من ذاكرةٍ تخشى الضياع

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

 

إنجي الطوخي 

15 محمد على –عز الدين عمر

الهرم ــ الجيزة

عزيزتى آية تحية طيبة وبعد

 

قررت أن أكتب إليك أول رسالة لى بعد أن صارت لقاءنا أشبه بخيال لن يتحقق أبدا، منذ عام ونصف لم أراك، أحصيها 547 يوما ونصف بالتمام والكمال منذ جلسنا سويا فى أحد المقاهى فى ميدان التحرير وأخبرتك أننى على وشك الولادة كنا نضحك ساخرات من ذاك الطفل الذى لا يريد أن يأتى وأن يظل ساكنًا فى رحمى إلى الأبد كأنه يعلم ما الذى ينتظره من مآس، وفى اليوم التالى كنت فى المشفى أعطيه قبلة الحياة.

تظل المسافات هى العائق الأكبر بينننا وبين من نحب يا آية، نعم هى كذلك كأنها سهام طويلة حادة تنطلق فتنغرس فى القلب ولا تتركه إلا بلقاء الأحبة أو يظل الجسد يتلوى من الألم مثل أفعى راقصة قبل الهجوم على فريستها، وفى لقاءنا تبدو المسافات عنيدة، ثلاث ساعات من بيتى إلى بيتك نختصرها فى أسلاك الهاتف، أروى لك فى مكالمات خاطفة بضع قطرات من حالى، وأستمع إلى مغامراتك المضحكة، ولكنها لا تشبعنا ولا تروينا بل هى كالماء المالح كلما شربت منه زاد العطش بحلقى لذا قررت الكتابة إليك! .

غيرتني الأمومة يا آية، عجنتني برحيقها، لم أعد تلك الفتاة الحالمة الشقية، بل صرت قلبًا صغيرًا يسير على الأرض،  علمني الصغير ما لم أعلم، وما رفضت أن أتعلمه، هكذا الأمر بالإجبار، فصرت تلك المرأة التى ترى فى كل تفصيلة فى الحياة معجزة.

شهيقنا وزفيرنا نفسه معجزة يا آية، أن تشاهدى نمو إنسان من لا شئ إلى كل شئ هو أمر نفيس، ندرك فيه قيمة الحياة، ونرى فيه تلاحم الفيزياء مع الكيمياء مع التاريخ والجغرافيا واللغة العربية، نرى فيه فرويد ونيتشه وديكارت، ونرى فيه آنيشتاين ونيوتن والبخاري وابن سينا، نرى فيه داروين ونجيب محفوظ والفراعنة والأشوريين، وآلهة اليونان القدماء.

لا أخفيك سرًا يا آية، بكيت كثيرا خلال هذا العام ونصف، كانت الحيرة والقلق والخوف رفقاء لى أطمئن بهم ويطمئنوا إلىَ، فأن تصبحى أما، كأنك قررت أن تتحولى إلى نهر بلا نهاية ولا بداية، عليه التدفق ليل نهار بلا توقف كى تخضر الحياة على جانبيه، ويحيا من استقر على ضفتيه، عليه أن يقوم بتلك الاندفعات والتيارات فى بعض الأحيان لكى يعيد التوازن لمن حوله حتى وإن كان هو بلا إتزان، هكذا يا آية صرت نهرا بعد أن كنت بحيرة راكدة أنانية لا تفعل شيئا سوى الاستمتاع بحياتها فى هدوء وسكون. .

كيف تتقبلين الحياة فى العاصمة ؟ يبدو سؤالا غريبا ولكن الحياة فى العاصمة قاسية يا آية، مليئة بالأوجاع، هى أشبه بشخص يركض ويركض بلا توقف كأنه فقد بوصلة الطريق، أسألك لأنى أجد الأمر مختلفا فى مدينتى الصغيرة حيث كانت الحياة هادئة، رتيبة بعض الشئ، ولكنها مليئة بالسكينة والدعة، الجميع يعرفون بعضهم البعض، الجميع يبتسمون فى الصباح. فقط يبتسمون بلا سبب، الشوارع صغيرة والبيوت متقاربة كأنها قلوب تربت على بعضها البعض بحنان بالغ، أهلها يعملون فى الصباح الباكر، وفى الليل يستمتعون بالأحاديث والنزهات البسيطة البريئة، أما فى النصف الأخير من الليل فيستقبلون ضيفهم العزيز النوم ويرحبون به بعمق دون قلق من أن يختفى.

أما هنا لا أعلم، لا أستطيع وصف الأمر سوى أن القاهرة صارت اسمًا على مسمى، فلم تعد تقهر فقط أعدائها بل أيضا سكانها، الجميع يركض بلا سبب، الجميع يبحث عن شئ لا أعلم ما هو، وأن توقفت لأسأل خرجت من مضمار السباق أو سقطت لتدهسنى الأقدام بلا رحمة، أستمع إلى حكايات مدهشة ولكن دوما يختفى فيها المعنى ويبقى الزخرف فقط، ذلك الشكل البراق الجميل ولكنه أجوف من الداخل وملئ بعشش عناكب مميتة، فالجميع يبحث عن الإنجازات الرائعة، الجميع يبحث عن المال الوفير، عن الفخامة فى أسلوب الحياة، الشهرة، لكن لا أحد يبحث عن الحب أو الونس، لا أحد يبحث عن الجمال أو عن الحق أو الرحمة أو الخير أو حتى الله لا أحد يبحث عن المعنى الحقيقى للحياة سوى قلة نادرة.

العاصمة يا آية صارت كأنها شجرة عجوز تعانى من التيبس ليس فقط فى فروعها أوجذوعها، بل فى جسدها الخشبى الأسمر ، فقررت حجب ظلها عن المارة وعابرى السبيل –أنا منهم- كمدا وغيظا وأحيانا قسوة، فاختفى التآرز والحب وصار الجو خانقا وقاتلا من شدة الحرارة، والكل يبحث عن نسمة هواء بلا جدوى.

كنت استمع مؤخرا إلى حديث أحد الزميلات حول المبلغ الضخم الذى أنفقته فى شراء حذاء، لقد خلعت الحذاء ببساطة لنرى ورقة السعر الذى رفضت إزالته، لم أستطع الاستمرار فى سماع تلك الترهات فشردت وأنا أتذكر أحاديث أبى الليلة عندما أعود من العمل، لقد كنا نقف سويا لنتنفس نسائم الصباح الصافى، بينما يحدثنى أبى عن حكايات تمتلئ بالحب والدفء والحياة، ثم يتوقف ليشير إلىٍ بضرورة الاستمتاع بجمال شروق الشمس، ولوحة الألوان التى تتلون بها صفحة السماء ببساطة، من الأرجوانى إلى الأحمر القانى إلى الأحمر الوردى إلى الأصفر المشرق كأن الخالق يمن علينا ببضع قطرات من الجمال تمحى ظلمة الحياة وقبحها، كم افتقد تلك الأحاديث يا آية، ففى سماء العاصمة لم أرى شروق الشمس إلا مرات معدودة بسبب تلك البنايات الأسمنتية المتلاصقة القاتلة لمعانى الحياة.

 

عزيزتى ها هو الصغير يبكى، فأتوقف عن الكتابة بلا امتعاض كما كنت أفعل من قبل، أتمنى أن تشفى كلماتى قليلا من ظمآك وظمآى إلى الرؤيا والحديث، أنتظر منك ردا، وحتى وإن لم ترسلى الرد، فستستمر رسائلى إليك، فهى المتنفس الوحيد الباقي لي

قبلاتى وأشواقى إلى إن نلتقى


ا.ح

 

 15 شارع محمد سعيد –جمال عبد الناصر
حلوان 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كاتبة مصريّة

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق