من آخر أيام الإمبراطور ..اللوكس.

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

قصة : عز الدين الماعزي *

أول مرة عرفت فيها (اللوكس)كما يطلق عليه في بيت خالي حين كانت تجمعنا جلسات الصيف كنت انذاك حديث العهد بالتدخين انسل رفقة أبناء الخال  الى مكان ندخن فيه . أما اللوكس فقد كان يجذب السبسي الطويل من تحته ويكمي شقفا او جوج ويسترسل في حديث غير منته رفقة (حميدا) الذي تابعه بانتباه كانت له طريقة خاصة في الحكي كلها حنين إلى الماضي بشكل ملفت لكنه لذيذ وممتع , الجميع ينظر اليه باستغراب وهو يكرر..كاين هذ الشي ..قل ..حياني عل المارووك .

اعرف انه يكذب ويطيل فيه لكن طريقته غريبة جدا ،إنه آلة متحركة من الحكي على يديه عرفت حكايا الغولة ونانا والأميرة العرجا وبوحماره ,,,وكعادة زوجة عمي الأخرى يتهرب من الحكي نهارا خوفا ان يصبح أبناؤه مستقبلا قرعا ..

(اللوكس) ذو ثقافة متوسطة آخر قسم درس فيه هو( البروفي)كانت أصابعه قد أخبرته ان مكانه البادية مكان قاس جدا على أمثاله لمتابعة دراسته يذكر انه كان يشتغل رفقة (التيباري والضو..)عند الشفناج والخضار في رأس الدرب  بالقلعة وكيف كان يحتال لسرقته .كان (اللوكس) ينام في الخيرية وهناك أطلقوا عليه الترانت سيس بارعا في انتحال الأسماء والكنيات كل يوم يعطيك اسما حتى الأبناء اختار لهم أحسن الأسماء ويفتخر بالخنساء وزوهاير ومنية النفوس وسيف ذو اليزان الذي رفض القايد ان يسجله في الحالة المدنية .إنه مولع ويمتز بتيمات صعبة الفهم تبتدئ بالحديث مع الكل وضد الكل ,ظل راعيا للغنم سنوات قبل ان يبدل الحرفة الى حفار عسى ان يجد جرة مملوءة بالذهب واللويز وفيها خمسمائة مليون وآه ,,أياه الجميل ,,خوك يولي واحد خور. .يصرخ وهو يذرع الشارع حافيا .

انقطع عن التدخين ورفض ان يضع جانبا (كوبة) في شفتيه (الفافوريت )السيجارة الرخيصة يحلم ان يضع اليد يوما على المائة مليون ويقول لزوجته إنه حتما سيجد المليون  وأخوه ولو في ضاية (الرحامنه),, مغرم بالجلدة وأخبارها اعرفه متابعا للمباريات الكبرى وكل ماتش  منقول في التلفزة تراه يهجم على الجيران والأصدقاء يكسر الحدود لكي يتمتع بلحظات ولقطات الأخبار عبر القنوات الفضائية ..

ليس له الا الساقية والصبار المتناثر هنا وهناك يبحث فيه عن ضالته, الوحيد الذي توقفت وراءه البقرة وهو يأكل الكرموس  الأكيد انها شبعت وهو مازال , سيتبعه بالكسكس خوفا من إجراء لا تحمد عقباه . يرفض ان ينادوه بالحاج والممرضة ستعمل الكثير والكثير في مؤخرته لتعيده الى طبيعته . الزوايا المحدودبة هي مكانه المفضل والجلوس في الظل قلما تراه يتحدث انه يسترق السمع لكي لا يراه الآخرون ويبدأ التعاليق قال فلان وفرتلان ,,لا تغمض عينه الا قليلا حاضر البديهة يهرب الأفكار تلو الأفكار بعيدا ليس من تعب بل من نعال من ريح ، تراه يجري حافي القدمين ضاحكا مبتسما لم يسبق لي أن رأيته باكيا او حزينا يقول في وجهك .مقودا والحمد لله ..الله ايجيب خمسمائة مليون ..؟

إنه يثير الجدل في كل الأمكنة التي يشتغل فيها وهو عملة نادرة في البحث والجد , مؤخرا ارتدى لباسا ابيض وضع كتبه في محفظة جلدية ودخل المسجد معتكفا يصلي ويتضرع الى الله الواحد الأحد ..كلما سمع إضافة او حديثا او فتوى قال تلك الكلمة التي لا يعرف أحد سرها هل هي استهتار او تهكم او شكر ,,تختفي كل المعاني في نكهة نبرتها التي يصدرها من صدره المتأوه زفرة حارة دائما , مطأطئ الرأس ..آه ..آه ..شوكرااا

إنه شخصية هامة معملية فذة يصعب القبض عليها وبالأحرى فهمها لم يسبق لي ان رأيته متعاركا او متشابكا مع احد فقط كان يطلق نيران جملته الفلسفية .

كلشي لوكس ,,وما ورائي الا البخش.

يومها وفي نهاية كل شهر كان يجمع شرط المسجد يدق على المنازل الصغيرة القصديرية واضعا رجلا في المراح صائحا وافلاااان,,,كاينشي اعشا..

وبخطوه يكون قاطعا المسافة بين العتبة والبهو في أقل من رمشة عين حيث العائلة متحلقة حول براد شاي او إناء كسكس او مرق ..يجرب تناثر كلماته فقط لاستقرار ممكن ، إنه يعبر عن نفس القلق الذي يسكننا بحرارة التساهل في القبض على عناصر مهربة من قدرنا اليومي، كائن مجنح بصيغة التعدد يطير في كل الدواوير المجاورة بإبهامه المبلل بريقه اللزج يفتح كتب الأحاديث النبوية وشرح الكبائر وتهافت التهافت وتفاسير عدة ,,ما يشبه نهرا فائضا ،كل تلك الأشياء الممكنة وغير المحتملة للاقتراب وهو يمسكها باليد التي تلحن بالغريب حتى يؤلمك راسك الصغير فتتمنى أن يسكت وهو بين الجموع الغفيرة في زردة أو صدقة أو ختان ..لا يمكن ان تلتفت إلى الوراء الآن ستلتفت وحدها الريح ,,هل تذكر حين قبض عليه (خو اسعيد) صاحب الأتان في (حنان اضراوي )يعتليها كانت الجملة التي كررها مرتجفا فتية الدوار كلهم شماتة او حبا في فحولته ..

عمرني ما انعاود ابا اسعيد ..هادي والتوبه ..

مثل أبواب مشرعة للقادمين ما يخلق مثلا مساحات للمحو هل يكفي الانسحاب وراء عجلة التاريخ كحبيبات الرمل والجسد هواء فاسد ..

في الليلة ما قبل مرور الموكب الملكي من القرية قرر اللوكس ان يأتي أمرا غريبا ان يسلم رسالة شكاية الى الملك ,زوالا كان في الصفوف الأمامية منتظرا مطلع الموكب وجدها فرصة للانسلال والمرور بين عجلات الدراجات النارية وهو الذي يتقن فن المراوغة والجري رافعا الرسالة الى أعلى وباليمنى يدفع من يقترب منه لم يعرف كيف وصل ولا كيف انسل هاربا ..بعد أيام وشهور جاءت لجنة من العاصمة للبحث والتقصي لكنه هرب بعيدا ليخبر أنهم وجدوا له عملا بالجماعة القروية لم يستسغ البعض الأمر وكيفية الحصول على المنصب وهم لا يهمهم أي شيء ، بدأت المكائد والدسائس للحيلولة دون استمراره طويلا فخرج خاوي الوفاض ..

لم تطمئن نفسه وهو يحرث الضاية باحثا عن الكنز الموعود في الحلم خمسمائة مليون والله كريم وبعدي البخش

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* قاص وشاعر مغربي

 

 

خاص الكتابة

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق