ميتانويا أو حماس الشباب

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

إسلام يوسف

حماقة وحيدة كانت كافية لتدمير حياتى إلى الأبد، كان ذلك عندما صوّبت على طائر الزرزور وأسقطته قتيلا ببندقية الرش الخاصة بأبى والتى اشتراها له جدى من سوق للأنتيكات فى زيارة خاطفة وغير موفّقة إلى القاهرة.

كنت فى السنة النهائية بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية عندما أُصيب بابا بسرطان المثانة وأصبح يبول لا إراديا وهو نائم فى السرير، فسوّى معاشه وهو فى الخامسة والخمسين ولا أحد معه فى البيت بعدما ماتت ماما وأنا فى السنة النهائية للمرحلة الإبتدائية، كنت ابنهما الوحيد. بعد زواجه فى الرابعة والثلاثين من عمره وبعد شهور من حمل ماما بى جلس مع نفسه فى حجرة مظلمة فى ليلة خريفية أمضاها فى وضع المخطط الذى ستسير عليه حياتى بعد ذلك بجدول زمنى محدد وتقنينات أخلاقية لا أحيد عنها قيد أُنملة.

بعدما أنهى بابا دراسته بمدرسة التجارة توظف فى الإدارة المالية للبنك الزراعى بقريتنا الكائنة بين قرى الدلتا وترقّى تدريجيا حتى وصل لدرجة مدير مالى، وعندما أصبح له دخل ثابت ذهب جدى فى زيارة سريعة لأخيه اللواء فى الجيش ليخطب منه ابنته لبابا غير مفكر ولا واعٍ للفروق الطبقية التى صنعت مساحات فارغة وعميقة فى التعاملات الإجتماعية بينه وبين أخيه الكبير الذى كان يساعده أحيانا مساعدة مالية تأتيه فى حوالة بريدية كل عدة أشهر، انتهى طلبه بالرفض القاطع مع تبريرات ناعمة تنفى وجود أى قطيعة بينهما مستقبلاً.

على مدار سنوات كان جدى يأخذنى فى زيارة خاطفة وسريعة لا تطول أكثر من يوم فى زيارة ودية لأخيه الكبير، راكبين القطار من محطة المنصورة مرورا بطنطا التى كنا نتوقف فيها مدة لا تزيد عن ثلث ساعة نذهب سريعا لشراء الحمص وصوابع الحلوى الرفيعة الملونة أفقيا بالأصفر والأحمر والأخضر ثم نستكمل رحلتنا إلى القاهرة. فى إحدى المرات حضرنا العزاء فى جدو عبد المقصود، وفى مرات قادمة كان يستقبلنا إبنه – عمى الوحيد – وأمه السيدة روحية وابنتها “ثومة” التى سُميّت تيمناً بالسيدة ام كلثوم، والتى كنت أعتبرها بمثابة ماما بعدما انتقلت إلى الرفيق الأعلى. على غير عادة الأطفال تربيت من صغرى على إدمان القهوة سكر زيادة، والتى كنت أطلبها من ماما ثومة أول ما ندخل من باب الشقة بعدما نترك الأسانسير المعمول للعمارة الخمس طوابق التى يسكنون بها فى ميدان المساحة بحى الدقى. كانت ثومة أول ما ترانى تنظر لى بقرف وتشير لى إلى داخل المطبخ فأعمل القهوة لنفسى وآخذها إلى “البلكون” -كما كانت تقول لى بلكنة فرنسية- وأرشف منها متابعا المارة وحركات العربات السريعة والأشجار الواقفة قبالة البناية والمقدمة الصاعدة للكوبرى العلوى وأبكى، كانت زياراتى هذه بداية تدريبى على الفُرجة وتنمية ميلى للعزلة، أُنهى قهوتى وأنضم إليهم على “الأنتريه” فى الصالون ذو الأرضيه “الباركيه” ضامّا يدى فوق حجرى ألوذ بصمت.

 

التحول الكبير

أصبح بابا طوال مراحل عمرى الدراسية يدفعنى دفعاً لتفوق دراسى كنت غير مؤهل له، لم يكن يعلم وقتها أنه يدفعنى للتحول الكبير والسقوط المدوّى فى آنٍ واحد.

حسب رغبته فى التحاقى بكلية من كليات القمة التحقت بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية لأحقق حلم من أحلامه بالعمل فى السلك الدبلوماسى أو موظفا بالأمم المتحدة أو على أقل تقدير موظفا بوزارة الخارجية أو موظفاً ملحقياً باحدى سفاراتنا بالخارج. بعد محاولات عاطفية فاشلة منّى فى مرحلتى الثانوية التقيت بحبى الأول  والأخير فى السنة الأولى من دراستى بالجامعة، عندما رأيتها تلاحق مشغّل الموسيقى على البلاى ليست المعدّة فى رأسى وتوقف على “أكاد من فرط الجمال أذوب” . درست ناريمان فى صغرها فى مدارس الليسيه وتعشق باريس التى أرتنى صورا لها وهى صغيرة على العشب النجيلى الذى تحت برج إيفل وأمام متحف اللوفر وعلى الإخضرار الذى فى قرى نورماندى و فى الخلفية أبنية واطئة ذى أسقف قرميدية ،كانت تلبس البرنيطة وفساتين ذى شرائط فى الخلف وكرانيش أمامية، وتحب آلان روب جرييه وتحفظ مقاطع من نشيد الإنشاد بالفرنسية.

تآلفنا سريعاً وأصبحت لقاءاتنا بالشلّة تتكرر بشكل مستمر فى سيلنترو  المهندسين، وعندما تقاربنا اكثر انتقلت لقاءتنا بشكل سرّى إلى كافيه سكرامنتو الغير معروف نسبيا أمام المعهد الثقافى الإيطالى بالزمالك، حيث إضاءته خافته أكثر من المعتاد ،كنا نجلس فى الطابق العلوى نتحدث على موسيقى هادئة وحالمة، وأحيانا – بل كثيرا- لأن العامل يعلم بأننا نحب إديث بياف يشغل أغنية لها على شرفنا، وفى الحين لا أعلم كيف – يحدث لى كل مرة- أسترجع المشاهد التى كانت تحصل بين عادل إمام وهند صبرى فى عمارة يعقوبيان واللحظة الحميمة فى الرقص وبداية دبيب أرجلها بخفوت ناعم على الأرضية الباركيه للحجرة، غير مفكر ولو لدقيقة أى نوايا سيئة تنتويها هند صبرى للصعود الطبقى غير المحبة الخالصة التى تكنّها للجرامافون العتيق والأيام القديمة.

كان بابا يكتب الشعر شاباً وتقدم به للإذاعه واعتُرِف به شاعراً على مسرح من مسارح ماسبيرو، ذلك كان فى نهاية الحقبة الناصرية، بعد وفاة عبد الناصر وقيام ثورة الثصحيح الأولى، قام بابا  بثورة تصحيح مضادة فتزوج وترك الشعر والقصيدة التى سرقها منه عبد الوهاب محمد  وأحرق مكتبته الصغيرة بما تحتويه من كتب يوسف السباعى و إحسان عبد القدوس حتى نجيب محفوظ وانضم إلى الإخوان المسلمين. رغم ذلك ، رغم ذلك أيضاً كان نسغ إدمان القراءة يسرى فى عروقى ولم تمُت جذوته التى حاول أبى دون نفعٍ اطفاءها.

كانت الكتابة بالنسبة لى مبرر من مبررات الوجود ورد فعل دفاعى ضد السُلطة الأبوية التى حاولت مِراراً التملص من تبعاتها ولكنها ابداً تُمسك بخناقى بلا أى أمل فى خلاص نهائى وحاسم.

بداية سنواتى الجامعية كنت أتردد على أتيليه القاهرة واتحاد الكتاب وأماكن أخرى أثبتت قِدَمَها ولا حداثويتها ورؤيتها الكلاسيكية للأدب والكتابة، فتركتها إلى تجمعات أكثر حداثية وتتبنى وجهة نظر مغايرة مفتوحة على فضاءاتٍ أرحب بعيداً عن الإقليمية المبتسرة، وفى سنتى قبل النهائية – بعد احتفاء غير مسبوق – نشرت مجموعتى القصصية الأولى والأخيرة ككاتب واعد سيثبت جدارته على الساحة الأدبية، على الصعيد المحلى تُرجمت لى نصوص فى الصحف المحلية الناطقة بلغات أجنبية، وفى سنتى النهائية فى الكلية سافرت فى منحة تبادل لمدة عشرة أيام إلى ألمانيا، قدّمت خلالها قراءة فى مدينة “شتوتجارت” ، وعند رجوعى مصر بدأت علاقتى بـ “نانا” فى التفسّخ.

 

نبوءة العمّ بِيَلى

منذ صغرى وأنا لدىّ إيمان بالإشارات والعلامات والتكهّن بما يعقبها من تحوّلات، ودائما تكون تخميناتى صائبة ، حتى أنهم كانوا يلقبّونى بالعرّاف، لكنى فشلت فشلاً ذريعاً فى فهم ما نطق به عم بيلى وكان إيذاناً بتراجعى القسرى بعد تقدمى الصاعد إلى تحقيق ما حلمت به طوال ما مضى من عمرى.

رجعت للقرية فى اجازة من اجازاتى وقادتنى قدمى بدون إرادة منّى متمهلاً بين قوالب الروث الذى يلمع سطحه الخشن تحت ضوء القمر وبرك المياه المتخلفة من المطر لزيارة عم بيلى الذى يعمل حائكاً بالنهار وقارئاً للنجوم بالليل.

طرقت بابه بعد صلاة العشاء، فتحت زوجته وأدخلتنى لحجرته الغارقة فى ظلام، موليا ظهره لى ووجهه قبالة النافذة رافعاً رأسه للقمر ولمدة ساعه أقف وعندما هممت بالجلوس إلتفت وقال لى اجلس فجلست. نظر لى، ثم نظر نظرة فى النجوم وقال إنى أرى قمرين أصفرين يحوطهما ضباب وبينهما شهابُ يسقط إلى حفرة قعرها عميقٌ به ماء. ودون أن يلتفت لى رفع يديه فانصرفت.

 

حفلة البطيخ

كان أبو باسل يملك فيلا أنيقة بالتجمع الخامس غير شقته التى ورثها عن أبيه والتى يقطنون بها فى وسط البلد، دعانا باسل للإحتفال بالتخرج، ركبت مع نانا سيارتها الرينو وتجمعنا فى الفيلا وصعدنا إلى علّيتها بطقم ملابس إضافى وأقنعة للوجه بعيون فارغة مسحوبة على الجانبين وقشرة سطحية ذهبية لامعة، كانت الطاولات مُعدّة بأطباق عليها البطيخ مقطع كل بطيخة أربع قطع، وبين كل طبق وطبق زجاجة نبيذ وفى المنتصف حبوب مسحوقة فى بياض ناصع، كانت كل حاجة محسوبة حتى لا نصل إلى درجة من النشوة تفوق ما نرمى إليه، نظرا لأننا ننتمى إلى عائلات محافظة وفكّرنا بشكل لا إرادى وغير مخطط له بما ينتج عن الإفراط من عواقب وخيمة على أعضاءنا الداخلية والخارجية، كان كل ما نتمناه تحليق لا يتعدى الأرض إلا بسنتمترات قليلة. كانت الأبنية المجاورة تبعد عنا كثيرا مما أعطى لنا الحرية فى تصعيد صوت السماعات الخارجية إلى آخر مداه. بدأ مشغّل الموسيقى بنغمات كلاسيكية هادئة كنا نرقص عليها سويا متشابكى الأيدى، أعقبها الصخب الغير مدروس للموسيقى الكلاسيكية الحديثة، ثم موسيقى أفراح شعبية راقصة ثم الصخب الناعم لموسيقى البوست روك ثم الميتال والهيفى ميتال، كانت تأخذنا قشعريرة غير مبرّرة مع انفعالات جعلتنا نرمى بعضنا البعض بقطع البطيخ التى تتناثر على الأرضية وتترك تشوهات على الحوائط وبلل بملابسنا، ولأننا ما زلنا نعتقد أننا من أسر محافِظة عريقة أصبحت ملامساتنا مدروسة بحيث تكون مجرد احتكاكات ملابس غير مقصودة وتربيتات على ذؤابات الشعر وخلف الرأس عند القفا. لم نصل أبدا إلى درجة التطوّح سيرا أو حتى السكر إلى درجة الإغشاء، تحررت أدمغتنا من العوائق التى تمنعنا من الاسترسال فى الحكى ووُجد بيننا صفاء غير مسبوق جعلنا نتكلم ولا ينتهى الكلام وانفتحت بيننا طاقة لجو من الحميمية لم نصل إليه قبل ذلك جعلنا نتحرر من ملابسنا تباعا وبشكل متحفظ أيضاً لندخل الحمام أحدنا فى إثر الآخر، ننزل تحت الدوش ثم ننتقل للبانيو المُعد بقطع بطيخ مهروسة مخلوطة بمقدار من النبيذ ومسحوق أبيض بمقادير محسوبة أيضا تملأ البانيو حتى حوافه، كلنا يأخذ دوره فى الغوص بكامل جسده عارياً راشفاً ثم خارجا للدش مرة أخرى فلابسا طقم الملابس البديل. بعد تجمعنا النهائى فى الصالون بالطابق الأرضى، شغّل لنا باسل تهويدات تابعة لثقافات مختلفة فبدأ النوم يلامس أجفاننا وتستحلب شفاهنا بعض القُبَل فى تلامس مدروس نظرا لأننا من عائلات محافظة ولا يصح أبعد من ذلك ..يكفى سنتمترات قليلة.

لقاءاتى الأخيرة مع نانا كان يشوبها صفة الأحلام، بمعنى أنى بعد كل لقاء أذهب للنوم وعندما أستيقظ أوقن كل اليقين أن ما حدث أمس حدث فى منامى ولم يكن له صفة التحقق على أرض الواقع، حتى بتّ أشك أن نانا شخصية حقيقية وليست من صُنع خيالى، حتى عندما ألتقيها فى ساحة الكلية أو فى أى مقهى تواعدنا على اللقاء به، كل ذلك كان ينسحب تدريجيا من حيز الواقع إلى أرض الأحلام. بعدما أصحو أشعر أكثر بالحرمان وبأن مساحات صغيرة بدأت تتسع بيننا وتكبر حتى تصل إلى درجة عدم اليقين بالوجود. وفى لحظة كَشْف غير مسبوقة قرّرت أن أقطع علاقتى بـنانا وأضع حدا لهواجسى التى بدأت فى استلاب عقلى بشكل مُمَنهج وغير تقليدى.

 

تحقق النبوءة

أُصيب بابا بسرطان المثانة فتركت كل شىء بالعاصمة ورجعت إلى قريتى حتى أكون بجانبه، وكان محمد ابن خالى يعمل على “التُك تُك” الذى اشتراه بابا قبل أن يسوّى معاشه، بعد إصابة بابا سافر محمد إلى السعودية فحللت مكانه على “الكٌت كُت” كما كانت تدعوه زوجة خالى.

عندما كنا صغارا كنا نحب أن نعمل مقالب فى بعضنا البعض فى الأراضى الخلاء خلف منازلنا ونلعب كرة الشراب أو عسكر وحرامية، وكنت أحب شيرين التى تبادلت وإياها قبلاً بريئة وتواعدنا على الزواج عندما كنا فى مرحلتنا الإبتدائية، لكن تصاريف القدر كان لها تدبير آخر. فرّقتنا السنين وأحبت شيرين “بُرعى” أعز أصدقائى والمصاحب لى فى مراحلى التعليمية حتى المرحلة الثانوية التى لم يُكملها وأصبحت ألتقيه صدفة فى زياراتى المتقطعة  للبلدة.

حاول بُرعى أن يعلّمنى بالمطواة قرن الغزال عندما رآنى أقبّل شيرين حب الطفولة الذى ظننت أننى استرددته بعد فراق تحت شجرة الجميز على ربوة فى طرف البلدة، لكنه لم تطاوعه يده فى تشويه وجهى لأجل فتاة لا تستأهل، فصالحنى على أمل لقاء قريب نسترجع فيه أيام زمان.

أخذت بندقية الرش نوع نوركا أسبانى الذى اشتراها جدى لأبى من سوق للأنتيكات فى زيارة خاطفة للقاهرة، ظل أبى يحوطها بعنايتة من تنظيف الماسورة وتزييتها بالزيت وحفظها فى مكان آمن، وذهبت مع برعى إلى الربوة التى فى أسفلها المسجد الصغير على البحر وأمامه حقل القمح وفوقها شجرة الجميز الوحيدة ببلدتنا، لم أكن أنوى قتل طائر الزرزور، لم أفكر فى ذلك أبدا، كنت أنوى فقط أصابته إصابة طفيفة حتى يتسنى لى إيقاعة والعناية به فى قفص أضعه فى البلكونة، لكنى عند تقدمى زلقت قدمى فى حفرة عميقة عمق كافى لوضع ما يقرب من ثلاثمائة مسمار بأحجام متفاونة تغطيها طبقة من الحشائش، علمت بعد ذلك أن من فعلها لى هو برعى أعز أصدقائى والتى تسببت فى تهتك فى أنسجة الحوض وإزالة أكيدة للخصيتين ومرارة مستفحلة لخيانة برعى…أعز أصدقائى الذى كانت تجمعنا ليالى سمر جميلة فى طفولتنا حول التلفاز  لمشاهدة مسلسلنا الأثير والأبدى ذا بولد آند ذا بيوتيفول.

 

إنبعاث الفينيق

وأنا على فراش المرض كنت أتابع ما يحدث دقيقة بدقيقة على شبكة رصد من اللاب توب، وتأخذنى الحماسة وتترقرق الدموع من عينى مؤذنة ببارقة أمل، كأنما أصعد إلى السماء.

مرت ثلاث سنوات ولم أجد لدموعى أى معنى ومات بابا.

 

 

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق