نهايتي .. في جسم شخص سواي

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

كنا قد قدمنا من قبل قصيدة للشاعرالنمساوي جونتر آيخ، كتبها على الأرجح في فترة اعتقاله أثناء الحرب العالمية الثانية، أو أثناء وجوده كجندي في الميدان قبيل اعتقاله. جونتر آيخ اليوم عنوان قصيدة لشاعر أمريكي، كتبت بعد عقود من انتهاء الحرب، وبعد عقود من وفاة جونر آيخ نفسه عام 1972.

القصيدة للشاعر والمترجم الأمريكي فرانز رايت، وعنوانها "أعمال جونتر آيخ المنتحلة". فرانز رايت كما أسلفنا شاعر ومترجم أمريكي، صدر له في عام 2007 كتاب يضم أعماله الشعرية الأولى غير المنشورة، وكتاب بعنوان "الفندق الدوار" وكتاب بعنوان "السمكة" وآخر بعنوان "عنوان". وكأنما كان 2007 عام فرانز رايت في أمريكا.

في عدد خريف 2008 من مجلة "فيلد" الأدبية الأمريكية نشر الشاعر قصيدته التي نقدمها هنا. وهذه المجلة تصدر مرتين في العام، في الربيع والخريف، منذ عام 1969، مخصصة للشعر والتنظير للشعر.

***

أعمال جونتر آيخ المنتحلة

فتاة جميلة تطلب مني

توقيعي.

يا للبهجة!

إلا أن

سيجارتها

هي التي تريد توقيعي

عليها.

ومن بعد، تشعلها

وتقول: فَكِّر

وأفكر

وإذا بي لوهلة

أسعد رجل عرفتُه في الوجود

لقد رأيت نهايتي

ورأيتها في جسم شخص سواي

في شهيق

ووحي جميل.

***

لنتخيل المشهد: فتاة، بل فتاة جميلة، تقترب من شاعر. أحسب هذا كافيا ليشعر الشاعر بالسعادة. ولمزيد من هذه السعادة، تطلب الفتاة توقيع الشاعر، فهذا انتصار مؤكد. لا بد أنه أخرج القلم، وبدأ يفكر فيما سيكتبه أعلى توقيعه، وإذا بها تطلب منه أن يكون التوقيع على السيجارة، فيفعل، ثم إذا بها تشعلها.

أحسب أننا بعد هذا المشهد، سوف ننسى الشاعر، ونبقى مع هذه الفتاة، هذه المرأة التي يصعب وصف ما فعلته في الشاعر. أهي استهانت به، وبالشهرة، وبالفن، وبالخلود؟ أم أنها ملهمة من ملهمات الشعر، أرادت أن تلقن الشاعر درسا صغيرا، أو تمنحه فكرة قصيدة جميلة، أو تنبئه بأن الشعر لا يرضى للشعراء بحفلات التوقيع؟

بقدر ما كان الطلب لاذعا، وربما مهينا، بقدر ما كانت الاستجابة فورية ومؤكدة وخالية من أي تردد: وقّع الشاعر على السيجارة، كتب اسمه بقلمه على ما اشتعل بعد برهة غير تارك إلا الرماد. ولم تكن هذه الاستجابة السريعة إلا لأمر الجمال، لأمر فتاة، فتاة جميلة.

ويبقى أن في عنوان هذه القصيدة اسم الشاعر “جونتر آيخ” الذي رأيناه في قصيدة سابقة جنديا في ميدان القتال، يحفر اسمه بمسمار وصفه بالنفيس على طبق معدني. لقد ألمحنا في قراءتنا لقصيدة آيخ إلى أنه أراد أن يجعل اسمه على مادة أقوى من جسد الإنسان، مادة يحتمل أن تبقى بعد قصف ينهي الوجود البشري نفسه.

هنا، شاعرنا، وبأمر من الجمال، يكتب اسمه على مادة أضعف من الجسد البشري، وأضعف بكثير من المعدن. وفي حين اطمأن جونتر آيخ إلى كتابة اسمه على الصفيح، اطمأن أيضا فرانز رايت حين كتب اسمه على الورق.

اطمأن الأول ببقائه بعد موته، واطمأن الثاني ـ وهو منتحل شخصية الأول ـ  لأنه رأى بعيني رأسه كيف يمكن أن تكون نهايته، أو خلوده. كيف يمكن أن يدخل مع النفس إلى جسد آخر، وهو بالمناسبة جسد امرأة، جسد قابل للبقاء في أجساد بشر آخرين تتخلق فيه. لعل هذا ما جعل من راوي القصيدة، أو الشاعر، أسعد رجل عرفته في الوجود.

لا ذكر في القصيدة لمفردة الخلود، ولا ذكر لقدرة جسد المرأة على البقاء في أجساد أطفال تنجبهم. ولا ذكر لجونتر آيخ وهو يحفر اسمه على الطبق المعدني. غير أن ثمة إشارة إلى النهاية إذ تتحقق في شهيق، وفي وحي جميل.

وتلك إشارة بقدر خفوتها، توحي ربما بكل ما شطحنا إلى رؤيته في القصيدة. لقد كان بوسع مترجم هذه القصيدة أن يستخدم مفردة الإلهام بدلا من مفردة الوحي. ولكن صبغة القداسة هي التي غلَّبت اختيار كلمة الوحي.

أي نهاية تلك التي يتكلم عنها عندما يكون ثمة وحي جميل، إيعاز بقصيدة هي برغم كل شيء تبقى، ويطول بقاؤها ليتجاوز قدرة كاتبها نفسه على البقاء.

لقد رأينا في قصيدة جونتر آيخ أنه كان يكتب قصائده بالقلم الرصاص، بينما يحفر اسمه على المعدن، واعتبرنا أنه أحرص على بقاء اسمه من حرصه على بقاء قصائده. فهذا محفور في المعدن، وتلك مكتوبة بالرصاص. ولكن القصيدة السابقة، والقصيدة الراهنة، ومجلة الشعر التي نشرت قصيدة جونتر آيخ، ومجلة فيلد التي نشرت قصيدة فرانز رايت، كل هذه الأشياء تقول ما الذي بقي، الاسم المحفور في المعدن، أم القصيدة المكتوبة بالرصاص.

 

مقالات من نفس القسم