مستشفى مارثا

عبد القادر وساط
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

عبد القادر وساط

(1)

في مدينتنا الصغيرة مستشفى كبير للأمراض العقلية، يسميه السكان مستشفىٰ مارثا، نسبة إلى الطبيبة الرومانية مارثا ماتيسكو، التي أشرفت على إدارته زمناً طويلاً، قبل أن تعود إلى موطنها الأصلي.

يَستقبل مستشفى مارثا مجانينَ مدينتنا ومجانينَ المدن القريبة، فمنهم من يُؤتى به مقيدا ومنهم من يأتي عن طيب خاطر، ومنهم من يقضي فيه سنوات طويلة ومنهم من يغادره بعد أسابيع معدودة. وهناك مرضى كثيرون لا يطيقون البقاء بين جدران المستشفى، فهم يحتالون للهروب منه بعد أيام قليلة على دخولهم إليه.

(2)

ديليب كومار واحد من المجانين الذين ينجحون دائما في الهروب من مستشفى مارثا.

هو من أبناء حينا -حي شعبة العبد- حيث يعيش الفقراء والبائسون من كل صنف. شاب نحيل، طويل القامة، يبدو كأنه في الخامسة والثلاثين من العمر، مع أنه لم يتجاوز بعد الخامسة والعشرين، لكنه لا يخلو من وسامة، رغم الفقر والمرض. اشتهر منذ صباه بعشقه للأفلام الهندية وبتقليده لأغاني ديليب كومار، فأطلق عليه أبناءُ الحي اسمَ هذا الفنان السينمائي، ومع مرور السنوات، نسي الجميعُ اسمَه الحقيقي.

كم مرة هرب ديليب كومار من مستشفى المجانين؟

عشر مرات؟ خمس عشرة مرة؟ لا أحد يعرف على وجه التحديد. أما والده المسن، المبتور الساق بسبب السكري، فإنه يدرك، حين يسمع الطَّرقات الأولى على الباب، أن الطارق هو ابنه المجنون، وأنه قد هرب كعادته، في غفلة من الممرضين والحراس، وأنه انتظر هبوط الظلام كي يأتي إلى البيت. وإذْ تفتح له والدته ويدلف للداخل، يتململ الوالد في بطانيته الرثة، المفروشة مباشرة على أرضية الغرفة المعتمة، التي تنبعث منها رائحة الرطوبة، وينتشر فيها الضيق والكدر.

قُرب المخدة جهاز راديو معطل.

ويقول الأبُ لابنه بنوع من اللامبالاة:

-لا تُتعبْ نفسَك، سيأتي رجال الشرطة غدا ليعيدوك إلى المستشفى.

فيجيبه ديليب كومار:

-أنا أيضا شرطي مثلهم، وعليهم الابتعاد عن طريقي.

ثم يُثبتُ عينيه في عيني الرجل المسن ويحلف له بكل مُقدَّس أنه شرطي حقيقي، ثم يقول له:

-المشكلة أنهم لا يصدقونني حين أذهب إليهم لأخبرهم أني واحد منهم، وفي كل مرة يأخذونني بالقوة إلى مستشفى الأمراض العقلية.

يستدير الأبُ جهة الحائط وهو يبتسم بمرارة، كما يفعل دائما حين يسمع ذلك الكلامَ من ابنه الوحيد. لكن ديليب كومار مقتنع تماماً أنه شرطي، وأنه مسجل في لوائح وزارة الداخلية، كل ما في الأمر أنهم تأخروا أربع سنوات في أداء راتبه الشهري، وفي تسليمه الزي الرسمي للشرطة مع المسدس والعصا، وها هو يعاني بلاء الانتظار.

وما إنْ يدير الأبُ وجهَه للحائط، حتى يمضي ديليب كومار إلى المطبخ ويسأل والدته عن أخبار العفاريت التي تَسكن هناك، ثم يسألها إن كان هناك شيء للعشاء، فتأخذ المرأة العجوز صحنا باليا وتفرغ فيه قليلا من الشعرية أو تهيئ له بيضا وطماطم، وتقول له متنهدة:

-كُلْ يا سِّي البوليسي!

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق