محمود خير الله.. في ديوان “الأيـام حـين تعـبر خـائفـة”.. شـرفات ونـوافذ لمشـاهدة أحـزان العـالم..

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 78
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

د. عبد الناصر عيسـوي

أمامنا ديوان ديوان صادر حديثًا؛ بعنوان “الأيام حين تعبر خائفة” للشاعر محمود خير الله، وهو الديوان الخامس؛ بعد دواوينه: “فانتازيا الرجولة”، “لعنة سقطت من النافذة”، “ظل شجرة في المقابر”، “كل ما صنع الحداد”. يضم الديوان الذي بين أيدينا خمسة عشر نصًّا نثريًّا؛ يسبقها مفتتح، وهو- أيضًا- نص يجعلنا نعد النصوص ستة عشر نصًّا، فهو كالبرولوج الذي يسبق المسرح الملحمي، فقد أتى بصوت عاشقٍ منهك من الأسى والحنين وهو يُهديه لحبيبته ورفيقة حياته، مما يُكسب الديوان- منذ البداية- طابعًا ملحميًّا. وقد جاء بعض القصائد مقطعيًّا؛ فكان بعضها بمقاطع مرقمة وبعضها بمقاطع معنونة.

يقابلنا في بداية الديوان نصٌّ بعنوان “عاريًا يتغطَّى بنافذة”، وربما يُثير العنوان شيئًا من الغرابة؛ حيث إن النافذة؛ ذلك الاختراع الهندسي المعماري العبقري القديم؛ تقوم بأدوار وظيفية ليس منها التغطي بها. فهي التي ينفذ منها الضوء والهواء، ويتطلع منها الناظر إلى الخارج، فإذا لم يمتلك الإنسان بيتًا له نافذة في هذا العالم فإنه يفتقد إلى كل ما يمكن الاطلاع عليه من خلالها. لكن النافذة قد تتعدد دلالاتها في هذا العنوان وفي النص نفسه، وقد يتنقَّل الشاعر بين هذه الدلالات؛ انطلاقا من تقنية النظر من النافذة. وعلى الرغم من أن تقنية النظر من النافذة تفتح منافذ إبداعية ينطلق منها الفنان لينفتح على عوالم لا يراها غيره؛ وعلى قصص وأسرار ومصائر؛ فإن الشاعر هنا يمنحها دلالات أخرى مختلفة، حيث يذكر نوافذ البيوت ويعني الرؤية النافذة، أو نوافذ الروح وإدراك غير المرئي من البشر، ولذلك لم يُسمِّها باسمها الآخر (الشباك)، وإنما اختار (النافذة)، كما ذكر فيها (الشرفات) ليتخذ منها متسعًا للرؤية ويطل منها على ما يهدف إلى رؤيته، وكانت المرة الوحيدة التي ذكر فيها لفظة (الشبابيك) هي آخر لفظة بالفصيدة، وكأنه يعود بها إلى سيرتها الأولى ووظيفتها الأولى قبل التنويع عليها.

والشاعر العاشق للنوافذ لا يبدأ القصيدة بالنظر من النافذة، لكنه يبدأ قبل ذلك؛ بأن يمتلك نافذة أولًا، فقد كان في عمره الأول ينظر منها، وصار الآن ينظر إليها ويرى أن امتلاكها يعني امتلاك أهم عنصر من عناصر الرؤية. يقول:

“احصُلْ على النافذةِ أولًا/ وأنا أضمَنُ لك/ أن القَمَرَ سيأتي صاغرًا معها،/ والنجوم،/ والشجرُ سوف يأتي،/ وإذا جاءك هؤلاء جميعًا،/ مرَّةً،/ صدِّقني،/ سيأتي النهرُ معهم/ دائمًا/ من تلقاء نفسِه”.

ثم ظهرت جدوى النافذة أو الشرفة؛ التي هي مجال رؤية الشاعر؛ حيث يرى منها أن الحب الذي يقضي على مظاهر اغتراب الإنسان؛ قد لا يكتمل، لعدم وجود ما يقتات عليه العاشقون. يقول:

“أنا لا أملكُ من حُطام الدنيا،/ سوى عينيْن ونافذة،/ أرى بهما العالم/ الذي يدور في رأسي،/ لا بيتَ لي،/ ولا أصدقاء،/ أهلي كلهم هجروني،/ لم يبقَ معي دائمًا،/ وإلى النهاية،/ سوَى الشرفات،/ كانت تعويضًا كافيًا عن العالم،/ – ذلك الملعون الذي لا أُمَّ له ولا نافذة-/ يمنحُ الحبَّ بيدٍ/ ويأكل بالأخرى خُبزَ العاشقين”.

والشرفات شاهدة على (الحب والموت)، وهما طرفان لجدلية كبرى يشقى بها العاشق في هذا العالم الذي لا يرعى الحب ولا يتركه ليكتمل ويستطيع به الإنسان مواجهة هذا الاغتراب. فصارت الشرفات شاهدة على قصص الموت والانتحار، بل صار المحبون؛ الذين يرون من نوافذ الحب وشرفاته ما لا يُرى؛ هم الذين يشقَوْن في هذا العالم، فيتساقطون أو تتساقط الشرفات، كما يقول:

“بعضُ الشرفات تُودِّعُ حياتها في البناية،/ وتهوي على الأرض/ مرَّةً واحدة،/ كأنها قرَّرت/ فجأةً/ أن تنتحر./ بعضُ الشرفات تفعلُ ذلك،/ لأنها تلعَنُ قصصَ الحبِّ/ التي انمحَتْ من جدارها،/ تلعَنُ الندوبَ الثقيلة/ التي تحفرها الأيدي/ على خشب النوافذ./ تلعَنُ الدموعَ التي هطلَتْ/ والشرايينَ التي تمزَّقتْ/ على سُور قلبها.”.

والشاعرُ مدينٌ للنوافذ بالخبرة التي تُعطيها له بأخوَّة وصبر، وهما القيمتان المفقودتان في هذا العالم، لذا فإنه تعلَّم كيفية فتح نوافذه وإغلاقها؛ بحسب تقلبات الأحوال، فيقول:

“تفهمُني النوافذ أكثرَ/ حين أحِلُّ ضيْفًا عليها،/ تُعاملُني بأخوَّةٍ وصبْرٍ،/ تُعَلِّمُني كيف أفتحُها لتكشِفَ البحرَ لي،/ وكيف أُغلِقُها لأبكي.”.

لقد قام الشاعر بالتنويع على النوافذ والشرفات، وعلى وظائفها الشعرية، في قصيدتين أخريين: “حفرة في الجدار”، “لا شيء يدوم”، فأمَّا نص “حفرة في الجدار” فهو نص مقطعي، لكل مقطع عنوان، لكن قارئ نصوصه يكتشف أنها قصائد؛ وليست مقاطع؛ تحت عنوان جامع. وأول تلك المقاطع بعنوان “تحت الشرفة”، يذكر فيها ما يمكن أن يئول إليها مصير الإنسان فيجلس متحسرًا تحت الشرفة. ومن مقاطع هذا النص مقطع قصير بعنوان “عيد الحب”؛ حيث تلاحقه فكرة الحب وتمرُّ؛ هذه المرة؛ من خلال نوع آخر من النوافذ، حفرة في الجدار، حيث يعرف الشاعر يمامتين يمارسان عشقهما داخل هذه الحفرة، ويصل إليه عشقهما، فيقول:

“حتى اليمامة،/ تأتي كلَّ ليلةٍ مع عشيقِها،/ إلى حُفرةٍ في الجدار،/ حيثُ يعبُر سلكُ (التكييف)/ الخاص بغرفة نومي”.

أمَّا نص “لا شيء يدوم” فتبدو الحكمة من عنوانه، حيث اطَّلع الشاعر؛ من خلف الشرفات؛ على كثير من المصائر والمآلات وخرج بهذا العنوان، حيث يقول في مفتتحه:

علَّمتني الشرفاتُ التي وقفتُ خلفَها كثيرا وأنا صغير،/ أن لا شيءَ يدوم،/ حتى وأنت مختبئٌ/ زراء شُرفةٍ بالية،/ الأصواتُ تأتيك عاريةً من ملامحها،/ والحزنُ يهُزُّ ذيله للعابرين،/ لكنْ/ لا شيءَ يدوم.”.

وقد يعني النظر من الشرفات الاتصال بالعالم والانفصال عنه؛ في آن. فهو يقول:

“مِنْ شُرفةٍ قصيرة،/ يُمكنك أن تتعلَّمَ/ كيف تشمُّ العالم،/ دون أن تَعْلَقَ أوساخُه بملابسِك”.

إحساس اغترابي عنيف؛ ذلك الإحساس بأن الإنسان مطارَدٌ منذ الصغر، لأنه حصل على حلم صغير، قد يكون برتقالة، فيطارده العالم بسبب ذلك الحلم البسيط، ويكون الإحساس به عارمًا، لأنه مطارد لسنوات طويلة. حيث يقول الشاعر في نص بعنوان “اللص”:

“حاوَلتُ مرارًا أن أكونَ لصًّا،/ وفشلت/ مرَّةً واحدةً نجحتُ،/ خطفتُ بُرتقالةً من السُّوقِ،/ وأخذتُ أَجْري،/ كان خَصْمي فلاحًا عجوزًا،/ لو كنتُ أخذتُ قلبَهُ/ من بينِ ضُلوعِه،/ ما كان جَرَى ورائي،/ كلَّ هذه السنوات،/ وهو لا يزالُ يجري،/ إلى اليوم”.

عودة إلى الملف

 

مقالات من نفس القسم