مونيكا

أشرف الصباغ
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

أشرف الصباغ

كانت جدتي هي الوحيدة التي تحب مونيكا. لم تكن أمي تحبها أبدا. وكانت ترى أنها فقيرة وجسدها ضخم ولا تناسب المقام السامي لأسرتنا الأرستقراطية. لا أدري من أين جاءت أمي بأن أسرتنا أرستقراطية. فأبوها كان عمدة في إحدى قرى وسط الدلتا، وأمها ابنة لتاجر غير معروف الأصل: تارة يقولون إنه من أصول إيرانية، وتارة أخرى يؤكدون أصوله التركية. وقالوا ذات مرة إن أجدادها من الأرمن الذين جاؤوا إلى مصر في أول القرن العشرين عقب مذابح العثمانيين. أما أنا عن نفسي، فلم أكن أرى أي شيء غريب في أمي عن بقية نساء الوايلي الكبير وعزبة الجزارين وحدائق القبة. كل ما هنالك أنها تختلف قليلا عنهن في بعض الأمور: عيونها زرقاء قليلا مثل عيون أمها، وشعرها أحمر بعض الشيء، ووجهها أبيض وأنفها صغير وابتسامتها لطيفة وحنونة للغاية…

الكارثة ليست في أمي فقط، ولكن أيضا في أبي ابن الصياد الإسكندراني أبا عن جد، والمرأة السوهاجية التي كان أبوها يعمل فلاحا أجيرا، وأمها ابنة لشيخ غفر أو رجل يعمل بوزارة الداخلية. وبعد أن انتقلنا من الإسكندرية التحق أبي بشركة حكومية تعمل في مجال النفط، وفتح دكان خردوات، وصار من كبار رجال المنطقة الذين يتمتعون بسيرة طيبة تمنحهم الإمكانية لأدوار اجتماعية وإنسانية ما في حوارينا وشوارعنا الضيقة المليئة بالمشاكل بين الأولاد وبين النساء وأزواجهن.

أسرة عجيبة تعتبر نفسها من الأرستقراطية البائدة، وأن كل حكومات مصر مسؤولة عن تجريدها من أملاكها الواسعة وكأن نسبنا ربما يعود للجد الأول لملكة بريطانيا العظمى. لم يكن يهمني كل ذلك، لأنني مشغول بمونيكا منذ الصغر. وفي الواقع، فمونيكا هي التي كان من الممكن أن نطلق عليها أرستقراطية أبا عن جد. فهي قمحية قليلا بعيون خضراء متوحشة ورموش سوداء منذ الصغر، وشعر فاحم وأنف صغير مثل حبة نبق، وشفتين صغيرتين ممتلئتين.

قالوا إن أمها ليست مصرية ولكن ساقها حظها للزواج من رجل ينتمي لأسرة ربما ألبانية أو مصرية تركية أو إيطالية. كان ذلك واضحا على شكل الأم والأب. ولكن حالهم كان مثل حالنا. لم يكونوا مثل الأجانب الذين تعرضهم الأفلام القديمة، أو أولئك المصريين من أصول أجنبية ويتحدثون بلغة مكسَّرة. كانوا مثلنا بالضبط، ويشبهوننا بالضبط. بينما مونيكا لا تشبه إلا نفسها.

مونيكا كانت تلعب معنا الكرة الشراب في أرض النقراشي بعد أن قطعوا عنها المياه وأزالوا الزرع، وحولوها إلى أرض فضاء تضم عدة مباني، من بينها مسجد ومقام “سيدي غراب” ومدرسة النقراشي الابتدائية، ومدرسة النقراشي الثانوية العسكرية، وبعد ذلك، ربما في سبعينيات القرن العشرين، بنوا مدرسة إعدادية للبنات بجوار مدرسة النقراشي الابتدائية. وكان مبنى المخابرات العامة يحتل موقعا متميزا ويقف شامخا وغامضا في مواجهة سور قصر القبة، بينما له عدة أبواب جانبية يطل معظمها على أرض النقراشي التي تحولت إلى ملاعب كرة قدم لأبناء الوايلي الكبير وحدائق القبة وأرض التوم ودير الملاك ومنشية الصدر، من هواة الكرة الشراب. وكانت تجري فيها دورات رياضة خطيرة، وتأتي الفرق من شبرا والشرابية والأميرية والمطرية والسواح والعباسية لتتنافس على كأس “الأسد المرعب”…

لازمتني مونيكا منذ الصغر. التحقنا بالمدرسة الابتدائية معا في شارع ولي العهد. وفي الحقيقة، نحن تصاحبنا قبل ذلك بسنوات طويلة. ربما عندما كانت أمهاتنا حوامل فينا، لأننا اكتشفنا فيما بعد أن لنا حكايات طويلة ومتعددة حتى قبل أن نولد. ولكن لسبب ما انقلبت أمي على أم مونيكا، وصارت تكرهها وتسعى للقطيعة المطلقة بيني وبين مونيكا. حدث ذلك عندما بدأت مفاتن مونيكا تبرز بحدة ووجاهة، وراحت ابتسامتها تتكون تدريجيا حتى صارت تضيء الكون، وعندما بدأتُ أنا أيضا أنتبه إلى أن مونيكا لم تعد صاحبي الذي يلعب معي الكرة الشراب، وإنما صبية حلوة ذات مفاتن استثنائية أحلى وأجمل من كل البنات الأخريات…

مونيكا كانت تسكن في مساكن السويس الواقعة بين الشيخ غراب وقسم شرطة حدائق القبة. وكنتُ أسكن في أرض التوم عند فرن حسين عراقي. لم تكن المسافة بين بيتينا بعيدة. والبعيد تصله النساء عندما يردن. ولكن عندما يتمردن، فأفسح لهن الكوكب قبل أن يحترق وتحترق أنت وأجدادك معه.

لم تكن تستطيع أن تصحبني إلى سينما هونولولو التي كانت تعرض كل أسبوع ثلاثة أفلام في بروجرام واحد، وكانت مرتعا للصوص والحرامية والنشالين والتلاميذ والطلبة الهاربين من مدارسهم وجامعاتهم، والباعة الجائلين ورجال غرباء يتحسسون أجساد الأولاد في الظلام. كانت تنتظرني في الخارج ونسير معا حتى نصل إلى مدرسة النقراشي الإعدادية في شارع مصر والسودان، والتي كانت تقع بالضبط عند نهاية شارع ولي العهد الذي تدور حوله أساطير وروايات، وبالذات حول الڤلل الكثيرة التي يقولون إنها تابعة للمخابرات، وأنهم شافوا جمال عبد الناصر ذات مرة، وشافوا أيضا بأعينهم التي سيأكلها الدود عبد الحكيم عامر وأنور السادات يدخلونها سرا. وأن هذه الفلل تحديدا هي التي لعبت دورا مهما في إدارة حرب ٧٣ لأنها سرية ومليئة بأجهزة التوجيه والتحكم، بل ومن الممكن أن تكون بها كاميرات وأشياء متقدمة تكشف عمق إسرائيل وأمريكا نفسها…

سينما هونولولو لها صالة شتوية وأخرى صيفية. الأولى لا تصلح أبدا لدخول السيدات والفتيات. وإذا شئنا الحقيقة والدقة معا، فهي لا تصلح لدخول البشر أصلا. ولكن هكذا شاءت الظروف، وأصبحنا وفقا للعرف ندخل نحن معشر الرجال والصبيان إلى الصالة الشتوية. وعندما يحل فصل الصيف يفتحون الصالة الصيفية التي كان من الممكن أن نلمح بين الحين والآخر رجلا ومعه امرأة وطفلا أو طفلين على سبيل المثال. وكان الجميع ينظرون إليهم باحترام وتوقير ويفسحون لهم الطريق. لا أدري، ماذا كان من الممكن أن يحدث لو كان الأمر في الصالة الشتوية المظلمة والمليئة بالحشرات ومصاصة القصب ورائحة البول والأيادي الكثيرة الطويلة التي تتسلل في الخفاء إلى أماكن مرعبة في أجساد الصغار والكبار.

في كل الأحوال كانت سينما هونولولو أرحم بكثير من سينما “فنتازيو” في الجيزة والتي حكى لي عنها ابن خالتي عيد حيث وصفها بـ “الفشيخة”، وأن أرضها وجدرانها من الداخل على المحارة. وفي وسط الصالة بركة طين تشبه البئر. وقال، ضاحكا، إنها كانت غويطة للغاية وكأن صاحب السينما حفرها خصيصا لكي يشرب منها. وتحولت ملامحه إلى الجدية وقال “وربما تكون فيها تعويذة سحرية، لا أدري. لكن كل ما رأيته أنه كانت هناك بقرة تقف على جانب المدخل وبجوارها عدد لا بأس به من المعيز”. وقال عيد ابن خالتي أيضا إنه لم يكن بها شباك تذاكر، فالإنسان يدخل ويجلس مباشرة. وعند الخروج يدفع ثمن التذكرة. وأقسم لي بالله، أنها سينما عبقرية وتعرض أفلاما مهمة بالألوان. ولكنه استدرك قائلا: “كل ما هنالك أن شاشه السينما باهته قليلا. ولكي ترى جيدا يجب أن تكون تكون مِكَمْيِك”. وأوضح لي أن مصطلح “مِكَمْيِك” يعني أن تضرب شريط “أباتريل” و”زجاجة توسيفان”. وأضاف بأن هناك “ديلر” في الداخل، يأتي إليك ليسألك: “عاوز تتفرج على إيه ياد، أكشن ولا ذعر ولا عجوة؟”. وأوضح لي أن مصطلح “العجوة” يعني أفلام جنسية. ثم يسألك مرة أخرى بأدب وفي همس عما إذا كنت تحتاج إلى أي شيء آخر. وحسب طلبك، يعطيك ما تريد: وكان الجميع في الغالب يطلب “بورشام”. هكذا نطقها عيد ابن خالتي، وتعني “حبوبا مخدرة”.

قال لي عيد ابن خالتي، إنه كان متضايقا ذات يوم، وقرر دخول سينما “فنتازيو” للتخفيف عن نفسه قليلا، وكان العرض يومها “أباتريل” هندي بالكامل يجمع بين الرعب والعجوة، حسب وصفه. وأضاف: “دخلتُ وقعدتُ على مصطبة من الجير، وبدأ الفيلم. جاءني الديلر وسألني ماذا أريد. قلتُ له أريد سيكو. قال لي، إنه لا يوجد سيكو، ولكن يوجد فقط بورشام وتوسيفان ووليرين. قولتُ له شكرا أنا عندي مشكلة في التنفس وعندما أشرب، أبكي. وبدأ الفيلم”. راح عيد ابن خالتي يستطرد في وصف الأحداث بدقة وبالتفصيل. وقال إنه بعد بداية الفيلم بقليل، بدأ الحضور يسخن. وكانت أول لقطة لحسناء والبطل “دارميندرا” يخلع ملابسه ويقفز عليها. وتعالت الأنفاس وأصوات الهياج. ترك مشاهدة الفيلم وراح يراقب ما يحدث حوله. وإذا بالمشاهدين يقفون طابورا. وكلما تأوهت البطلة وقالت “نااااااهي ناااااهي” يتجه الأول إلى وسط الصالة ويُنْزِل بنطلونه، ويقذف في المكان المخصص لذلك، وهو بركة الطين. وبعد ذلك يتجه إلى الباب المؤدي إلى الممر الذي تقف فيه البقرة والمعيز، فيدفع ثمن التذكرة وينصرف. وضحك عيد ابن خالتي وقال، إن هناك بعض الشباب من أصحاب الفولت العالي الذين لم يكن يكفيهم القذف مرة واحدة في بركة الطين، فكانوا يسحبون معزة ويجرونها إلى أحد الأركان البعيدة، ويفرمونها. وأوضح ضاحكا أن مصطلح يفرمونها، يعني أنهم كانوا يمارسون الرذيلة معا بقوة. وبعد أن ينتهوا من ذلك يضربونها بقدمهم وينصرفون. وضحك عيد مرة أخرى قائلا: “نسيتُ أن أخبرك يا ابن خالتي، أنه في أحيان كثيرة كان الشخص الخارج، وبعد أن يدفع ثمن التذكرة، يتجه إلى باب الخروج. فيجد الأجواء مظلمة قليلا، وأمامه ما يشبه الدَرَج. كان قدامى المشاهدين الذين لديهم خبرة عميقة بهذا الموضوع، يقفزون بهمة ونشاط وهم يحمون رؤوسهم وأقفيتهم ويجلسون في أول منطقة يمكن أن يقرفصوا فيها. أما المستجدون فكانوا يقفون ليستطلعوا الأمر، فكانت الأكف والأرجل تنزل عليهم من داخل عربة الشرطة التي تقف بظهرها في مدخل باب الخروج”..

لم يكن من الممكن أن تدخل معي مونيكا الصالة الشتوية في سينما هونولولو، على الرغم من أنها ليست إطلاقا مثل سينما “فنتازيو”. ولكن عيد ابن خالتي تسبب في عقدة نفسية أصابتني بهذا الصدد. فكانت تنتظرني بعد انتهاء الثلاثة أفلام في بروجرام واحد بالقرب من الناصية المواجهة لباب الخروج. كنا نسير قليلا حتى شارع مصر والسودان، ونعبره متجهين إلى بيت جدتي الذي يقع على الناحية الأخرى من مزلقان السكك الحديدية الذي يسير عليه قطار كوبري اللمون في اتجاه رمسيس وباب الحديد. كان بيتها أمام محطة “منشية الصدر”، قريبا من جامعة عين شمس، ووراءه شارع صلاح سالم وجامع جمال عبد الناصر. وفي مواجهته كانت الكنيسة الكبيرة التي تقف منذ زمن طويل كما هي على الناحية الأخرى من خط السكك الحديدية، بينما تتكاثر حولها الجوامع والزوايا ومحلات الكشري والسمين. وكانت جدتي تمنعني من تناول أي أطعمة خارج البيت، وبالذات عندما أكون ذاهبا لزيارتها مع مونيكا. كانت تغريني بكل الأكلات التي أحبها منذ الصغر. واكتشفت أنها كانت تسأل عن الأكلات المفضلة لدى مونيكا لكي تغريها هي الأخرى، وتبعدها عن أكل الشارع. ومع ذلك كنا نتناول سندوتشات المفتقة والطعمية الساخنة قبل أن نروح إليها. وكنا نكذب، وهي تبتسم في خبث وتقدم لنا الرز باللبن والزبيب والمكسرات.

حركتنا غريبة وحياتنا أغرب: بين قسم شرطة حدائق القبة، ومبنى المخابرات، وقصر القبة شخصيا، وشارع ولي العهد المليء بمباني وڤلل غريبة مظلمة منذ فتحنا أعيننا على هذا الحياة. وفي مطلع الثمانينيات ازداد الطين بلة، حيث هجمت الأموال الخليجية في شكل استثمارات، ونجحت في تربية وتسمين الطوابير الخامسة والأفاقين والنصابين ومصاصي الدماء. وفجأة بدأت البلدوزرات والرافعات والحفارات تعمل في أرض النقراشي من جهة، وتعيث فسادا في الأراضي المجاورة لمبنى المخابرات من ناحية المطرية والسواح من جهة أخرى. وخلال عدة سنوات، نمت مباني ضخمة وارتفعت عمارات فخمة، وقسموا المنطقة إلى مساكن السعودية، ومساكن الكويت، وشارع الشيخ نايف، وحارة زينب بن أبي سفيان، وعلت المحلات والدكاكين أسماء غريبة من قبيل مكة والمدينة وعمار بن ياسر والخليل والهادي والتوحيد…

كبرنا. وصارت مونيكا أجمل فتاة في شرق القاهرة وشمالها ووسطها، وربما في بر مصر بالكامل. لا شيء كثير على إرادة الله. وعندما يشاء الله يقول للشيء كن، فيكون. وكانت مونيكا. تحولت شفتاها الممتلئتين إلى شفتين مكتنزتين. واستحالت نظراتها الطفولية البريئة إلى نظرات أكثر براءة ولكن لفتاة تراود البراءة عن نفسها. كانت مونيكا تشعل الكون وتشعلني إلى أن أنهينا الجامعة، وتركنا بصماتنا في تاريخ جامعة عين شمس، وفي دفاتر وذاكرات كل من قابلنا أو التقى بنا. ولكن ماذا أفعل مع أمي التي لا تزال ترى مونيكا وأهلها أقل منا، ولا يرقون إلى مستوانا. بل وكانت تتعمد أن تذكر الاسم الذي أطلقته على أبيها سرا في البداية ثم شاع وانتشر. كانت تقول لي إنه من شدة فقره وبخله أطلقوا عليه اسم “بَلوشي”. وتظل تردده، وتغنيه بكل الطرق حتى جعلتني لا أطيق ذكر هذا الاسم أمامي.

“بَلّوُشي”- نجحت أمي في وصم والد مونيكا لكي تبعدني عنها. فنشرت شائعات حول فقره، وبخله، وزلنطحته، وتواكله، وهوايته اللعينة في النصب على الناس وحب الحياة “البلوشي”، أي ببلاش ومجانا وبلا مقابل… ولكن ما شأني انا، هل سأتزوج من أبيها؟ وفي الحقيقة، لولا أنها تحبني حبا عظيما، لتركتني وبصقت علىَّ وعلى والدتي وعلى منطقتنا بالكامل، وتزوجت ابن الرئيس أو على الأقل ابن رئيس الوزراء، أو أي ممثل أجنبي، خاصة وأنها كانت تهوى التمثيل وعروض الأزياء. وذات مرة همست لي بأحلامها حول العودة إلى إيطاليا، فسألتها لماذا إيطاليا، فقالت إنها مسقط رأس جدتها لأمها. عندها فقط أدركت لماذا هي جميلة ورائعة. فأطلقتُ عليها اسم “مونيكا بيلوتشي” الذي سيكون في المستقبل اسمها الذي ستشتهر به في جميع أنحاء العالم. أما هي فقد فرحت، وطارت من الفرح عندما سمعت اسمها الجديد، ولم تكن تعرف أن لأمي الفضل الأول في إطلاق هذا الاسم، وأن أمي تحديدا دونا عن أي إنسان آخر هي التي تستحق الشكر.

وذات مرة كنا متجهين إلى بيت جدتي ومزاجنا رائقا وأرواحنا في غاية السكينة. كنا ببساطة نريد أن تكون جدتي هي أول إنسان على وجه الأرض يعرف أن مونيكا ستسافر إلى إيطاليا لتعمل عارضة أزياء. وسألحق بها بعد أن أدبر أموري. وأردنا أيضا أن نخبرها أننا اتفقنا على الزواج بمجرد أن ألحق بها، وتستقر أمورنا. غير أننا اكتشفنا ونحن ننتظر جدتي في البلكونة بالطابق الرابع أن أيا منا لم يقل للآخر، طوال كل هذه السنوات، أنه يحبه. كانت مفاجأة غريبة ومثيرة ومحرجة ومخجلة. ورغم جرأة مونيكا التي تضفي عليها مسحة إضافية من الجمال، إلا أن خجلا غريبا كسا وجهها وملامحها عندما أمسكتُ بيدها. كان من الطبيعي أن أعترف لها أنا أولا بحبي كعهد صادق وأمين على أن أحبها مدى الحياة وألا أخذلها أو أخونها أبدا أو أتخلى عنها. ضحكنا في خجل، ووقفتُ أمامها. أمسكتُ بيديها. أخذتُ نفسا عميقا، بينما أغمضتْ هي عينيها، وراحت تتنفس بعمق وصعوبة حتى أن حركة صدرها بدأت تثيرني، فبحلقتُ في نهديها بشدة وكدتُ أنسى اتفاقنا. ويبدو أنني تأخرتُ عليها، ففتحتْ عينيها مندهشة، وابتسامةٌ غريبة على وجهها. انتهزتُ أنا الفرصة، وأغمضتُ عينىَّ وقلتُ لها: “أنا باحبك أوي يا مونيكا من وإحنا صغيرين”. شعرتُ براحة غريبة، وتملكتني حالةٌ نادرةٌ من البهجة والخفة وكأنني سأطير حالا وأحلق في الفضاء. وعندما فتحتُ عينىَّ، لم أجدها…

مقالات من نفس القسم

تراب الحكايات
محمد سالم عبادة

مُواء!