محمود خيرالله: الشعر يفي بوعده دائماً

محمود خير الله
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

حاورته: إسراء النمر

في منتصفِ التسعينيات، كان محمود خير الله يستقلُّ القطارَ يوميًا حتى يأتي إلى القاهرة. كان يستقلُّ القطارَ وهو لا يعرفُ ما الذي ينتظره: أيُّ الوجوه سوف يُحدِّقُ فيها، أيُّ الأكتاف سوف يصطدمُ بها. كان يستقلُّ القطارَ وهو مُستسلم تمامًا. مُستسلم للوقتِ الذي يمرُّ ببطء، وللنوافذِ التي تعبر سريعة. مُستسلم للذباب، وللسِّباب. مُستسلم للأذْرُعِ المبتورة، وللأرجلِ التي لا تعرفُ الطريق. مُستسلم للغبار، وللباعةِ الذين يرفعون أصواتهم ويلوحون بأيديهم كأنهم يُؤدُّون الرقصةَ الأخيرة. مُستسلمٌ للسعالِ الذي يستقرُّ على قميصه، ولدخانِ السجائرِ الرديئة. مُستسلمٌ لِلُّصوصِ ولمرضى الجُذَامِ ولأهالي المساجين. مُستسلمٌ للعاهراتِ وللعجائزِ وللفلَّاحاتِ ذواتِ الجلاليبِ السوداء، والملوّنةِ كذلك. مُستسلمٌ لِمُحصِّلِ الأجرة.. الوحيد الذي لم يروِ له حكايته. مُستسلمٌ للرجالِ الذين يتثاءبون طيلةَ الوقت، وللرُّضَّعِ الذين يصرخون لأن لا أمَّ بإمكانها أن تمنحهم صدرها. مُستسلمٌ للجثثِ التي تلمعُ من بعيد، وللمقابرِ التي تخبره أن الموت نهاية أي شيء. مُستسلمٌ لنفسه.. نفسه التي لا تعرف أي جرم ارتكبته حتى ترى كل ذلك.

كان محمود خير الله يستقلُّ القطارَ وهو يعي تمامًا أن المصروف الذي أخذه من أمه لن يكفيه، وأن المسافة لن تُنسيه مرارة أنه ابن زنجي. ولولا أنه يريدُ من البدايةِ أن يكونَ شاعرًا حقيقيًا، لأصبح واحدًا من الضحايا الذين يُخَلِّفُهُم القطارُ وراءه. ولا أقصدُ بالضحايا هنا، الموتى والمصابين، إنما العاديون والبسطاء، فكل مَنْ ركبَ القطارَ صارَ ضحيةً بشكلٍ أو بآخر.

يقول محمود خير الله إنه خلال الانتظار الممل في القطار، الذي قضى فيه قرابةَ الخمسمائة ساعة، تعلم كيف يقرأ البشر، وعرفَ أن هذا سوف يقربه أكثر من الشعر.

هكذا كان يتعايش، فلم يكنْ يستقلُّ القطارَ أبدًا لأجلِ أن يصلَ إلى المدينة، ولكن لأجلِ أن يصلَ إلى الشِّعر. ولم يكنْ الوصولُ سهلًا بالطبع. احتاجَ منه الأمر سنوات طويلة حتى يستطيع أن يكتبَ القصيدةَ التي يريد. وفي ديوانه الأحدث (الأيامُ حين تعبر خائفة)، الذي أعتبره ديوانه الأجمل، نجده يتعرَّى أخيراً، لكنه وهو يفعلُ ذلك، عَرَّى العالمَ معه. العالم الذي يشبه -عنده- القطارَ كثيرًا، فهو لا يريد سوى أن يمشي مُختالًا بين “الشجر”.

يعيشُ محمود خير الله الآن في مدينةٍ فاخرة، في بيتٍ هادئ، يطلُّ على حديقةٍ صغيرة. ولا يستقلُّ سوى سيارته الخاصة. يعيشُ ولا ينسى هذا “الكيان الضخم الذي يحملُ أحلامَ الفقراء”. لا ينسى صراخه وهو “يَعْبُرُ مُتجهمًا بين العِشَشِ والمساكن”. لا ينسى شاربَهُ الذي يحملُ عليه رجالًا أشداء. لا ينسى الآلامَ التي شربها فيه، والتي يسقي بها دومًا قصائِدَه. وربما هذا ما علَّمَهُ له القطار، ألا ينساهُ أبدًا، لأنه سوف يأتي يوم ويحملُ له النهرُ جثَّةَ عدوِّه، خصوصًا النهر الذي يعبره هذا القطار.

هنا أحاورُ محمود خير الله الذي لا يزال يجرى وراءَه الرجلُ العجوزُ الذي خطفَ منه برتقالتَه، والذي لم تُبْقِ له الحياةُ شُرْفَةً على حالها.

ـ دعنا نبدأُ من عند ديوانك الأحدث (الأيامُ حين تعبر خائفة)، ومن عند القصيدةِ التي تتحدثُ فيها عن النافذة. شعرتُ أنكَ لا تريدُ أن تتعامل مع العالمِ كنِدٍّ، وأن النافذةَ بالنسبةِ لكَ كانت مَحْضُ ثقب، إطار، وأن لا وَجْهَ بإمكانه أن يطلَّ منها سوى وَجهكَ، كأنك تريد أن تقول إنكَ قضيتَ حياتك واقفًا، ومتفرجًا، أو كأنكَ تقول إن الذي كان متاحًا لكَ النافذة، وليس الباب مثلًا.

ـ عليكِ إذن أن تعرفي الحكايةَ من أولها، ورغم أنها حكاية قديمة جدًا، لكن يبدو أنني حملتها معي دونَ قصد. لقد قضيتُ سنوات طويلة من عمري أحلمُ أن أطل من نافذة، لن أقول لكِ أن تكونَ لي نافذتي الخاصة، لأنه كان حلمًا لا أقدرُ عليه، فأنا من أسرةٍ فقيرة..ولدتُ في مدينة شبين القناطر، وهي ليست مدينةً بالضبط، هي قرية، أناسُها يرتدون الجلاليب، ومواشيها تسير طوالَ الوقتِ في الطريق، وكانتْ البيوتُ حينها تتكون من طابقٍ أو اثنين بالكثير، ولم يكنْ في ذهني بالطبعِ أن أطل من نافذةٍ من طابقٍ عُلْوِي، فقط كنتُ أريدُ أي نافذة، لأن نوافذ بيتنا كان عددها ضئيلًا جدًا، والنافذة الوحيدة التي كانت متاحةً لي هي نافذة الغرفة التي أنامُ فيها. لا يذهبُ خيالكِ إلى بعيد. لم أكنْ أنامُ فيها وحدي، كان معي إخوتي الثلاث. وهي في الأساس غرفة أختنا الكبيرة والوحيدة. لذا لم يكنْ مسموحًا أن نفتح النافذة، لأننا نسكنُ في الطابقِ الأرضي، ومن السهلِ جدًا أن يرانا الجيران والمارة.. والبهائم أيضًا. وعشتُ هذه الفترة من طفولتي أقفُ خلف النافذة، أنصتُ إلى الحكاياتِ التي تتسرَّبُ منها، وإلى أنَّاتِ العجائز، وعويلِ النساء، وكنتُ أحياناً أقضي الليلَ في عَدِّ الأرجُلِ التي تمر من أمامها. لم يكن بإمكاني حينها أن أتعامل مع العالمِ كنِدٍ، لأنه كان عالمًا مجهولًا وغامضًا، ولم يكن بيدي شيئًا سوى أن أتلصَّصَ عليه. هذا التَّلَصُّصُ فادني كثيرًا، لأنه عَلَّمني مبكرًا ألا أنتظرَ الحياة، وأن أذهب إليها بنفسي. وهذا يعني أنه لم يكن أمامي سوى الأبواب. لكن النافذة ظلت دائمًاالغاية. وحين تزوجتْ أختي، شعرتُ بقليلٍ من الحرية، لأنه صارَ مسموحًا أن نفتح النافذة، وأن نصيرَ مثل الناس، نطل منها، ونتحدث إلى العابرين، ولن أخفي عليكِ، لقد اكتشفتُ عالمًا آخر غير الذي في ذهني، فهناك أشياء لا يمكن أن تَرَيْهَا إلا عبر النافذة، مثل الحب.

إنه الألمُ الذي ينبعُ منه شِعْرُكَ إذن. هناك ألمٌ آخر لمستُه في كل دواوينك مُتعلقٌ بوالدكَ. وقد قرأتُ شهادةً لكَ بعنوان (أنْ تكونَ ابن زنجي) تقول فيها إن العالمَ اختار لسببٍ ما أن يُداعبكَ بلونِ أبيك، وأن هذا جعلكَ تبكي وأنتَ تكتبُ قصيدتكَ الأولى. إلى أيِّ مدى كان والدكَ مؤثرًا في حياتِكَ خصوصًا أنه كان مُدرسًا للغةِ العربية؟

أبي هو الألمُ الأعظمُ في حياتي. أبي كما قلتِ كان زنجيًا، وكان مدرسًا للغةِ العربية. شيئان متناقضان تمامًا. شيئان طالما جعلاني أبكي، لأنني حين كنتُ أسيرُ معه كنتُ أسمعُ ضحكات الأطفال وسبابهم لنا، وكان هذا يؤلمني، ويشعرني بالإهانة، ولم أكن أعرفُ ماذا عليّ أن أفعل، أحيانًا كنتُ أشتمهم، وكثيرًا ما كنتُ أستسلمُ للصمت. أبي كان رجلًا بسيطًا، وفي حاله. وكان هذا يغيظني لدرجةِ أنني حين قررتُ أن أنشرَ أول نص لي اخترتُ أن يكون اسمي محمود خيرالله، وليس محمود إسماعيل، وهذا أزعجه، لأنني كنتُ أخبره أن جدي يستحقُ أن يُلحقَ اسمه باسمي، لأنه كان رجلًا شجاعًا، فحين هجمَ عليه مجموعة من اللصوصِ دافعَ عن نفسه وقتلهم جميعًا. ربما أردتُ من أبي أن يقتلَ الناسَ الذين يسخرون منه، ربما أردتُ ألا نسير بجوارِ الحائط، وأن نرفع رؤوسنا في وجوهِ المارة. أعتقد أنه ليس هناك أسوأ من أن يقولَ لكَ الناسُ يا ابن الأسود، وأن يكتشفوا ذلك من دون أن تخبرهم. ففي يومٍ زارتنا زوجةُ نسيبي، وهي امرأةٌ أمريكيةٌ تعرفُ جيدًا في عِلْمِ الأعراق، حين رأتني لأولِ مرةٍ قالت إنني ابن أسود وامرأةٍ بيضاء، ورغم أنني كنتُ ناضجًا وقتها بما يكفي، لكنني تألمتُ وتذكرتُ المرارات التي عشتها بسببِ بشرةِ أبي، إذ ظللتُ فترةَ مراهقتي وشبابي أشعرُ بالاضطهاد، وبقسوةِ العالم، ولم يخففْ من وطأةِ ذلك سوى سطرٌ شِعْريٌ لشاعرٍ أمريكي، ترجمه صديقنا أحمد شافعي، وهو “كُلُّنا في الليلِ شُعَراء سُوْد”.

ولماذا كنتَ تبكي لكونه مُدرساً؟

ـ أبي كان عاشقًا للغة، وكان يُخَصِّصُ جزءًا من وقته لتعليمي قواعدَ النحو، ولم يكن بالطبعِ يطيقُ أن أخطئ، لذا كان يضربني. أذكرُ أنه صفعني مرةً بقوة، حين كنتُ في الصف الثاني الإعدادي، وسقطْتُ مَغشيًا عليّ، ولا أعرفُ هل كانت الصفعةُ قوية، أم أنني كنتُ هزيلًا بما يكفي، لكن ما أعرفه أن أبي تأثرَ وقررَ ألا يضربني ثانية. أبي أيضًا كان عاشقًا للصحافة، وكان يقرأ يوميًا مقالًا لمصطفى أمين، وكان يُلزمُ أخوتي بقراءته، ورغم أنه لم يكنْ يطلبُ مني ذلك، لأنني كنتُ صغيرًا، إلا أنني كنتُ أقرأُ حتى يرضى ويغفر لمن لم يقرأْ من إخوتي. لقد كان مثقفًا، وكنتُ محظوظًا أنَّ في بيتنا مكتبة، لأن هذا ساعدني مبكرًا على الدخولِ في عالمِ الأدب. أشعرُ أحيانًا أنني أكتب الشعر لأجلِ أبي الذي لم يستطعْ كتابةَ قصيدةٍ واحدة. وبرغم ذلك، أشعرُ بالأسفِ لأنني عشتُ عمري ثائرًا عليه، إذ كنتُ مُنساقًا وراءَ دعواتِ قتل الأب، وكراهيته، ولم تتوفر لي فرصةَ الحديث معه بشأن آلامه، إلا قبل أن يموتَ بعامٍ واحد، إذ أصيبَ بالسرطان، وكان يأتي للقاهرةِ ليخضعَ للعلاج، ولأني الوحيد من إخوتي الذي يعيش هنا، فقد رافقته، ورأيته وهو ينتهي تمامًا.

هل مأساة والدِكَ هو ما جعلك تتبني قضايا الضعفاءِ والمُهمشين والمنبوذين وغير القادرين على كتابةِ الشعر.. أم لأنكَ تحمل أيديولوجية معينة؟

ـ لم تكنْ مأساة أبي وحدها، كانت لديّ عمة تأثرتُ بها، وقد كتبتُ عنها قصيدةً في ديواني (ظل شجرة في المقابر). هي أيضًا زنجية، وعاشتْ عمرها وحيدة، ولا يقترب منها أي رجل، وحين وصلتْ إلى الخمسين، تقدم لها رجلٌ عجوزٌ وكفيف، فوافقت، وتزوجته، لكنه لم يدخل بها، لأن أولاده اعتدوا عليه وأجبروه على الطلاق، الأكثر من ذلك، أنها أُصيبتْ بمرضٍ عقلي، وعاشتْ أواخر أيامها عبئًا على الآخرين.وجدتني من البدايةِ مُتبنيًا قضيتها، وقضايا الناس الذين عشتُ معهم. الكتابةُ عن عمتي مثلًا أهم عندي بكثيرٍ من الكتابةِ عن سهير القلماوي! لذا واجهتني مشكلة كبيرة مع بعض الذين يكتبون قصيدة النثر، لأنهم استبعدوا الناس، والقضايا الكبرى منها، وفي رأيي القضايا الكبرى لا تموت، لأن الفقر لا يموت، القهر لا يموت، الجهل لا يموت. بعد ذلك، بالتحديدِ حين دخلتُ الجامعة، تعرفتُ على ماركسيين، ولم يعد تبني قضايا المهمشين والفقراء والذين لا خطابَ لهم قناعةً فطرية، بل قناعة موجهة، وأيديولوجية. في النهاية، هناك شيء أكيد، أن الشاعرَ هو السنوات العشر الأولى، وأنا من الذين عانوا، من الذين انطلقوا في الشوارع، وصنعوا طائرات ورقية. لذا ليس بإمكاني أن أغادرَ هذه الطفولة.. أن أغادرَ هؤلاء الناس.

كنتَ من الذين هاجموا شعراء جيلكَ لأنهم كانوا مهتمين بقصيدةِ الذات والجسد، رغم أنهم فعلوا ذلك للتمردِ على شعراءِ السبعينيات والثمانينيات.. هل يُعيبُ الشاعر أن يكتب عن ذاته التي تتماس في النهاية مع ذوات الآخرين؟ هل يُعيبه أن يكتبَ عن الجسدِ الذي هو طريقة لاكتشاف العالم؟

ـ ليس عيبًا بالطبع. العيبُ أن يكون هناك توجه لأن تصير قصيدة النثر هي قصيدةُ الذاتيّ والفرديّ والجسدي. العيبُ أن تكونَ هناك قاعدة يلتزم بها الجميع ويمشون في ركابها. أنا أتعجبُ من هؤلاءِ الذين يفرضون وصايا على الشِّعر، ويعتبرون القصائدَ المتبنيةَ للقضايا الكبرى قصائد بالية، لأن هذا النوع من الدعايا ابن الفكر الرأسمالي، الراغب في تحييدِ أي شيء. الشِّعرُ لا يستطيعُ أن يكون محايدًا، الشِّعرُ يجب أن يكون منحازًا، إما لذاته، أو لذواتِ الآخرين. كان أشهرَ الذين يكتبون هذا النوع من الشِّعرِ على سبيل المثال أحمد يماني، وهو صديقي، وأحبه كثيرًا، لكنني لم أرَ أن الاحتفاء بالذات والجسد في ديوانه (شوارع الأبيض والأسود) يمثلني، في المقابل كان هناك شعر عماد أبو صالح، الذي يحمل قضايا البشر، يقول في قصيدة: (حتى لو في البالوعات/ سيلتقي ماء حموم رجل وحيد/ بماء حموم امرأة وحيدة). أعتقد أن الشِّعر يجب أن ينبع من قضية، حتى يستطيع أن يكون شعرًاحقيقيًا، وصادقًا. من هنا جاء انحيازي المبالغ فيه للشاعرِ الفلسطينيِّ طه محمد علي.

هناك من يسخر من وصف الشعر الحقيقي والصادق. يقولون ما هو الحقيقي.. وما هو الصدق؟ ومن الذي يستطيع أن يحدد ذلك؟ فالقصيدة التي أتأثر بها، قد لا تتأثر بها أنت، كما أنه ليس من الضروري أن ينبع الشِّعر من الألم.

ـ لا أستطيعُ أن أقول ما هو الشِّعر الحقيقي والصادق، لأن ليس هناك تعريف محدد له، لكن بإمكاني أن أحكي لك شيئًا، حين كنتُ في مدينة “سيت” في فرنسا، شاركتُ في ندوةٍ أقيمتْ على البحر، وكانت هناك امرأة بين الحضور تحتضن طفلتها، لاحظتُ وأنا ألقي قصائدي أنها تمررُ يدها على جسدِ الطفلة، وأن الطفلة في حالةِ هدوءٍ تام، كأن ما أقوله، وما تفعله أمها، يخدرها تمامًا. وفي منتصفِ قراءَتِي، وجدتُ الشاعر التونسي عبد الوهاب الملوّح يُحيني قائلاً: الله يا ابن القحبة، فأشارت له المرأة -التي لا تعرف اللغة العربية- لكي يسكت. ما أريد قوله، أن الشعر الحقيقي والصادق هو من يصل إلى الناس.. من يعبر عنهم، ويكشف لهم المناطق الكامنة في ذواتهم. الشعر الحقيقي والصادق -في رأيي- يجب أن ينبع من ألم، وأعتقد أن كلنا لدينا آلام، فما الشاعر سوى مجموعة من الآلام المهضومة، المهم أن تكون هذه الآلام حقيقية، ولا تسأليني كيف تكون حقيقية!

لن أسألك، أريد فقط أن أعرف هل غياب الألم ينفي الشعرية؟ وهل من الضروري أن يكون للشاعر تجربته الخاصة، وأن يحدد موقفه من الإنسان والعالم.. أم أن الموهبة وحدها قد تكفي؟

ـ غيابُ الألم لا ينفي الشعرية، لكنه قد يجعل القصيدة لا تتحركُ من مكانها. الذي ينفي الشعرية هو غياب القضية. وليس من الضروري أن تكون هذه القضية مرتبطة بفقراء ومهمشين، قد تكون مرتبطةً بالذات، وأحبها. هناك تشارلز بوكوفسكي على سبيل المثال، لم يكن يعنيه سوى أن يعيش حياته، وأن يكون سكرانًا وبرفقةِ النساء، لكنه استطاع أن يصنع عالمه الخاص. هنري ميللر لم يكن له قضية كبرى، وكان يكتب من منطلق ذاته، لكنه وصل إلى قلوب الملايين. أتصور أن من المهم أن يكون للشاعر تجربته الخاصة وحيواته المتعددة، وهو ما يفسرُ لماذا ليس لدينا الكثير من الكاتبات، لأن المجتمع لا يسمح للمرأة أن تتنفس، وأن تأخذ حريتها، فالمرأة قد تصلُ إلى الثلاثين ولم تَعِشْ سوى تجربةَ حُبٍّ واحدة، كما أنها لم ترَ العوالم الغريبة الموجودة في البارات والغرز والمقاهي الشعبية، المرأة أيضًا لا تعي خطورة هذا الفخ، سأحكي لكِ موقفًا، في يومٍ ذهبتُ لأحضرَ ندوة لإحدى الكاتبات، ودخلت القاعة وأنا أهرول، وحين جلست بجوار واحدة من الحضور، تأففت وطلبت مني أن أبتعد عنها، نعم كانت رائحتي كريهة، لأن الشمس بالخارج كان قاسية، لكنني فكرتُ لوهلةٍ ماذا لو جلبتُ معي نساءَ القرية ليحضرنَ الندوة؟! أَنْتُنَّ إذن تكتبنَ لمجموعةٍ معينةٍ من النساء. دعينا نعترفُ أن هناك خللًا كبيرًا، وإن اعتمدتْ المرأةُ على موهبتها فقط، سوف لن تصل لشيء، الرجل كذلك، لأن الموهبة وحدها لا تكفي، وهناك الكثير من الشعراء الموهوبين الذين بدأوا معنا، وتوقفوا، وإن سألتيني عن الجحيم، سأقول لكِ إن الجحيم هو أن تتوقف عن كتابةِ الشِّعر. كما أتصور أنه يجبُ أن يُحدِّدَ كل منّا موقفه من الإنسان والعالم. ولا أرمي إلى أن الشِّعر بإمكانه أن يغير العالم، الشِّعر بإمكانه فقط أن يُنقذَ الخيال، ويحافظ عليه.

رغم أنني أعرفُ أنكَ تراجعت عن البيان الشخصي الذي كتبته قبل 15 عام، ونشرته في ديوانك (ظل شجرة في المقابر) إلا أنني أحتاجُ لأن أتوقفَ عنده قليلًا، لماذا كنتَ مُتحاملًا هكذا على أنسي الحاج؟ إذ قلتَ إننا نخالفُ معتقداته وظنونه الشخصية والاعتباطية. ولماذا حين تجد شاعرًا يُحبُّ أدونيس، أو متأثرًا به تسخر منه؟ أنا نفسي مرة كتبت على صفحتي الشخصية على الفيسبوك أنني أشعر أن وديع السعادة كتب كل الشعر الذي من المفترض أن يُكتب، وشعرتُ أنك غضبت، إذ علقتَ قائلًا: لا طبعًا..كل منّا بستانيّ في حديقته. هل بإمكاني أن أقول إنك “واخد موقف” من الشعراء الشَّوام؟

ـ حسنًا، نبدأُ من عند أنسي الحاج، لقد كتبتُ اعتذارًا له بعد وفاته، ونُشر هنا في “أخبارِ الأدب”، وقلتَ إنني لم أكن أعي قبل أن أكتب البيان الشخصي لما يكتبه، وأنني قرأته بعنايةٍ بعد ذلك وأدركتُ المعاني العميقة والأساليب غير التقليدية التي يستخدمها. والذي دفعني للهجوم عليه أنه لم يكن حينها هناك نقدٌ حياديٌّ لأعماله، فإما أن تجدي تبجيلًا وتعظيمًا له، وإما نيلًا منه، وفي الحالتين لم يكن هناك مبررات مقنعة، لذا كانت الرؤية لديَّ مشوشة. ولا أحد ينكر أسبقية أنسى الحاج وغيره من الشعراء الشَّوام في قصيدة النثر، ولا أستطيع أن آخذ موقفًا منهم، أنا فقط ضد التعامل معهم على اعتبار أنهم آلهة، وهو ما يجعلني أسخرُ من الشعراء المصريين حين أجدهم يفعلون ذلك، لأننا في النهاية بشر، ولنا أخطاؤنا الفادحة. وبالنسبة لوديع سعادة، أنا أحبه جدًا، وقد تأثرتُ به في بداياتي، خصوصًا بديوانه (بسبب غيمة على الأرجح)، لكنني أخالفكِ الرأي في أنه كتبَ كل الشعر الذي من المفترض أن يُكتب، لأنني أحسب أن الشعر كثير ومتعدد، فخلف كل عمود إنارة، وتحت كل حَجَر، قصيدة بانتظار أن يكتبها شاعر ما.

قلتَ أيضًا إن “قصيدة النثر في مصر لا تزال عاجزة كأنها سقطت في فخ نفسها”، “ولو كان العمر امتد بصلاح عبد الصبور وليس بأحمد عبد المعطي حجازي لَمَا كان المشهد الشعري لينتهي إلى هذا المصير”.. لماذا ترى ذلك؟

ـ لأننا لم نستطعْ أن نصل بقصيدة النثر في مصر إلى الوضع الذي يليق بها، فهناك تخريب يحدث للذائقة العامة، بسبب استبعادها من المؤسسات ذات الطابع الجماهيري، واستبعادها من مناهج التعليم والأزهر، فالدولة لا تقدم سوى نوع واحد من الشعر، والنتيجة أن الكثير من القراء العاديين لا يميلون إلى قراءة قصيدة النثر، ولا يفهمونها، عفوًا ليس فقط القراء العاديين، بعض العاملين في الثقافة أيضًا، فلديَّ تجربةً مريرةً مع مجلة شعر، إذ كنتُ أشغل فيها لفترةٍ ما منصب سكرتير التحرير، وفي يوم ذهبتُ لرئيس التحرير بملف عن الشاعرِ الكردي الكبير شيركو بيكه س، نظر فيه وقال بتهكم “مين شيكو بيكو دا يا أستاذ محمود.. إنت كل شوية تجبلنا شاعر مانعرفهوش”، فقلت له أنت لا تصلح لهذا المكان، ولأنك لن تمشى، سأمشي أنا، وبالفعل قدمت استقالتي. هذا ما يحدث غالبًا، أناسٌ ليسوا على درايةٍ بالمشهدِ الشعريِّ يتحكمون فينا، وفي الأماكن التي تهتم بالشعر. لذا كنت أتمنى بالطبع أن يبقى صلاح عبد الصبور، وليس أحمد عبد المعطي حجازي، الذي ظللنا- على مدار الستين عامًا الماضية – تحت رحمته، فهو من يحدد مسار الشعر، وهو من يختار الشعراء الذين تذهب إليهم جائزة الدولة التشجيعية، ليس معقولًا مثلًا ألا يتم دعوتي أنا وكثير من شعراء قصيدة النثر لإلقاء قصيدة أو للمشاركة في فعالية ينظِّمُها المجلس الأعلى للثقافة أو اتحاد الكتَّاب أو مؤتمر الأقاليم، ليس معقولًا أن أول دعوة حقيقية من مؤتمر شعري كبير تأتيني من فرنسا، أريد أن أعرف مثلًا لماذا لا نسمع عن “بيت الشعر”، وما الدور الذي يقوم به، ومن أين يأتي بالشعراء الذين لا نسمع عنهم، ولماذا لا يمنح جائزة، مثلما يمنح بيت الشعر المغربي جائزة لوديع سعادة، صحيح قد يَفْسَدُ شعراءنا بعد الجوائز، لكن الجائزة دليل احترامٍ لهذا النوع من الشعر، للأسف بيت الشعر يدمر الشعر.

نعود ثانية إلى ديوانك الأحدث، أشعرُ أنه الأكثر نضجًا واكتمالًا في تجاربك، وأنك فيه تعرف ما الذي تريد قوله.. إن كنتَ تتفق معي في ذلك، ما الذي يحتاجه الشاعر كى يستطيع أن يقبض على صوته الشعري؟

ـ صحيح، لأنني كتبته في عشر سنوات تقريبًا، وفي هذه المدة تغيرت ملامحه عشرات المرات، إذ كنتُ أمزق الكثير من القصائد التي أشعر أنها تشبه قصائدي القديمة، أو قصائد غيري، فأحيانًا أقع في جمال عبارة، وأعمل عليها، فأنا مثل أي أحد قد أتأثَّر، وقد أشعر بالغيرة، أذكر مثلًا أنني حزنت جدًا حين أصدر على منصور ديوانه (الفقراء ينهزمون في تجربة العشق)، لأنني لم أكتب هذا العنوان، وظللت فترة طويلة أحاول أن أثبت من خلال قصائدي أن الفقراء لا ينهزمون، تحديًا للعنوان الجميل، لكن الواحد نضج مع الوقت، وصار حريصًا جدًا على ألا يُشبه أحدًا، فالشاعر عليه أن يكون نفسه، وأنا أشعر أنني أشبه نفسي، خصوصًا في الديوان الأحدث، فهو كما قلتِ التجربة الأكثر نضجًا واكتمالًا، لأن فيه اختلفت رؤيتي، فقد تحوّلتُ من الشاعر الذي يرى أنه “مثلما يذوب السكر في مؤخرة الكوب/ يذوب في مؤخرة كل شهر شاعر من مصر” وهو نص من ديواني الأول، إلى الشاعر الذي يحلم أن يكون شجرة، ويتحول إلى جسر بين ضفتين، لتمر أحذية الفقراء على رأسه، فديواني الأول كان يحمل صرختي الأولى وإحساسي بالفاجعة والمرارة، وكان فيه رغبة مُلحة للظهور، ولفت انتباه العالم، لكن صراخي صار يَقِلُّ في دواويني التالية، حتى خفتَ تمامًا في ديواني الأحدث، إذ صار لديّ خبرة في التعامل مع الحياة والمشاعر واللغة، وأعتقد أن بالوقت، وبالقراءة المستمرة، يكتسب الشاعر صوته، لأن الاعتماد على الإلهام وحده قد لا يصل بك إلى شيء.

هل الأفضل أن يقدم الشاعر صرخته الأولى كما هي، أم يصبر لحين يهدأ وتنضج مشاعره؟

ـ وفق تجربتي، الأفضل أن يقدم صرخته الأولى، لأنه لن يتعرف على صوته إلا بالخطأ والتجربة، صحيح أن الصرخة قد لا تفعل شيئًا للعالم، لكنها تفعل كثيرًا للشاعر، يكفي أنها تجعله يعرف ما الذي يريده، وما الهَمُّ الذي سيتبناه، يكفي أنها الشيء الوحيد الذي سيبقى معه، وإن كانت صرخة حقيقية وصادقة، سوف تخلص له، وترد إليه ما قدمه للشعر.

هل تشغل بالك بالقراء؟

ـ لا أبدًا. أنا مشغول فقط بالإنتاج، لأنني اكتشفتُ بعد عودتي من فرنسا أن كُتُبِي قليلةً جدًا، وهو ما جعلني أعكفُ على كتابة سيرتي الذاتية. وعلى كل حال لقد عشتُ فترةً طويلةً من عمري بدون قراء، ولم يزعجني هذا، لأنني أؤمنُ أن الشِّعر في النهايةِ سوف يفي بوعده.

…………..

* أخبار الأدب 27 مارس 2019

عودة إلى الملف

مقالات من نفس القسم