مختارات من ديوان “المشي أطول وقت ممكن”

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 6
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

إيمان مرسال

 

مِن أجل العبورِ بين غرفتين

 

محاصرةُ قبيلةٍ من النمل

وتأمّل صدمة أفرادها العصبيّة

لحظةَ سقوطِ الماء

من سماءٍ على شكل برّادٍ يغلي

دفنُ صرصارٍ حاول رفع رأسهِ

إلى الدّنيا

أمّا عنكبوت الحوائط

فيتحوّل إلى كُراتٍ سوداء

تُشبه تصوّري عن رئتيّ

بعد سنواتٍ مزدهرةٍ بالتدخين

بتجريبِ طرقٍ جديدةٍ للقتل

تبدأُ عطلة نهاية الأسبوع

وبوَضع حدٍّ لمصير مئاتٍ من الكائنات

يكتشفُ الكائنُ الحيُّ الوحيدُ في البيتِ إرادتهُ

فيُغلق الشبّاك.

*

 

ماتت السيّدة النحيلة

كان لمشيتْها في البيتِ ضجةٌ

فقد اُضْطرّت دائماً للتشبّثِ بأثاثها الخشبيّ

من أجل العبورِ بين غرفتين

وعندما كانت تنتظركَ

كان صوت تنفّسها يخترق الجُدران

 

أظنّ أن مطبَخكم تحوّل الآن إلى خرابةٍ

وأن فأراً واثقاً بنفسِه

مرّ من أمامك حالاً.

 

أُخمّن كلّ شيء

أنتَ تجلسُ الآن في الرّكن

بدون الروائحِ الأليفةِ لطعامها اليوميّ

وستضعُ بعد قليلٍ رأسكَ

حيث لم تتوقّع أبداً

فوق ركبتيْك.

*

 

كلّما مرّ نور عربةٍ

بدا على الحائط

وكأنّ الكرسيّ الهزّاز يتحرك ثانيةً.

 

الستارةُ لا تتعبُ من وَقْفتها

ما دامت مُعلّقةٌ من أعلى.

 

اكتمل ترسّبُ القهوةِ

والرأس لم يمِل يساراً

كما أن اليدين

ما زالتا مشبوكتيْن على السُرّة.

 

يدقّ جرسُ الباب ثم يتوقّف

يبدو أن أحداً ما أخطأ في رقمٍ ما.

 

هل تعتقدُ بوجودِ علاقةٍ بين الصفاء الداخليّ

وازدياد القدمين بياضاً؟

*

 

جيدٌ

أن أعيد تأمُّلَ صور الطفولةِ

فقد أُزيح فكرتي المستقرّة

عن أنني كنتُ مشروعاً جميلاً لشخصٍ آخر

أفسدتهُ رهاناتي الناجحة.

*

 

أنتَ معي إذن

عيونك تحدّقُ في الكاميرا

وسُمرة كتفيك لأظافري

أُلصقك على الحائط

وأضع تحت قدميْك جوكر الكوتشينة.

 

الوجهُ أيقونةٌ سُرِقت من جدارٍ بعيدٍ

وبلا جلالٍ

يمنحُ بركته لمن يسيرون بجانبِه

دون أن ينظروا للأمام

 

مرحباً بالسلام الأبديّ

غرفتي ليست سيئةَ التهوية

وأنتَ غير مُضطرٍّ للتنفّس.

*

 

إذا رأيتَهُ من مكاني

قد تُحبَّ ارتعاشَ أصابِعه الخفيفَ

عندما يوشِك أن يُمسِكَ شيئاً ما.

*

 

ومثلما يحلو للجرائد اليوميّة

وصْف الغضب الإلهيّ الذي هدّ البيوت

بأنه مطرٌ غزيرٌ

ويؤكّد الذين لم يجرّبوا الموت

أن شخصاً ذهب جسده، بينما روحه بيننا

وحتّى لا تصعدَ الحسرةَ من حنجرتي

مع مخارج الحروف

كان يناسبني أن أشير لنفسي بضمير الغائب

فأقول: بعد أن يمرَّ الانسان بكايةٍ فاشلةٍ. . .

 

الكلامُ يتسرّبُ في كلّ الجهات

ولا يدلَّ على أحدٍ

خبّأت حواسي تحت شمعٍ أسْودَ

ونسيتُ الاحتفاظَ بوسيلةٍ لنزعِه في لحظةٍ أخرى

دون أن تسيلَ كلُّ هذه الدماء

*

 

اليدُ التي لم تُسلّم عليكم

ولم أدفع بها كائنات تمشي أمامي . . . لأمُرّ

وكأنّ شيئاً حقيقيّاً. . حرجاً

كُنتُ أقصِدهُ، فقدتُه حالاً.

 

اليدُ التي لم تُصحّح الأخطاء اللغويّة

لأُناسٍ لم يزل يهمّهم النحو والبروليتاريا

وعند إشعال النار

لا تصْلُحُ إلا لتثبيت عُلبة الكبريت

في وضع استسلام

أتركها

مفتوحةً على الوسادة

لشخصٍ يُمكن أن يضع عيونَه عليها

إذا لم تُؤخّره المواصلات العامة.

 

اليدُ المترفة كأنها ليست يدي

المُعطّلةُ لسببٍ لا تفْهَمْهُ

تبدو يدي أكثر.

*

 

عندما يحترقُ البيت المجاور

فهذا يعني أنه أخْرج زفيره ليُباركه

لمْسَهُ للمرأةِ النحلية

أدّى لموتها فرحاً بأصابعه

كمالُهُ . . بهاؤه . . قدرتُه

أعرف كلَّ صفاته القديمة

يجب أن يعرف هو ذلك

تحدثُ كارثةٌ في مكانٍ ما

إذا انتبه لوحْدتهِ

إذا نظر لأسفل

إذا مدّ يديه المقدّستيْن للخريطةِ

التي يحاربون جميعاً

ليظلّوا داخلها.

*

 

الصوتُ في الطرف الآخر

مفرودٌ ولا هواءَ حوله

كُلّ جملةٍ نظيفةٌ، مغسولةٌ من الروائح الخاصّة . . .

يا الله

صوتٌ بلا عيونٍ ترمشُ، أو تتّسعُ

كلُّ كلمةٍ تنطح الأخرى، تقفز فوقها

والسمّاعةُ

تخُرّ بالحكمةِ في أذني.

 

الصوتُ في الطرف الآخر

واثقٌ في استقرار عجيزتِهِ

فوق أمان السرير

ولابدّ أن بجانبِه عُلبة سجائر كاملة.

*

 

بنفسِ الدرجةِ

يتزايدُ عددُ بيوت المغتربات

والميادينُ التي في مُنتصفها تمثالٌ

والزلازلُ وأطقُم الحراسة

والوجوه التي تقابلني صدفةٌ

بنفسِ الدرجةِ تتزايدُ المساجدُ

وعرباتُ السرفيس

والأجنةُ في أكياس القمامة

وشهورُ الصيف

وقصائدُ التفاصيل اليومية

وربما بنفسِ الدرجةِ

يتزايدُ سرطانُ الثدي

والأكاديميون الذين يشربون الحليب

والاحتمالاتُ

والسنواتُ التي تَفصِلنا عن ميلاد المسيح

والكراكيبُ فوق الأسطُح القديمة.

 

وتظلُّ عندنا جدرانٌ

نخربشها بأظافرنا

ونصرخُ خلفها

دون أن نزعجَ أحداً

لديه وسائلُ أُخرى لتمضيةِ الوقت.

*

 

حوضُ امرأةٍ نحيلةٍ

يصْطكُّ بالقفصِ الصدريّ لرجلٍ جاوز الأربعين

رُكبةٌ تتدحرجُ كي يلوثها الرماد

الأيادي المُدرّبةُ

ما زالت تُجمّع العظام في الرُّكن

والمكانُ يتّسعُ الآن لجثةٍ لم تزل دافئة

هل سرق أحدٌ الفكّ السُّفليّ لشخصٍ ربما كنتُ أحبّه؟

لا أعرف

ماذا يصنع أحدٌ بفكٍّ سُفليّ بلا أسنان

المهمّ،

أن تجريف مقبرة العائلةِ سيتمُّ في وقتٍ مناسبٍ

أن أذهب قبل السابعةِ إلى الأوبرا.

 

**

 

ليس هذا برتقالاً يا حبيبتي

 

 

أجلسُ أمام المرآة، في تدريبٍ شاقٍ

لإزالة الرائحة التي تركتها شفتان على عنقي

وبرغم أنه لا حاجة لتوثيق الحُزن

لا يفوتُني أن أحسبَ دموعي

 بحجم المناديل الورقية

 التي أسقطتُها في سلّة المهملات

فأرى عينيّ أجملَ من تصوّراتي عنهما

وأفكِّرُ أن الفهمَ أجملُ من التسامح

وأنني كنتُ معك

 في رحلةٍ إلى مكانٍ مقدّس

كنتُ في زيّ أميرةٍ فرنسيةٍ من القرن السادس عَشَر

عندما أخذتَني بعيداً عن الدير

 

كنتَ تدفَعُني لصعود سُلَّمٍ رأسيٍّ معلّقٍ على الهواء

ولمّا كان هذا مستحيلاً مع كل هذه الكرانيش

كنتُ أخلع جيبوناتٍ دائريةٍ

 وأصْعَدُ

شدّادات للصدر

أحزمةً على شكل فُيونكات

 تتحوّل إلى فراشاتٍ ميّتةٍ عندما أفكّها

وأصْعَدُ

 

في أعلى سُلّمةٍ

كنتُ عاريةً تحت رذاذٍ خفيفٍ

لم أجدْكَ

واستيقظتُ في سريرٍ آخر.

 

لأُصدّق أن هنال دائماً

ما هو أكثرُ من الصواب

وأتأمّل جِلدي

حيث لا شيءَ يلتصق به

فقط

أزداد نحولاً

كأنني أُجهّز نفسي

لطيرانٍ ذاتي.

*

 

لا أظنَّه الطريقَ الزراعيّ الذي يمرُّ ببيت أهلي

ولا الشارع الممتلئ بمقاهي النخبةِ

 في وَسْط العاصمة.

 

الحرائقُ انتهت قبل أن أستيقظ.

 

ليس هناك جثثٌ

أظنها ساحت مع الأكواب والصور التذكارية

والنوافذِ المغلقةِ والمواربةِ والمفتوحة.

 

أنت أمامي بملابسكَ النظيفةَ إلى درجةِ القسوة

أشمّكَ

وأعرف أن الأقدامَ التي داست على الدنيا

لم تمنعك من الاحتفاظِ برائحتك.

 

تُقدم لي سلّة برتقالٍ

 بابتسامة بحارٍ وصل إلى الميناء لتوّه

فأُذكّركَ بكراهيتي له.

 

-” ليس هذا برتقالاً يا حبيبتي”

 

أفكّر أن العالم انتهى

وأن أسناننا لا تَقْوى على مضْغ هذه المواد الصّلبة

فنبدأ باستعمالها كبديلٍ لكُريَّات البلياردو

حيث الأنقاض الكونيةُ

تصلُح لصُنع ترابيزة ملساء

وعصا،

وسِتُّ حُفرٍ عميقةٍ

 بينها مسافاتٌ متساوية.

*

 

ممددةٌ في تابوتٍ أوسعَ منّي

والورود التي يُلقونها فوقي

لا تدفعني لحكّ جسدي بالأظافر.

 

مسامُّ أصدقائي مفتوحةٌ لكتابة قصائد جديدة

عن حُرية الموت بلا مُقدّماتٍ مفهومة

وعن الراحةِ التي تشمَلُناعندما يموتُ شخصٌ

لم يكن لدينا الوقتُ لنحبَّه.

 

أنت واقف عند قدميّ

لا أتذكّرُ علاقةً . .  بينكما،

لم تزل أطول مني

 ولم يزل ذلك قادراً على تجديد أحقادي.

 

يبدو أنهم أغلقوا ما بين فخذيّ بقُطنةٍ بيضاءَ

وهذا يكشفُ الخطأَ الكلاسيكيّ

الذي قَصَرَ مخاوفنا على البَتْر.

 

مرّةٌ انتبهتُ لحظةَ اكتمالِ بهجتكَ

بينما أتابعُ سُرعة نبضي

وأنا أجري إلى رصيفٍ مُقابل.

 

الرغبةُ التي فشلتُ في استحضارِها

تنفجرُ الآن في نقطةٍ عمياءَ

ولأجلِكَ،

أكنسُ حيَادَ وجهي

وأضعُ الشَّبَقَ بلمساتٍ محسوبة.

 

التابوتُ يسعنا معاً

أشكُّ في حُزنكَ

 أنت واقفٌ ما زلتَ على قدميكَ

أنيقٌ

وأنا لم أُفكّر- للأسف-

أن أموت قبلك.

ــــــــــــــــــــــــــــ

دار شرقيّات – القاهرة، 1997

 

 

عودة إلى الملف

 

مقالات من نفس القسم