من مكانٍ بعيد

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

لؤي حمزة عبّاس

كان قد بذل جهداً في إعادة الحياة إلى الشقة فور شرائها، دفع للعمال بسخاء فكانوا يحضرون قبل موعد العمل، كهربائيون ونجارون وعمّال تأسيسات مائية، يقفون أمام الباب بانتظاره، يدخّنون ويتحدّثون، حتى إذا حضر وفتح الباب اندفعوا يعملون في وقت واحد.

لم يكن من الصعب تبيّن سعادته وهو يتابع العمل متنقّلاً بين الغرف، محدّثاً الجميع بصوت مرتفع. وكما هو متوقّع انتهى كلُّ شئ قبل الموعد المحدّد، جاءني عند الغروب بسيارته، وفي الطريق إلى الشقة حدّثني عن ألوان الغرف، طيور ورديّة صغيرة على مساحة واسعة زرقاء، إنها غرفة النوم، طبعاً طبعاً، ما أن تدخل حتى تحسّها تحلّق من حولك. نقر بأصابعه على المقود وتحدّث عن سيراميك الحمّام، لا أحب الأبيض، تعرف ذلك، أخضر خفيف لامع كأنك تستحمُّ في بستان. المرّة الأخيرة التي رأيته فيها كانت مع زيارة التهنئة بالسكن الجديد، انشغلت عنه بعدها، نسيته ونسيت الشقة بطيورها وبساتينها.

منذ أيام رنّ الهاتف قبيل الفجر، نظرت إلى الجهاز قبل أن أستوعب أن أحداً يتصل في مثل هذا الوقت، وأن عليّ أن أرد. كان صوته ضعيفاً لا يكاد يُسمع كأنه يحدّثني من مكان بعيد، سألني إن كنت مستعداً لشراء الشقة.

ـ أية شقة؟

 سألت، ولم أكن قد صحوت تماماً.

ـ شقتي.

ـ شقتك؟

ـ نعم شقتي، ركّز معي أرجوك، لن نختلف أبداً.

بعد يوم واحد أو يومين وصلني خبر موته، احتجت بعض الوقت لاستيعابه كما لو كنت ما أزال في غفلة النوم، وفكّرت في اتصاله الغريب.

 

 

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق