مثلّث الصّنوبر

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

قصة : إسماعيل غزالي *

أيقظني صهيل مهرة رقطاء على تخوم نهر يشعشع على ضفّّتيه زهر الدّّفلى ، لون هذا الزّهر المفرد سيظلّ يضرّج الأحلام والرّغبات والنّزوات ، هل لأنّه يشبه قرمز شفاه أو فروج النّصرانيات ؟ أم لأنّه لون جراح المغدورين ؟

المهرة الرّقطاء جامحةً ركضتْ على التلّة واختفت فيما وراء اصطبل الدّار المنتصبة في الحافّة كما قبّة ضريح ، والنّهر الصّغير ، المهمل ، ينزّ بصديد المعدن كما لو أنّ ماءه اندلع من منجم للرّصاص ، تلك المهرة الرّقطاء التي خضّبت العصر بصهيلها الوثير تمتلكها الفتاة المنمّشة التي ترمّم صورة وجهها في دلو البئر الآن ، قبل أن ترقص خطواتها على الطّريق الفاصلة بين حقلين متواشجين ، واحد لعبّاد الشّمس والآخر للثّوم ، على مقربة منّي حيث أستظلّ بستّ شجرات صنوبر على ضفّة النّهر وقد كان عددها البارحة سبع . ستقرفص وقد شمّرتْ عن فستانها الغريب ، من المؤكّد أن خيّاط السّوق الأسبوعيّ في المدينة المجاورة من ارتجل صنعه ، وهو خيّاط محظوظ يقصده كل زبائن هذه القرية المهجورة ، ليس لأنه حاذقٌ في الفصالة وبديع الخياطة ، بل لأنّه ينحدر من سلالة هذه القبائل التي عمّرت المكان المعفّر بأثرهم المنسي ، هجر إلى المدينة من أجل الدّراسة وانتهى به الأمر إلى هذه الحرفة الكرنفاليّة ، و صار أزيزُ إبرةِ ماكينتهِ العتيقة ذات الدوّاسة المفلطحة يُسمعُ كلّما ذُكر يومُ السّوق ، ويصعب تخيّل جسده المجهول خارج كرسيّها الخشبيّ الّذي يتربّعه بانحناءة محدودبة على عتبة سرادق لبيع الثّوب ... كنّا نتوسّط مثلثّا من ستّ شجيرات صنوبر ، والسّابعة تمّ احتطابها في ظروف غامضة البارحة فقط ، وهذا ما لم يفتني وسألتها عن الّذي ارتكب قطعها بفأس ، وبدل أن تجيب عن السّؤال الحزين ، قالت بنبرة مكدومة : غدا أهاجر إلى المدينة ...

قبّلتني وركضتْ كما مهرتها من حيث أتتْ ، ولم يتيسّر لي الغطس معها كما اعتدنا في بحيرة نزواتنا الغضاريّة . تلمّستُ بيدي علبة السّجائر في جيب القميص الفاخر الزّرقة الّذي أهدتني إياه النّصرانية ، الشّقراء ذات العقد الرابع ، ووجدتُ أن عدد السّيجارات ستٌّ أيضا كما هذه الصّنوبرات المحيطة بي والصّدفة الغريبة أن تكون السّيجارة السّابعة مُدخّنٌ غالب تبغها ، لم يبق منها إلا رشفة أو ثلاث على أبعد تقدير وتشبه في خيال صورتها البعيد أو صورة خيالها البعيدة ، جذع الشّجرة السّابعة المعدومة .

الفتاة الحمراء صاحبة المهرة الرّقطاء ، بنت راعي النّصراني الوحيدة ، ستهاجر إلى المدينة لتكون خادمة في بيت غريب ، والّذي توسّط في عملها المقيت هذا هو خيّاط السّوق الأسبوعي ، بتدبير من أبيها خوفا عليها من حادثةِ شرفٍ محيقة كما وقع مع فتيات من عمرها سقطن تباعا في وقت وجيز ، وقد يكون خوفا عليها من عين النّصراني ذاتها ، التي تلهج ببرق الرّغبة والهتك كلّما لمح طيفها أو تأمّل تضاريس لحمها البرّي كما يثرثر بذلك صديق الرّاعي المفقوءة عينه اليسرى ، عين جاحظة فقدها في لعبة الفروسيّة بفعل طلقة بارود سيئة وخاطئة من بندقيّته ، والرّاعي صاحب الشّارب الوارف هو من يترأّس فرقة الخيالة وهم في انتظارٍ فائرٍ لعيد وطنيّ قريب أو مناسبة دينيّة كي ينادى عليهم ليدعكوا بحوافر خيلهم أرض المدينة المجاورة ويوقظوا غبار حنينها الأوّل ، والرّاجح أن يكون قد كذب على النّصراني الرّافلِ عمرهُ في دِمقس العقد الخامس ، صاحب البيت الشّبيه بقبّة الضّريح على التّلة ومالك الضّيعة الشّاسعة واخترع بذلك حكاية دراستها عند خالتها لأنّها في غنى عن حاجة العمل مادامت زوجةُ النّصراني الشّقراء – ذات العقد الرّابع الّتي أهدتني القميص الفاخر الزّرقة – تعطف عليها كبنتٍ لم تلدها وهي من أهدتها المهرة الرّقطاء ، هذه الشّقراء ، وهي عشيقتي طبعا ، هي من أخبرتني بأنّ زوجها الّذي يحترف النّحت على الخشب هو من احتطب شجرة الصّنوبر السّابعة ، المنتصبة على ضفّة النّهر الصّغير ، النّهر الّذي ينزُّ صديدا كما لو أنّ مياهه مندلعة من منجم رصاص ، وما من شكّ أنّ الصّنوبرة ستؤول في ورشته إلى عمل فنّي غريب . الشّقراء الأربعينيّةُ هذه تعرّفت إليها قبل أن يبتاع زوجها هذه الأرض ويحوّلها إلى ضيعة خاصّة ، وكانت لحظتئذ سائحة تستكشف المكان بالصّدفة ، بحثا عن فصيلة نادرة من العصافير ، لأنّها تعدّ كتابا مع ألبوم صور خاص بأنواع ذات مناقير حمراء ، وتمّ اختياري كي أكون دليل رحلاتها في الهوامش والفجاج والشّعاب ، ما دمت الوحيد من كل سكّان القرية الخرائبيّة من يتواصل بفرنسيّة وإن ركيكة ، وفي غضون شهرها الأوّل من البحث والإستكشاف والتّصوير لم تفتنْ بسحر المنطقة البربريّة وحسب وإنمّا افتتنتْ حدّ الوله بي وبجسدي الغجريّ أيضا وحدث أن تضاجعنا أكثر من مرّة بشكل تلقائيّ من أوّل أسبوع داخل الغابة وقريبا من النّهر في مثلّث الصّنوبرات السّبع الّتي أصبحتْ ستّا … وبعدها ستقترح على زوجها زيارة المكان العذريّ والوحشيّ في آن ، اللاّئق بورشته الفنّية ودهشة خياله المارق ، وهذا ما وجده غائر الدّهشة حين وطأت قدمه التلّة الشّاسعة وقرّر لتوّه أن يبتاع هذه الأرض المعشوشبة على مدار الفصول الأربعة . كنا نترصّد أحد العصافير الأشدّ انفلاتا والمسمّى بالأمازيغيّة : مْسْضْمّْعْ إِمْكْسَاوْنْ ، أي ما معناه العصفور الّذي يجعل الرّعاة يطمعون فيه ، فهو يرتمي قريبا من أقدامهم كما لو أصابه كسرٌ في جناحه أو عطب يشلّ من حركته وما أن يقترب الواحد منه إلاّ ويتطاير بشكل يوهم بأنّه مايزال مكسور الجناح ومن السّهل بمكان الإجهاز عليه ، ويسقط قريبا وبمجرّد التقدّم منه يتطاير من جديد بذات الطّريقة والحيلة وهكذا دواليك ، ولم ننجح في التقاط صورة ماكرة له ، لأنّ في كل مرّة كنّا نخرج لذلك ، كان يحدث شيءٌ طارئٌ يحول بيننا وبينه ، وهذه المرّة كان خبر اغتصاب الفتاة الحمراء المنمّشة في المدينة المجاورة من طرف مشغّلها هو ما وخز قلبينا معا ، وجعلنا نقفل إلى الضّيعة . والفضيحة التي كان الرّاعي ، صاحب الشّارب الوارف ، يحاول أن يحمي بنته الوحيدة من فخّها المحيق ، هي الّتي كانت بانتظاره وهو يدفع بها إلى مصير غامض بوساطة من خيّاط السّوق الأسبوعي وسخرية القدر أن يكون هاتكُ عرضها هو رجل تعليمٍ متقاعد في العقد السّادس من عمره وهو أبٌ لأكثر من ستّ أولاد والسّابع يمتهن المحاماة ، كما يثرثر بذلك صديق الرّاعي ، المفقوءة عينه اليسرى ، بإسهابٍ للمتحلّقين حوله من العجزة في مثلّث شجراتِ الصّنوبر الستّ ، أي المشهد الأليف الّذي فقد الشّجرة السّابعة من أسبوع ، على ضفّة النّهر الصّغير ، النّهر الّذي ينزّ صديدا كما لو أنّ مياهه مندلعةٌ من منجم رصاص ، وهو السّرير البرّيّ الأثير سابقا أي مثلّث الصّنوبر ، لنزواتنا الغضاريّة ، أنا والفتاة الحمراء المنمّشة ، صاحبة المهرة الرّقطاء . ومايزال خيال الشّجرة السّابعة يهوّم في رأسي كما صقرٍ ، يحاول حدسي أن يرسم صورةً لما يمكن أن تؤول إليه في ورشة النّصراني النّحات مالك الضّيعة ، وأخمّن كلّما دخّنت سيجارةً أن تتحوّل إلى تمثال امرأة عارية أو مجسّم ذئب أطلسيّ ، أو طائر جارح ، ربمّا ثعلب أو أيل ، أو مجموعة سلاحف أو وجوه خيل وربّما مهرة رقطاء …؟!؟…

في الوقت الذي كان غجر القرية يتداولون خبر تطوّع خيّاط السّوق الأسبوعي بالزّواج من الفتاة الحمراء بنت الرّاعي صاحب الشّارب الوارف ، كان هذا قد هاجر الضّيعة والمكان ليلا مع زوجته وبنته الوحيدة دون أن يترك علامة لأثر وجهته الغامضة وهذا ما جعل النّصراني ، نحّات الخشب ، يتقصّى أمره صباحا ومساء وظلّ مكانه شاغرا طيلة أسبوع على أمل عودته ، وعندما تمكّن منه اليأس فوّض لصديقه ، المفقوءة عينه اليسرى ، أمْرَ تدبيرِ ما كان يضطلع به الأوّل وأمّا المهرة الرّقطاء فظلّتْ تركض لوحدها بين شجرات الصّنوبر والبيت المنتصب على التلّة كما قبّة ضريحٍ لأسبوع ثانٍ ، دون أن ترجع صاحبتها المنمّشة ، وفي بداية الأسبوع الثّالث احتفلتْ معي الشّقراء ذات العقد الرّابع بانتهاء كتابها الفوتوغرافي الخاص بالعصافير المتوسطيّة ، حمراء المناقير ، وكان زوجها ، نحّات الخشب قد خرج في رحلة صيد مع الرّاعي الجديد إلى الغابة ، وفي السّهرة أفصحتْ لي عن سفرها القريب نهاية الأسبوع مع زوجها إلى بلدهما الثّلجي ، هي تسافر من أجل إصدار الكتاب وهو من أجل أن يعرض جديد منحوتاته ، وقفز إلى ذهني مصير تلك الشّجرة السّابعة الغريب ، ولم أجد عندها الجواب الشّافي ، لأنّها تجهل الأمر أيضا ، فمن شهر لم تدخل ورشته ، ووعدتني بأن توافيني بخبر ذلك في لقاء أكيد قبل سفرها الوشيك ، مستغربة كيف أن بالي بات منشغلا أكثر من اللاّزم بحكاية تلك الشّجرة العزيزة … وفي متمّ الأسبوع الثّالث ، سيشطرني والشّقراء والبلدة الصّغيرة ، خبر انتحار النّصراني ، نحّات الخشب ، شنقا في ورشته وقد ترك رسالةً لزوجته يوصي بأن يدفن في مدينته الثّلجية ، مسقط رأسه ، وبأن يُحملَ مع جثّته بعض فصوص من ثوم الحقل وزهرة عبّاد الشّمس في التّابوت الذي صنعه بنفسه ، لنفسه ، من شجرة الصّنوبر …

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

* قاص من المغرب

 

 

خاص الكتابة

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق