نورسين المذحجي

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

فجر يعقوب

أعود على أعقابي إلى حيّ الحريقة . سأبدأ البحث عن الزوجة اليمنية الثالثة من هناك . ستكون مهمتي صعبة ، فالمنطقة تعج بالمنقبات ، ولاأحد يضمن وجودها . ربما سافرت إلى مدينة أخرى . ربما لم تعد في البلاد ، فالتسوق عادة يتم بالنسبة للزائرين والسوّاح في الأيام الأخيرة . ولكن رائحة البسباس اليمني ماتزال عالقة في الأجواء ، وتنذر بعلامات وجودها على قارعة طريق ، ومن الصعب محوها حتى بدلق سطول الماء الكبيرة عليها آملا في تنظيفها من الشوائب العالقة بها.

 

“اعتلال قرون الاستشعار البشري” . جملة زائفة ولكنها تصلح لكل زمان ومكان . وفي حيّ الحريقة يمكن أن تدور أحداث قصة عاطفية . ويمكن أن تدور في شوارعها المستقيمة والمتصالبة قصة حربية بسهولة . قصفها الفرنسيون عام 1925 من قلعة المزة ، وسقطت قذيفة مدفعية واحدة على قباب حمام الملكة في سيدي عامود ، فتغير اسمها إلى الأبد.أدخلها كل يوم على رؤوس أصابعي بحثا عن جملة تائهة بين ملايين الكلمات.أدخلها لأمتحن العلّة في مكمنها من غير قرون استشعار باذخة .أدخلها من جهة ضريح صاحب الخمار،فنورسين المذحجي  ستطل يوما من هناك . لقد أخبرتني الدعسوقة الحمراء بالأمس ، وهي تتنطط على راحة يدي أن الزوجة اليمنية الثالثة ستعبر الجرف من جديد ، وليس أمامي سوى الانتظار .

مرت نورسين من هنا . مرت ملايين المرات في حيّ الحريقة من ثقوب صغيرة . كانت تختفي بقوة وراء نقاب أسود . وكان على التاجر العابر أن يبيع زوجها نقابا صينيا مقلدا . كان ثمة مايدعو للحيرة . فلو طلب المشتري من البائع تقليدا صينيا لماء الحياة لوجد ضالته . كان يمكن لهؤلاء القادمين من وراء الغيوم تقليد كل شيء . وكانت جرافاتهم قوية وثقيلة . لم يكن يصعب عليهم تقليد أو محاكاة أي شيء . يكفي أي تاجر في هذه المنطقة أو غيرها أن يشتم رائحة شيء جديد حتى يبلّغ عنه الصينيين ، فيقومون بعمل نسخ منه وبأشكال وقيم مختلفة . تروي لي صديقتي الصيدلانية الكردية رانسي أن صينياً تسلط على صيدليتها وأخذ يزورها كل يوم ويسألها عن الأدوية أسئلة عادية يخلطها بمزاح عاطفي . وكانت تجيبه ببساطة عن كل استفساراته . كان يختفي أحيانا ثم يظهر فجأة ويعاكسها بكلمات عربية مكسرة . ولم يكن يزعجها حضوره ، فقد كانت تستلطفه ، لأنه لم يكن مؤذيا . ولكن الفضول شاغلها فأخذت تتقصى أخباره  حتى اكتشفت ذلك الاعتلال البهيمي في قرني الاستشعار اللذين يمتلكهما . كان خبير أدوية ويعمل لحساب شركة صينية تفكر بالاستيلاء على أسواق اضافية ، وهو يقوم بعمل استطلاع عن أسعار الأدوية المصنعة محليا . كان يبدي اهتماما مختلفا بالأدوية الأجنبية المهرّبة ، فهنا يكمن النزال الحقيقي بحسب رانسي.رويت لصديقي  خلو أبو نافعة  حكاية العاشق الصيني الولهان ، فضحك معلقا ، وقال : تحيا امبريالية الفقراء . لم يصدمني التعليق ، ولكنه أراحني نوعا ما  . فصديقي يعتقد أن وجود بضائع وأدوية رخيصة في الأسواق يسمح لذوي الدخل المحدود والفقراء والأقل فقرا من الفقراء امكانية البحث عن مخارج حياتية من المآزق الكثيرة التي وجدوا أنفسهم في داخلها من دون رغبة أو تخطيط مسبقين . ومع ذلك لم تكن نظرية  خلو  صائبة تماما ، فالأسواق تمتلئ ببضائع رخيصة غير مأمونة مستوردة ومهربة وغير ذلك . لم يخبرنا أحد عن نسبة الاشعاعات الموجودة في المواد المصنعة منها . لابل أننا نقرأ يوميا عن وجود مادة الميلامين السامة في كثير من هذه المصنوعات الرخيصة ، وأنه يجري اتلاف بعضها في أمكنة كثيرة ، والابقاء على بعضها للاتجار بها في أمكنة أخرى ، مع تغيير شكلي طفيف وحذق في الأمبلاج الأصلي .

امبريالية الفقراء هي اعتلال في قرون الاستشعار البشري بشكل أو بآخر ، وقد يأخذ اماطة اللثام عنها منحى مأسويا داشرا في البراري التي  يفد منها جواسيس الصناعة الحديثة في الليل ، وهم يصيخون السمع أثناء عبورهم لصراخ النباتات المسمارية ، ونباتات الزينة المعلقة في قلوب العذارى. لم أكن لأضيّع قرني الاستشعار أنا أيضا في نزال غير مربح ، فلي مهمة واحدة قررت المضي بها حتى النهاية . البحث عن نورسين ومعرفة نوع القماش الذي صنع منه نقابها ، وماإذا كان يحتوي موادا مشعة قد تفني  وجهها أو تشوهه بعد حين . ولن يكون سهلا معرفة درجة هيامي بها وتحرقي للقائها وخلعها من زوجها بالقوة إن تطلب الأمر  إلا غداة اللقاء بها وجها من غير وجه ، فهي بالنسبة لي لاتملك وجها حتى الآن.

-أنت تبحث عن ذريعة في الحب المكلف والعبثي . يقول خلو متهالكا على مقعده الأثير في الرواق الطويل المكيف في مقهى البورصة.

لم يكن سهلا التنازل عن قرني الاستشعار الذليلين ، واللذين غالبا ما قادا خطاي نحو علاقات عاطفية مؤلمة لي ، لم يكن يخسر الطرف الآخر فيها شيئا من وعوده المتبخرة ، أو المتصالبة مع الألم ،  فالهواء كان وسيلة للمزيد من نثر الهواء . ولم يكن ثمة مايغري بالابتعاد عن هذه المعادلة المضنية ، فأنا أبحث عن شرك العلاقات ، وليس العلاقات بحد ذاتها . هذا كان تأويل خلو ولكنني لا أتفق معه الآن بخصوص الزوجة اليمنية نورسين ، والمختفية وراء نقاب أسود ، وزوج غاضب من الأشجار إن مر بمحاذاتها برفقة زوجاته الثلاث . الآن بدأت حياتي العاطفية . واليوم سأكتشف مع الحبيبة المجهولة معنى الحب الحقيقي ، وكل شيء يدور من حولنا عن التجارة والجواسيس الصينيين وغير الصينيين لن يكون سوى من توابل الرواية التي أتقدم بها ، فأنا يهمني نورسين ، وماتخفيه خلف النقاب من شهوة متفجرة وعناد جبلي مكابر في السرير المشتهى . كان تقريظا مني أن أعطي مخيلتي فرصة جديدة في الهيام . لم تكن وداد نهاية تلك السيرة التي ركبتها وحيدا من غير مجذافين ، أو من غير قرني استشعار يعيدان الأمور إلى نصابها في سياق التجذيف غير المتكافئ . كنت مذنبا وطماعا وشهوانيا أكثر مما ينبغي ، فوقعت وتحطمت رقبتي . لم يكن سلوكي ادانة لعلاقة انتهت باسرع مما توقع  خلو نفسه ، وقد أوقع فتيات كثيرات في حبائله وفخاخه الكتابية قبل أن يستفرد بهن في شقته الصغيرة المطلة على شارع الهاني . كان صاحب خبرة لايستهان بها . وعندما أخبرته عن طبيعة علاقتي بوداد سارع إلى القول بأن هذه العلاقة محكومة بالفشل ، لأنني سأفشل في امتحان واحد . لم يقل لي صراحة ماهو هذا الامتحان ، ومم يتألف ، ولكنه شرح ذلك بالحديث عن ضرورة عمل ذاكرة مكان لهذه العلاقة :

– أنتما تعيشان في بلدين متجاورين ، وسفرك الدائم لها سيصبح مصدر ازعاج لها أكثر من مصدر ترحيب .

لم أفهمه . لم أرد أن أفهمه. لقد عرفت للتو إلام يرمي هذا الخبيث المتعالي ، ولكنني تجاهلت فرضيته غير العادلة ، فقد لمحت ظل الدعسوقة من بعيد . كان يتطاول ، و يستقيم ، ثم يأخذ منحنى دائريا في لغة لم تفعل سوى الاسهام في حصار لم يكن ممكنا الافلات منه لمجرد أنني رغبت في عمل ذاكرة مكان لعلاقة موؤدة ومنتهية الصلاحية  . كانت وداد في حل من هذه الظلال . القداسة تكمن في الوجه السافر الذي تمثله بجدارة . أما نورسين ، فلها شأن مختلف . كانت وجها بلا ظلال . كانت محارة مغلقة من جميع الجهات ولها حارس نزق وعصبي ومكلف اسمه العيدروس . يمكن القول إنها قداسة من نوع مختلف . قداسة قبيلة مذحج  اليمنية . قداسة مخفية وراء حجاب الحيلة والتمنع والاستكانة.

 نورسين شاطئ الأخيلة البعيد . ضوء القمر المنعكس على أذيال الخيول والحكمة اليمنية الصاعدة من الأساطير . لم يكن في ملفات الفاتحين الجدد أبسط معلومة عنها . شعرها الأسود الطويل لم يجدل بعد . لم تكن بلادها منضوية في عقد الدول التي تمتلك شيئا حيويا في حساباتهم . كان لهم قرون الاستشعار المعقدة التي تنبئ عن اعتلال أخطر حين يشتد النزاع من حول الطاقة المتجددة والمواد الخام التي أطلقت ثورة الاتصالات في الكون ، وجعلته خرم ابرة صغيرة . ربما يكون لنورسين شأنا مختلفا من الآن فصاعدا . ربما لايتعدى الأمر تخرصات الكتابة نفسها . وماهو مؤكد أن الزوجة المنقبة الثالثة أصبحت في عهدة الرواية ، ومفتاحا اضافيا ، مثلها مثل الدعسوقتين التقليدية والصينية في محاولة فهم وتفكيك بعض أسرار (امبريالية الفقراء) .

 نورسين المذحجي  . وقعت على الاسم من وراء النقاب . كان اسما يمنيا صارخا . لم يكن صعبا تهجئته في الهواء من خلال قراءة حركة شفافها بعد أن أدارت ظهرها لي في الحريقة ومضت مع زوجها وضرتيها الهرمتين باتجاه سوق الحميدية ، فدعسوقة الحظ تنام في راحة كفي هانئة ، و تشاركني أسرار الضحية الجديدة أولا بأول . صحيح أنها التفتت لثانية ، ونقلت لي اشارات الحيوية والشباب وسببت لي غصة واضحة في حلقي . كأنها كانت تقول لي إنها تختلف عنهن . أو كانت تفصح عن غنج لايمكن أن يصدر إلا عن صبية في نهاية ربيعها الثاني . فهمت من اشارتها أنني يجب أن أظهر هنا بعد سنة بالتمام والكمال،فهي ستعود برفقة زوجها فقط من دون ضرتين وبهارات يمنية ورتاجات معطلة للجسد. وسأقف هنا بانتظار أن تحنو على قشرة العود التي رنت على أرض حيّ الحريقة  . ولكن ماذا لو لم تعد ؟ سألت نفسي مراراً . لما لا أجد طريقة أخرى في البحث عنها .مرور سنة يعطي للعلاقة أبعادا غامضة لايمكن التكهن بها . سأغذ الخطى وراءها . لن يهدأ بالي أو خاطري قبل أن ألتقي بها مجددا . أبلغت  خلو بقراري ، فضحك واعتبرني عبيطا . وأخذ يقهقه حتى اغرورقت عيناه بالدموع . ثم غادر الطاولة مسرعا من دون أن يقدم تبريرا ،أو ينهي كأس قهوته المعتاد ، لابل ترك صحيفة ( النبأ الجديد )  أمامي وأوصاني أن أقرأ فيها مقالة عن مسلسل تلفزيوني كان قد كتبه وأخرجه منيف اللحام ، فقد بدا أن أمرا شغله فجأة ، وأنا لم أسأله أن يقدم تفسيرا لإحدى شطحاته الجديدة ، فهو ربما تذكر موعدا مع صبية جديدة ، وبما أنها لم تقصد المقهى مباشرة لتلتقي به ، فهي على الأغلب تجيء من ريف بعيد ، ولاتعرف طريقها إليه ، وهو لن يوفر جهدا ليكون معها الآن ، في شقته المطلة على شارع الهاني ، فهو يختصر الطريق إليها . وأما فنجان القهوة فلن يختلف طعمه في شقته عن طعمه هنا في المقهى حتى لو صنع من أفخر أنواع البن البرازيلي التي يحرص على احضارها معه من مدينة شتورة اللبنانية .

غاب  خلو وترك ظلاله على الطاولة تتحرش بي . أنا لم أقل له من قبل إنني لم أعجب بالمسلسل الذي كتبه . لابل أنني لم أعجب بأي شيء كتبه للتلفزيون . وكنت أشعر بالحيرة أمام رواياته ومقالاته وكتاباته الأخرى ، فهي تحوي مخزونا معرفيا وفكريا لايستهان به . أما المسلسلات الدرامية التي دأب على كتابتها منذ عقد ونصف ، فلم تكن تعلن عن وقوف كاتب رفيع وراءها . وكان أحيانا يلتقط حيرتي حين يسألني رأيي في مسلسل له يعرض على محطة فضائية خليجية ، فأبرطم ببعض الكلمات ، ويبتسم هو ساخرا :” نعم نحن نكتب للكسالى ، ولهذا أوثر أن أبتعد بمشروعي الروائي عن التلفزيون ، فالكتابة له تعني المال . نحن  لانقف أمام مشاهد ذكي ونشاركه مرآة التوجس والاحتمالات المفرطة . نحن هنا نتربع على عرش الشبيه مثل المجانين “. وكان يقطع فكرته دائما دون أن يكملها . ولم يتعب نفسه يوما بتوضيح فكرة عرش الشبيه . ولكن من المؤكد أن  خلو  يعيش ثنائية قهر فريدة من نوعها ، مثل كائنات أخرى تقف على بعد مسافة من الفكر والتلفزيون وتتبضع ، ولها هموم في التسوق والانتشار عبر شاشة ( الأخ الصغير ) ، لأن مائة رواية مكتوبة لن تدخلنا في ذاكرة الشبيه ياصديقي . كان يردد ساخرا وضاحكا ، وكنت أعتقد أن قصة  نورسين المذحجي  تستحق أن تكتب للتلفزيون . نعم تستحق . فالشبيه الذي يرفض أن يفسره  خلو  لي يمكن أن تفسره  نورسين  من وراء نقابها . نعم يمكن ببساطة ، لأن العرش الذي أبحث عنه يكمن ببساطة في وجه الزوجة اليمنية الثالثة . وقفت فجأة . وضعت الحساب على الطاولة وآثرت الانسحاب . فهمت معنى أن أتغلغل في وجه أنثوي غامض من وراء جدار يبدو لي كلما عاينته أشد غموضا من الكائنات التي رسمتها لي وداد في مقهى ( ستاربكس ) البيروتي يوما ، حين لم تستخدم حجابا معي من أي نوع ، وحين كانت تقلم أظافرها ، وتعلمها على الصمت ، والركون إلى مراوغة الرجال ، كلما سقط واحد في شركها . سأكتشف مع  نورسين المذحجي عرش الشبيه . ولن يقف خلو في طريق اكتشافي بسخريته المعهودة . سأنتظرها عاما كاملا . ولن أقف على فوارق في اللغة وحفظ أسرار النقاب لمن لاتستحق . ووداد لم تعد تبعث على الذكرى أو على فوارق لفظية تشتعل في التأويل من خلف النقاب. و خلو  الذي كان يتلمظ كلما رأى صورة لها على شاشة كومبيوتري الشخصي المحمول كان يعرف أن علاقتنا إلى زوال . ومع ذلك لم يكن يقف عند فكرة أطلقتها يوما : من لم يعش مع وداد لم يختبر النساء .غابت وداد ، وغابت نورسين المذحجي ، وبقي نقابها الأسود الصيني المقلد يتطاير أمامي كلما مرت حمامة بيضاء من أمام نافذتي . وغاب صراخ زوجها  على البائع السوري العابر ،ولم يبق منه سوى اصراره على الظهور رجلا صارما أمام زوجاته .غاب خلو أخيرا . منحني اجازة غير مكلفة له . أما الدعسوقة الحمراء ، فكانت تخرج لينة ورطبة هذا المساء من شق في عود الخيزران ، وتصفق بجناحيها الحمراوين المبقعين بنقاط سوداء معلنة عن قدوم ربيع ثان في سنة واحدة . هذا لم يحدث من قبل .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فجر يعقوب

روائى ومخرج فلسطينى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فصل من رواية: “نقض وضوء الثعلب – تحت الطبع

ــــــــــــــــــــــــــــــ

 

خاص الكتبة

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق