نصوص

عبد الرحيم التدلاوي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

عبد الرحيم التدلاوي

1 ـ وحول

كان الصراع بيننا محتدما، تشتعل ناره ولا تنطفئ إلا بانطفاء المواجهة، وقليلا ما تنطفئ إذ يمتد لهيبها إلى جدران الحي الذي يتحمل بشهامة صبيانياتنا، وسبابنا العاهر..
كان يمتلك الكرة، وهي رأسماله الذي به يستقطب الأصحاب، ويبعد الأعداء، وحين لا يجد بدا منا لنواجهه، يسمح لنا باللعب بكرته العزيزة، لكن، بأن نكون خصومه، وهو يبغي من وراء ذلك هزيمتنا؛ والهزيمة تعني التنقيص منا، ومن رجولتنا.
يدرك جيدا أنني أمتلك سلاحا شديد المفعول يتمثل في تفوقي الدراسي بينما هو لم يستطع مواصلة دراسته، إذ بعد ثلاث سنوات تم طرده. كان يرهبني ويعرف أنني أتفوق عليه ليس فقط في الدراسة ولكن في قدرتي على صياغة جمل هي بمثابة شعرات تزري بالخصم تستمد مفعولها من السجع الذي لا يتفنن فيه غيري بحيث تتناقله الألسن، وتطرب له الأسماع بالرغم من فحشه. أتسلل ليلا إلى سطوح الجيران، وأكتب بخط واضح هجائي، غالبا ما يكون مدمرا..وأتجنب أن يعلم أبي بما تقترفه أناملي حتى لا ينزل بي غضبه هو الرجل المحافظ الذي علمنا مكارم الأخلاق.
كنت عدوه اللدود لمدة طويلة سعى إلى إذلالي بشتى الطرق، ففشل وتفوقت عليه. وكما قيل “لامحبة إلا بعد عداوة”، فقد صار أصدق أصدقائي بعد أن كبرنا، ونحن نجلس في المقهى كنا نضحك من شغبنا الفاضح باسترجاع هذه القصة التي جعلتنا نسخر من أحداثها، وكنا، ونحن نرتشف القهوة، ننظر بحسرة إلى الفضاء العام وقد امتلأ بالنساء الصغيرات والكبيرات. قال لي:
لو ظهرت الأنثى في حينا ونحن صغار، هل كنا سنقوم بتلك الأفعال البليدة؟
قلت له:
كن سيرطبن جفافنا !كن سيهذبن صلفنا ويعدن إلينا براءتنا ! لكن الماء كان بعيدا عن الشفاه !
صعب جدا أن تكون ذكرا في مجتمع يتقاتل فيه الناس أيهم يكون في القمة، ليخسف بالآخرين إلى الحضيض. صعب جدا أن تظل ذكرا في مجتمع يزري بالضعيف؛ فمن نجا من الذئاب، التقمته الأقبية، ومن نجا من الأقبية التقمه إما الصمت أو الهجرة؛ وهما معا فقدان رمزي للذكورة..
ملعب المقابلة شبيه بميدان قتال، المنتصر فيه هو الرجل، والمنهزم عليه أن يتحمل كل الصفات القدحية، وأشدها فتكا أن ينعت بالمرأة.
وكثيرا ما امتد هذا الصراع إلى أمكنة أخرى، وبخاصة المظلمة، والبعيدة عن الأنظار، حيث يدار صراع آخر من أجل كسر شوكة الخصم بإخضاعه بحيل ملتوية ليكون المرأة. في تلك اللحظة، يتم الإعلان عن الانتصار، ويتم تدوين كلماته على أسوار المنازل، وعلى حيطان الحي؛ كلمات تؤرخ للحدث، وتشير بالاسم إلى الرجل الذي فقد ذكوريته.
صعب أن تكون رجلا في مجتمع يتناطح ليكون القوي هو الفحل، يحيط نفسه بأتباعه الذين يخضعون له، إما رمزا بإغراءاته المادية البسيطة ومنها الكرة، أو فعليا حين يكون ضمن حوارييه شاب سقط في فخ الحيلة فصار يلبي رغباته، ويسمح لجسمه أن يكون مطية.
الفحل من تمكن من بسط سيطرته ونال من أجساد الغير، والويل لمن خاصمه، ووقف ندا له..
وكانت المقابلات ميدان تجربته، وكثيرا ما انتصرنا عليه، وكسرنا شوكته، لكن حقده الدفين سرعان ما يجد له متنفسا بالشتيمة أو النميمة أو كتابة كلمات نابية في حقنا، وكنا نبادله شتيمة بأقدع منها، وكتابة أفحش من كتابته، وما كنا ندري أننا نتعرى أمام الجميع، وأننا صرنا فرجة مضحكة؛ لقد سبقنا عصر الفيس بوك بأمد طويل، لم تكن تنقصنا سوى الصور تلصق بجانب تلك العبارات الفاحشة التي كانت تجعل كل من يمر بالقرب منها ينحني حتى لا تلوث بصره؛ أبصار انحنت رقابها، الآن، على هواتفها الذكية تلتقط المشاهد الساخنة بكل اطمئنان.
لكزني صديقي وكنت منشغلا بهاتفي وهو يشير إلى فتى وسيم يتمايل بقده : بمن يذكرك؟
بقيت للحظات ساهما، ثم اندفعت على سطح ذاكرتي هذه القصة مرة واحدة، فانخرطنا في موجة ضحك عالية كالنسيان..

***

2 ـ أجنحة

بغرفة ضيقة بسطح عمارة مهملة بضواحي مدينة كبيرة، يوجد شاب يتآكل وحدة، يجلس قبالة حاسوب يرقن قصة عن شاب أعزب في مكان ما من هذا العالم، يعاني الوحدة وغول الوحشة ويحلم بفتاة دافئة الحضور، تبدد غيوم عزلته.
وقصة عن فتاة جميلة في الطرف الآخر من العالم، تحلم بشاب وسيم بفحولة طاغية يشبع نهم أمومتها التي تتآكل بفعل كرور السنين.
ينظر، فرحا، إلى الفجوة المتسعة التي تقف بينهما، ويعمل بحدب على تقليصها إلى أن داعب أجفانه النوم، فتمدد يحلم بيد القدر تصوغ رغباتها، وهو غارق في حلمه شعر بجسد لدن يدفئ أوصاله الباردة، يستمتع باللحظة الفريدة، لكن هبوب ريح متمردة تتسرب إليه خلسة من النافذة العارية تصفعه ليستفيق، فيرى القصتين في واحدة، يضحك ملء شدقيه، وينصرف إلى السطح ليغازل ابنة الجيران التي تطل عليه من نافذة حلمه.

**

طعام جنازتي
في الساحة العمومية عرضت قلبي للبيع، فأعرض الناس عنه..في الوقت الذي اعتقدت أنه بضاعة بائرة، ظهر مجموعة من الشباب الطائش من مختلف الأعمار، وبدأوا يتقاذفونه بفرح جنوني..تبسمت..
نهضت منتعش الروح والجسد، وتوجهت لشقتي خفيفا كظل، وفي غرفة نومي كنت أستخرج، كل ليلة، شاعرا من الذين جعلوني أسبح في نهر الحب والخيال، وأقوم بتعذيبه قبل أن أجهز عليه..
في عملي، لم أكن أعبأ بصراخ المدير وشتائمه، وتهديداته، كنت أؤدي عملي بميكانيكية وأنصرف، مديرا ظهري للرجل الذي لطالمها استمتع بسبي وبالاقتطاعات التي كانت تطال أجرتي الهزيلة أصلا. أدير له ظهري وأستمتع بغرقه في وحل تسلطه الباهت، وأمشي ضاحكا لأزيد من منسوب غيظه..
وأنا في شقتي، سمعت طرقا سرعان ما تسارع ليصير قويا، فتحت الباب لأجدني أمام امرأة تبسمت لي، وطوقتني بذراعيها وادعت أنها زوجتي، ودلفت إلى الداخل وقالت لي: أعتذر منك عن تأخري، فقد كنت إلى جانب زوجي المريض إلى أن مات ودفناه بحرقة.. تنبهت إلى أنها كانت ترتدي جلبابا أبيض وتضع على راسها خرقة بيضاء، وتنتعل بلغة بيضاء..سرت في جسمي رعشة باردة..
وفي الغرفة، تخففت من جلبابها، ومن بطنها أخرجت دزينة أطفال مختلفي الأعمار، وقالت لي: إنهم أبناؤك. سرعان ما أحاطوا بي باكين، وأنا أنظر إليهم ببلاهة، نهرتهم أمهم وأبعدتهم عني، وقالت لهم بحزم: سنذهب يوم الجمعة للترحم على قبره. ثم مدتني بصحن به عسل وسمن، وبقطعة خبز، وقالت لي آمرة: هذا ما تبقى من جنازتك فكله..!
خرجت من شقتي مسرعا كملسوع وتوجهت إلى الساحة لا ألوي على شيء..
**
تنبيه واجب التنفيذ:
يمكنك، أيها القارئ النبيل، أن تقلب الورقة، ستجدني قد تركت لك على ظهرها كفنا، لف قصتي فيه، وألق به في أقرب سلة نفايات. بذلك ستحرمني من لذة تعذيبك.
**
سندس

في وحدتها بغرفتها خافتة الإنارة، وكلما اعتراها حزن عابر:
لا تتورع عن نزع ملابسها والتعري بكل جرأة أمام المرآة تتملى تفاصيل جمالها طالما أنها وحيدة. وحين تكون في الشارع تخفي فتنتها بخيمة سوداء كالجحيم وترمي المتبرجات بنظرات شماتة وتشف. هي لا تحقد عليهن، ولا على لباسهن الذي يكشف تفاصيل أنوثتهن، بل تحقد على العيون التي تتابع تفاصيلهن بألسنة قرمزية يسيل لعابها، وهي لا تثير في أحد مجرد نبض. تتساءل: كيف توقظ النجوم من سباتها ولا تستطيع إيقاظ مشاعر من تريده؛ رجلا فحلا؟
وتقول في نفسها ثانية همسا كنوع من التعويض أو العزاء سيان: يا حسناء الحسناوات؛ ما أبهاك! لا يضاهي جمالك جمال؛ فأين العارفون؟ أين الصلحاء لينصلح الوقت؟ ما اختل الميزان إلا لانعدام البصيرة!
باركت جسدها براحة كفها من أعلى الاشتهاء إلى أخمص اللذة بتأوهات توقظ الجبال…
هي الذهب الإبريز، فأين العيار؟
تذهب إلى السوق عمدا كل يوم لتتابع مهارة الجزار في تقطيع اللحم، وبقع الدم الشهية على وزرته البيضاء، لكن وجهه العبوس ينفرها، بعكس موظف البلدية الوسيم والأنيق، كلما رآها هش في وجهها وبش مرحبا، يسرع لخدمتها بأريحية، لكنها لا ترى فيه خشونة مطلوبة؛ فرقته وطراوة يده لا يمكن أن توقظ أنوثتها الغافية..
غاضبة من برودة العيون المتكلسة، توجهت صوب حقل يانع السنابل، واتخذت لنفسها مكانا قصيا، وراحت متعبدة، راكعة ساجدة، حتى هدها التعب، فغفت.
مر الفلاح مبتهجا بسنابله، هاجسه كيف يبعد الطيور عن حباتها المغرية، شاهد خرقة من حرير سوداء ملقاة بالقرب، فرح بها وصيرها فزاعة مرعبة.
قالت حين استفاقت: يا ألله !شكرا لك أن استجبت لدعائي !

مقالات من نفس القسم