناعة حقيقية بها وبدورها وبقدراتها على الخلق والإبداع، فى روايتى الأولى «عمود رخامى فى منتصف الحلبة»، اكتشف أننى دافعت عن بطلتى وأظهرت جبن حبيبها وفراره بينما بقيت هى صلبة وواجهت الجميع ودافعت عن وجهة نظرها، لم أكن واعياً بما فعلت إلا عندما قرأها صديق وقال لى «إيه يا عم ده أنا حسيت إن قاسم أمين هو اللى كاتب الرواية» العجيب أن مقولته هذه أعجبتنى فى حينها.

«خمسون ألف سنة مرت سريعاً» هل هى قصة عن العزلة التى تعيشها الأسرة الحديثة؟ عدم تفاعل كل جيل مع الجيل الأقدم؟ أم أنها تقول إن الخلاص بأن نكون بدائيين؟ أم أنها قصة تحاول تفسير الزمن، حيث «قياس عمر الإنسان بالزمن خدعة» وحيث «الرب يعطينا حظنا من الدنيا بالوزن»، وحيث «تولد وأنت مقدر لك أن تحصل مثلاً على ثمانين طناً من الطعام، لو أكلتها فى عشرين سنة ستموت، لو تمهلت وأنهيتها عند السبعين ستموت فى السبعين، ولو تحكمت أكثر يمكن أن تصل للتسعين»؟

يمكن أن تقصد القصة كل ما سبق، وقد أدهشنى منذ يومين أن صديقاً قرأ المجموعة أرسل لى سطراً من قلب هذه القصة يقول: «البقاء بالمنزل يعنى أمانًا أكثر، وبقاءً أطول على ظهر الأرض»، وأعطى تأويلاً جديداً للقصة بناء على الأحداث الراهنة التى يمر بها العالم والخاصة بفيروس كورونا ودعوات البقاء فى المنزل، ما أود قوله أننى لا أحب أن أحصر العمل فى معنى واحد مباشر، ولكن فى «خمسون ألف سنة مرت سريعاً» عرضت بالفعل للعزلة وللميل للاستهلاك والشراهة، وكيف أن ذلك يمكنه القضاء علينا.

السخرية تغلف كل قصص المجموعة رغم مأساويتها هل كنت تقصد التخفيف بها من حدة العالم وقسوة الواقع؟

فى الغالب لا، لسببين، الأول أن السخرية لدىّ دوماً غير مقصودة، وكنت أكتشف وجودها من تعليق الأصدقاء بالندوات، أو من خلال الدراسات التى تناولت ذلك الملمح فى كتاباتى، لكننى بالفعل لم أقصد على الإطلاق فى أى مرة بث روح السخرية فيما أكتب، الأمر الثانى أننى لا أشعر بأى مأساة تعيشها شخصيات العمل، وبالتالى فإن سؤالك هذا سيجعلنى أتساءل هل بالفعل جعلت شخصياتى تمر بمأساة دون أن أشعر؟

بالطبع لن أستطيع الإجابة على مثل هذا السؤال، لأننى فى الغالب أشبه شخصياتى، وبالتالى سأرى الجانب المشرق فى كل ما يتعرضون له، وسأنتظر منهم دوماً التصرف بإيجابية، والاستمتاع حتى اللحظة الأخيرة.

المجموعة لا تسير على نهج واحد، بعض قصصها بدا واقعياً مفرطاً فى واقعيته، بعضها الآخر بدا واقعياً لولا انحرافة خيالية بسيطة فى النهاية، بعضها بدا فانتازياً، وبعضها خليط من كل هذا.. فهل أردت أن تقدم مجموعة تشبع أذواقاً مختلفة؟

فى الحقيقة، فإن ما أثق فيه هو أن كل قصة أهدتنى نفسها وأتاحت لى كتابتها فى شكل أو فى قالب من اختيارها، ربما الأمر يعود لطبيعة موضوع كل قصة ولزاوية الرؤية وزاوية التناول، وأتمنى أن يكون هذا التنوع قد أعطى ثراء أكثر للمجموعة وليس العكس.

بعض النهايات انحرفت بالقصص نحو الشعر. وعلى سبيل المثال.. فى نهاية قصة «نظرة قديمة على شارع هادئ» يقول الراوى وهو يصف قيام اللص بتصويب رصاصة إليه: «فى البداية صوّب الشقى تجاه القلب مباشرة، لكن لسوء حظه، لم يصب القلب نفسه، فقط أصاب حباً قديماً، قضى عليه تماماً، لم تبق منه سوى رائحة زكية خفيفة، تهب علىّ من حين لآخر».. ما رأيك؟

بالرغم من معرفتى أن القصة لا بد وأن تتحرر من اللغة الشعرية، إلا أننى لا أستطيع مقاومة تلك القصة التى تأتينى على فترات متباعدة وتحمل نفساً شعرياً، أستطيع أن أستخرج لك من كل مجموعة من مجموعاتى القصصية الخمس قصة تحمل نفس الحس الشعرى، حتى أن فى المجموعة السابقة «تدريجيا وببطء» كانت هناك قصة بعنوان «قصيدة موت رحيم»، أتذكر منها جملة: «سأكتب اليوم قصة أدعوها قصيدة، سأعاملها برهافة كما يليق بها، أنتقى كلماتى حين أناديها، وحين أتحدث عنها للأصدقاء، ستكون بهية كما يليق بقصة يعاملها كاتبها كقصيدة، شجية كمشهد أخير من وطن يخبو، سيكون بها ما لدى بنت وحيدة لأبيها…».

أوردت المقطع السابق لأقول إننى على وعى بملاحظتك، وإننى رغم كل شىء، أحب أن أكتب أحيانًا قصة بهذه المواصفات حتى ولو كان ذلك غير مفضل الآن، إذ أننى أفرغ بقصة من هذا النوع طاقة شعرية أحاول كبتها طوال الوقت، كما أننى أحب قراءة الشعر.

كيف تعرّف القصة القصيرة، وما الفرق بينها وبين الرواية؟

قلت ذات مرة إن العالم سيلتفت للقصة القصيرة حين يصير أكثر إنسانية ورهافة، القصة القصيرة تمثل لى الرهافة فى مقابل توحش الرواية، ولا يعنى التوحش هنا نقيصة بقدر ما يعنى أنه استكمال جمالى لهشاشة واقع بلا روايات، كأن بتجاور الرهافة مع الوحشية نضجت شخصية السرد العظيمة فباتت تلتهم كل الفنون. السرد يلتهم الشعر ويمد السينما والمسرح بمادتهما الأولى، يمد الفن التشكيلى والموسيقى بروح وخيال يحتاجانه، السرد بات من القوة حتى يمكن اعتباره المادة الخام الأولى لكل الفنون.

أخيراً.. قبل صدور هذه المجموعة أصدرت 4 مجموعات و4 روايات، ما الذى تشير إليه هذه النسبة؟

ربما تشير إلى عشقى للقصة والرواية بنفس القدر، ربما تشير إلى أننى لم أنشغل كثيرا بمقولات زمن الرواية وما شابه ذلك، ربما تشير إلى أننى كتبت ما أردت كتابته بلا أى ضغط أو حسابات.

 

مقالات من نفس القسم