مشاهد مألوفة

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

إيمان عادل

كان الطريق الإسفلتى ضيقاً وضبابياً ، شبيها بالطرق الصغيرة بين القري الريفية الإنجليزية ، ممتلئة بالأشجار والبهجة نهاراً ،  ومصدراً إشعاعيا للرعب ليلاً، ربما كان الاحساس بالرعب نابعاً من برمجة الأفلام الإنجليزية التى تستخدم  تلك الطرق مسرحا للجرائم وعوالم الأشباح ، مع مزيج من الموسيقي التصويرية التى تؤكد على وقوف مصاص دماء خلف رقبتك ، أو شبح ينفث دخانه على خدك الأيسر ولا تقوى من الرعب على الالتفات .

حسنا لم تكن تلك الأجواء المرعبة تشغلها وهى تقود دراجتها البخارية في ذلك الطريق الضيق ليلا ، ذلك الطريق الذي لا يقع بالتأكيد بين تلك القري الإنجليزية ، كانت تنحو بدراجتها ناحية اليسار ، بهدوء ، لأن أضواءً لسيارة فارهة جاءت من الخلف على يمينها، عبرت السيارة  واستمرت هى في القيادة ، لم تندهش لتحول السيارة المسرعة  أمامها إلى عربة كارو معبأة بالقمامة ، مرت بجانبها مرورا عابرا ، لم تتوقف إلا عندما سمعت صوت دوي انفجار يخرج من العربة الكارو التى كانت منذ دقائق سيارة فارهة .

كان أداء تحول الدراجة البخارية أداء أحد المخلّصين والمنتقمين على السواء ، كان اندفاعها على ساحة الانفجار اندفاع مُخلّص يود انقاذ الضحايا والقبض على الجاني حتى ولو تعرضت حياته ببساطة للخطر .

كانت الجثث مسرح الانفجار  بالآلاف، كلهم فارقوا الحياة ، بعضهم في صورة هياكل عظمية،وبعضهم جثث ،لكنها تبدو مقتولة منذ زمن  ، وجَدتْ جانيا واحدا ،  لا تعرف كيف تعرفت عليه ربما لأنه الوحيد من بينهم كان حياً ويقفز فوق الجثث ، وربما  لأنه بمجرد أن رآها  فر هارباً أمامها على الرصيف ، وتداخل بين الأشجار،  وهى تلاحقه بدراجتها في إصرار على الإمساك به ، كان يبدو سريعا في فراره ، لا يلتفت إلى الوراء ، ظل يجري لمسافات بعيدة، وصلا بمحاذاة قصر شامبليون ولا زالت تلاحقه في الشوارع الضيقة والمظلمة من منطقة وسط البلد، كانت على وشك الإمساك به لأنه وصل إلى تلك المنطقة تحديدا كانت تقول لقد وصل بنفسه إلى القفص، اتصلت هاتفيا بالشرطة، قالت: وجدت القاتل ، نحن بالشوارع الجانبية من شارع شامبليون، وأنا على وشك الإمساك به وتسليمه للعدالة، تعالوا لتتسلموه من قبضتى قبل أن أنهى عليه.

جاءت الشرطة في دقائق كان القاتل يقف أمام عجلة دراجتها البخارية مستسلما يرتجف، وترتجف في عينيه أضواء سيارات الشرطة .

اقترب الضابط من القاتل، حمله من رقبته بيد واحدة ، كانت تبدو علامات الانتصار في عينيها رغم ارهاق ملاحقة قاتل خطير، ألقي الضابط القاتل على الأرض ، وقال: ازعاج السلطات الأمنية وفي النهاية تطاردين حيوانا أليفا؟

قالت: يجب أن يقدم للعدالة ليس أليفا لقد قام بقتل المئا ، كانت تبدو متشجنة، وتستمر في الترديد “يجب أن يقدم للعدالة ليس أليفا لقد قام بقتل المئات” .

في لحظة إلقاء القبض عليها، لم يكن مرعبا صوت الطريق الضيق الضبابي الذي يشبه الطرق الريفية الإنجليزية التى تصلح ساحة للجريمة بقدر ما يبدو مرعبا صوت سقوط دراجتها البخارية ومؤخرة  الحيوان الأليف وهو يمشي بهدوء رافعا ذيله و….. مبتهجا . 

 

 

 

 

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق