مدينة حبيبة للكتابة

محمد محمد مستجاب:  لا أعرف المتاجرة بالأدب
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

محمد محمد مستجاب

تعتذر حبيبتي القديمة وتخبرني أنها لن تستطيع لقائي بسبب استعداد زوجها للسفر ويجب أن تجهز حقيبته. أتقبل اعتذارها وأغلق المحادثة.. وأنظر لحقيبتي الجديدة.. واسألها من سيقوم بتجهيزك؟.

أذهب لصغيرتي في المدرسة لتشاهد لعبتها الجديدة التي اشتريناها من أحد المواقع الالكترونية، تسعد بها وأخبرها باحتياجي لحبيبة تجهز لي حقيبة سفري، تخبرني بأنها سوف تقوم بتجهيزها لي وأنها ستضع فيها عروستها التي أتخذها تعويذة في سفرياتي. أقبل الصغيرة تاركا معها بعض العصائر وقطع الشيكولاتة. في الطريق تتطاير حقيبة بلاستيك أمام السيارات.. تراوغها بفراغها ولا أحد يستطيع دهسها.. أمر من عليها بسيارتي وأطل في المرآة..هل دهستها.. لكن الحقيبة تتطاير في الهواء.

منذ فترة كبيرة أبدو مثل تلك الحقيبة. أتقافز وأتطاير ولا أكتب شيئاً حقيقياً. الكتابة هي رهاني الحقيقي للخروج من بئر السواد والكراهية الذي أحاط بي ولم أستطع الخروج منه إلا فور الانتهاء من أحد كتبي.. لكن الكتاب جاء لي بحبيبة.. فتاة جديدة ترسل لي رسالة فجرا بأن أحد النصوص يذكرها بجزء من حياتها.. دهشت من تلك المحررة التي باغتت حياتي.. أنصتّ لها وقمت بتدوين ملاحظاتها.. وأخبرتني بأنها تريدني أن أسافر معها لمدينتها الساحلية وهي فرصة لتغيير نفسيتي والعودة لإكمال الكتاب.

سعدت بتلك الدعوة.. كنت أريد أن أخبرها بأنني أبحث عن من يقوم بتجهيز حقيبتي ببعض الحب، بأن يترك لي تذكاراً ويحملني بالاشتياق وبعض الأدعية. في المدينة الساحلية وقفت كثيرا على شاطئ البحر. السفية التي شاهدتها ذكرتني بالسفينة التي ركبها محسن محيي الدين .. يحيى.. في فيلم “إسكندرية ليه”.. تدمع عيني لأنه لا توجد لدي حبيبة تجهز لي حقيبة سفري وأرى في عينيها قلق السفر أو في صوتها الاشتياق بالعودة.

تأتي الصديقة وتجلس بجواري وتقدم لي دبلة فضية سوداء بداخلها خطين نحاسيبن، تخبرني بأنها تريدني أن أنتهي من مخطوط كتابي وأنه لا داعي للتفكير في اشخاص لا يكملونك.. ولا يشعروا بما تفكر.. حتى لو كانت أمنياتك بسيطة أكملها بالكتابة.. نعود في اليوم التالي وأنا احمل كل قوة الكتابة.. أجلس طوال اليوم وأنهي مخطوطي وأسعد به.. أرسله لبعض الأصدقاء ويتجاوبون معي ببعض الملاحظات.. بعضهم يضحك وهو يثني على المخطوط، متذكرا مخطوط روياتي الأولي والتي حصدت عدة جوائز.. في اليوم التالي أشعر بأنني أسترد كثيرا مما أهدر مني.. وقت وابتسامات واحلام .. أذهب لصغيرتي في المدرسة، أجدها تخبرني بأنها ستلوح للطائرة التي سأركبها وتقبلني .. أخبرها بأنني سوف أشير لها من النافذة بعروستها التعويذة.. وأنها سوف تعرف ان هذه الطائرة طائرتي.

ظلت الحقيبة فارغة لعدة أيام وأخشي النظر لها.. أشياء السفر مبعثرة في أرجاء الشقة.. تتصل بي الصديقه وتسأل عن سبب غيابي وعدم ردي على اتصالاتها ورسائلها.. أخبرها بما يحيرني مع الحقيبة.. وكما فعلت مع الكتابة.. وجدتها في نهاية اليوم تتصل بي وتخبرني بأنها تقف في أحد المياديين وتنتظرني لأنها لا تعرف البيت.. أذهب وأُقِلها.. كانت جميلة وفي عيونها اشتياق وقلق السفر.. تخبرني بأنها تريد أن تجهز حقيبة سفري حتى أستطيع إنجاز بعض الكتابات والتعديلات.. أتركها تفعل ما تريد.. اختياراتها لملابسي وترتيب الحقيبة.. تضع عدة علب سجائر فهي تعلم حيرتي من نفاد السجائر.. تقول لي لا تنس قص شعرك.. وتكمل بأنها ستنتظر رسالتي للاطمئنان على وصولي.. ويجب أن تكون الرسالة بصورة خاصة بها..أشكرها ونتناول العشاء معا.

في طريقي للمطار أسير حاملا الحقيبة وأنا أضع يدي على جواز السفر وبجواره آية الكرسي التي قدمتها لي حبيبتي وأسفل إبطي عروسة صغيرتي، تلك التي سألوّح بها من نافذة الطائرة لتراني هي وأصدقاء مدرستها، بينما فمي يتمتم ببعض الأدعية التي أخبرتني بها الحبيبة التي خرجت لي من وسط إحدى قصصي والتي تخبرني في نهاية الكتيب الصغير للأدعية بأنه توجد قصة تصلح كرواية وأنها تنتظرني بعد سفري للبدء في كتابة المسودة.

أضع الكتيب بجوار صدري وأشعر بقوة هائلة وأن الكتابة هي بهجتي وطائرتي وحبيبتي ومجدي وقوتي حتى لو نعتتني ذات يوم امرأة بأني فاشل، لكن المحبة التي أحاطتني بها الكتابة وصغيرتي والمسودة الجديدة والحبيبة.. يبتسمون لي قائلين: أنت الحبيب الذي لم يفشل في شيء ابدا.. وابدأ في الكتابة.

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق