متاهة الدار

متاهة الدار
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

لا نعرف "دار/نا" دفعة واحدة، بل عبر زمن. تتراكم معرفتنا بها بطريقة فوضوية وهزلية.

الجد وابنه الأكبر

كان عمي الأكبر "جاد" عمدة الدار، وصاحب السلطة المطلقة.. يحدد ماذا نأكل وماذا نلبس.. ومن يحتاج نقودًا.. كان صارمًا مهيبًا أكثر منه قاسيًا. كتبتُ عنه ذات يوم بأنه "عبد الناصر عائلتنا".

أما الجد فكان يعيش سنواته الأخيرة دون التزام بشيء.. يذهب للصلوات ويصغي إلى القرآن الكريم في غرفته.. يُسلي نفسه بالجلوس على الرصيف وتأمل العابرين. كما كان بارعًا في الأشغال اليدوية مثل صنع الجوارب والطواقي الصوفية والطواقي المصنوعة من سعف النخيل وكنا نسميه "الخوص". كانت تروق لي حركة المغزل الدائرية السريعة والتفاف وانسلال الخيط بين يديه. فطلبت منه أن يعلمني فأخبرني بأول حكمة في حياتي: "بص واتعلم".

أعطى جدي تفويضًا كاملًا بكل سلطاته إلى ابنه الأكبر، ثم حج وارتاح.. وظل الطلاء الأزرق على الجدار الخارجي للدار والمرسوم عليه كعبة وجمل وطائرة شاهدًا على الترحيب به عقب عودته حاجًا من الأراضي الحجازية.

 ولأن لديه عشرة من الأولاد والبنات وما يقرب من خمسين حفيدًا.. عدا عن الأقارب والمعارف.. كان الحاج يُزار باستمرار.. قافلة من الحمير تذهب بأقاربنا إلى قرى مجاورة وقافلة تأتي.. وكانت المندرة المطلية بلون أزرق سماوي والتي بها طاولة كبيرة وثلاث كنبات أسطنبولي، هي المقر الرسمي لاستقبالاته، وملاذ شيخوخته. وبرغم تخليه عن السلطة احتفظ بسلطة رمزية هائلة. فلا يتصور أحد أن هناك من يعصي له كلمة. وإن كنت لا أتذكر أي حوار دار بينه وبين ابنه الأكبر.

اعتاد الناس أن ينادوه "الحاج عبده" ولاحقًا اكتشفت أن اسمه الرسمي في الأوراق "عبد الجواد" وأن اسم عمي الأكبر الرسمي "عبده" وليس "جاد" كما يُنادى.. كانت فكرة غريبة أن عددًا من أفراد أسرتي لديهم أسماء ينادون بها وأسماء أخرى لأوراق الحكومة.. والأغرب أن معظم أولاد وبنات جدي أطلقوا على أحد أبنائهم اسم أبيهم "عبده".. حتى أبي فعل ذلك.

كان ثمة ولع بتخليد ذكرى الجد.. اذكر مرة أمسكت أنبوبة الحبر وكتبت اسمه على الطاولة الخشبية في غرفته "عبد الجواد علي صالح" وأخبرته أنني كتبت اسمه ففوجئت به يقول لي فيما يشبه الوصية أنه لا يريد أن يُمحى اسمه أبدًا. بل إنه في مرة أخرى لقنني اسمه حتى الجد السادس. وروى لي طرفًا من طفولته كابن لامرأة كفيفة تدعى "ريا" وأب هارب من جيش الإنكليز سرعان ما اختفى من حياته، فكان عليه أن يساعد أمه وأخاه غير الشقيق.

اكتشفت أبناء جدي وبناته تباعًا.. فمعظمهم لم يكونوا يعيشون معنا في الدار، بعد زواجهم وتفرقهم في القرى. وعاطفيًا ارتبطت بالعمات أكثر لأنهن لا يأتين إلا على فترات متباعدة. ويظهرن عاطفة قوية لرؤية الأب.. أكثر من الأم.. ولنا نحن الأحفاد.

وقد تزوج جدي أربع مرات.. وأنجب من ثلاث نساء.. وعايشت بالفعل اثنتين ظلتا على ذمته حتى وفاته، هما "السيدة" أم أبي وعمي الأكبر، و"بهية" أم أعمامي الأصغر.

نهاية عصر الطبلية

عندما أستدعي "الدار" من الذاكرة الآن، تبدو لي مثل متاهة.. شخصيات كانت عابرة وأخرى مستقرة فيها.. شخصيات أتذكر زيارتها لنا لكنني نسيت درجة قرابتها.. كانت هناك تراتبية صارمة لا تخلو من الاحترام للأقارب والجيران والمعارف. تراتبية تتطلب وقتًا لفهمها، فكل رجل يزور جدي كان يجب أن أرحب به "عمي فلان" ثم عليّ أن أستكشف هل هي عمومة دم أم عمومة احترام؟

كان المجتمع صغيرًا لكنه بدا لي معقدًا، فهناك مثلا جيران ليس لديهم أبقار تدر حليبًا، كان جدي يحرص أن نذهب إليهم كل مساء ببعض الحليب.. وفي مواسم الحصاد كان هناك أقارب من درجة بعيدة لابد أن يذهب إليهم في قراهم مخزونهم من الأرز. وعلى الأبناء ألا يقطعوا عادات الأب في العطاء.

"الدار" هي علاقات قبل أن تكون مبنى.. وجوه وحكايات وأحزان من عاشوا فيها.. هي الحنين إلى الأحضان والقبلات والنكات وراكية القوالح في الشتاء وحَب البطيخ المملح وبيض الدجاج التائه تحت حزم القش ونوار البرسيم الأبيض، والطسوت التي تتلقى قطرات المطر وهي تنز من السقف في الشتاء، ومصطبة القش التي كانت تجلس عليها جدتي "بهية".. هي رائحة اللبن المحترق ورائحة روث البهائم في الزريبة خلف الدار.

كنا نستعمل مفردة "الدار" في حكينا ونادرًا ما نقول "البيت"، ولم نعرف فكرة الطوابق المتعددة في قريتنا إلا بعد موجة السفر للعراق بالدرجة الأولى، وبقية دول الخليج. فالدار كانت تتسم بالرحابة وعدد كبير من الغرف والصالة وملحقاتها، وتتصل عبر باب رئيسي بالرصيف  المطل على الشارع.. عدا عن باب خاص بالمندرة لدخول الضيوف دون أن يجرحوا عورة الدار.. وباب ثالث خلفي يتصل بزريبة البهائم.

وكانت الطبلية الخشبية المستديرة بقوائمها القصيرة هي صرة الدار.. المغناطيس الذي يجذب العلاقات كلها ويجمعها لتناول وجبة العشاء بعد الانتهاء من تبييت البهائم وعلفها وحلبها. ثلاثة أجيال تلتف في لحظة زمنية واحدة على ضوء لمبة كيروسين لانقطاع الكهرباء المتكرر. وغالبا كنا نحن الصغار لا مكان لنا فنجلس في حجور أمهاتنا أو إحدى الجدتين. وبعد العشاء مباشرة يبدأ الاستعداد للنوم لأن الدار بطيورها وسكانها وأبقارها لابد أن تستيقظ فجرًا مع صياح الديكة.

رُفعت الطلبية إلى الأبد إثر وفاة عمي الكبير المفاجئة بعد أسبوعين من اغتيال السادات.. وانفكت العلاقات.. وانهارت الدار ومفهوم العائلة نفسه.. كانت كل الخيوط بيد هذا الرجل، وبرحيله تفتت كل شيء.. ازداد انحناء جدي وصمته.. وزادت مساحات العتمة في المساء.. واكتفت جدتي "السيدة" بالتعديد على ابنها البكري لسنوات إلى أن كف بصرها تقريبًا. أما جدتي "بهية" فسقطت من على السطح وعاشت بقية حياتها تتحرك محنية برجل واحدة تقريبًا. وأذكر أنني كنت أركب حمارنا متجهًا إلى سوق القرية المركزي وكنا نسميه "الزاوية" سمعت لأول مرة صوت وديع الصافي ينبعث من راديو ما "دار يا دار". فشعرت بوجع وثقل لا مثيل لهما مع أية أغنية أخرى.

 لامست تلك الأجواء الكئيبة في نص قصير لي بعنوان "يد فاطمة".. وفاطمة كانت العمة الكبرى والبكرية لجدي.. والمعذبة بمحبة الجميع ومحاولة لم ما بدده الزمن حتى وفاتها.

غرف ومهام

عندما مات العم وكانت خبرة الموت الأولى في حياتي.. تمنيت لو كان أبي هو الذي مات.. لأن أبي لم يكن له أية سلطة ولن تؤدي وفاته لكل هذه الانهيارات.. يومها جمعوا أطفال العائلة في الزريبة في غرفة بعيدة كنا نسميها "قاعة العلف" المخصص للبهائم.

بطريقة ما تم نقل السلطة إلى أبي ـ الابن الثاني ـ رغم افتقاره لكاريزما السلطة.. صحيح أننا لسنا أسرة ثرية، لكننا أيضًا لم نكن من الفلاحين المعدمين الأجراء.. فكنا نتحكم في قرابة عشرين فدانًا ما بين تمليك ومزارعة وإصلاح زراعي.. وفي زريبتنا ما يزيد عن ثلاثين رأس ماشية.. وكل احتياجات الدار كان يتم توفيرها بعمل النساء والرجال معًا.. فالنساء كن يقمن بخض الحليب وصناعة القشطة والجبن في الطواجن.. وتربية الدجاج والبط والإوز فوق سطح الدار وكذلك الأرانب.. ولدينا غرفة في الدار نسميها "أوضة المعاش" بها خزين العام من الأرز والقمح والدقيق.. كان هناك اكتفاء ذاتي بالمعنى الحرفي.. فنحن لا نعرف شراء الخبز من أفران خاصة أو حكومية.. فلدينا فرن أعيد بناؤه وهدمه أكثر من مرة وتغير مكانه مع تغير خريطة الدار نفسها. كان في الأساس يوجد في زواية من الزيبة.. وهو يشبه قبة صغيرة شبه مستديرة من الطين المجفف وبعض الحجارة، وينقسم تجويفه الداخلي إلى نصفين بواسطة صاجة كبيرة نسميها "العرصة" حيث يوضع العجين بعد خبزه فوق الصاجة ومن تحتها تشعل النار بالقش، ويقلب الخبز ويسحب بواسطة حديدة طويلة ذات رأس صغير معقوف. وكان بالإمكان إلى جانب الخبز، القيام بشواء وطبخ أكلات كثيرة في الفرن مثل الأرز بالحليب حيث نأكله بعد ذلك بوضع العسل عليه، أو شوي البطاطس والبطاطا الحلوة، والسمك البلطي الذي كنا نصطاده من حقولنا. وبالقرب من الفرن كان هناك "الموقدة" كما نسميها وهي عبارة عن حجرين قائمين توضع فوقهما أواني الطهي وتوقد النار من تحتها. إلى جانب ظهور "وابور الجاز" النحاسي الأصفر ومن بعده "الوابور أبو شرايط" الذي يعتمد على السبرتو، وكليهما أصبح جزءًا من أثاث العروس قبل أن يقوض ظهور البوتاجاز هذا العالم كله.

تقسيم غرف الدار كان محكومًا بطبيعة العلاقات، فعلى ما أتذكر، خصصت غرفة المندرة لاستقبال الضيوف وإقامة جدي في نفس الوقت، وكانت الغرفة الأولى المقابلة لها من نصيب عمي الأكبر وزوجته، أما الغرفة المجاورة للمندرة فكانت من نصيب أمي وأبي، والمقابلة لها خصصت لنا نحن الأحفاد، وآخر غرفتين في البيت للجدتين، بالقرب من الحمام والمطبخ.

وأذكر أن أمي المهادنة قامت بأول محاولة انقلاب لها، حين اشترت بعض الأواني وقررت أن تطبخ لنا وحدنا وتعزلنا، ففي ذات مساء نادت عليّ أنا وأخي كي نأكل في غرفتها، بل وكانت تحممنا فيها في طست نحاسي بجوار سريرها هي وأبي. ربما كان السبب شجار مع زوجة عمي الكبير، أو لغضبها لأن عمي أخذ ذهبها واشترى به بقرة ولم يكتبها باسمها.

أثر فيّ نفسيًا عدم الجلوس على طبلية العائلة، وعبرني هذا الشعور بأن الأمان العائلي لن يدوم، حتى من قبل وفاة عمي الأكبر. وربما لضيق الدار رغم تعدد غرفها وصالتها الكبيرة، قرر جدي بناء دار ملاصقة لها مقتطعًا من مساحة الزريبة المحيطة بها من ثلاث جهات. تم بناء الدار الجديدة  سريعًا وخصصت بغرفها الأربع لأبي، ولجدتي السيدة التي أصبحنا ننام معها في سريرها وهي كانت عجوز صعبة المراس لا يسلم من لسانها أحد حتى بعد أن كف بصرها تقريبًا، وكانت تتأكد بنفسها أننا غسلنا أقدامنا قبل أن نصعد إلى جوارها. وظللتُ متألمًا لألمها على ابنها منصتًا إلى تعديدها عن "جمل المحامل اللي برك"، وأظنها رغم شراستها خصتني بمحبة لم تخصها لأحد من أحفادها.

كوة الحب

ربط الدار القديمة والدار الجديدة ممر معتم صغير كان يخيفني إلى أن تم إغلاقه بالحجارة. وبرغم انتقالنا، اعتدت الجلوس كثيرًا في الدار القديمة إما مع جدي مصغيًا لإذاعة القرآن الكريم والمقرئين العظام، وإما في غرفة جدتي بهية التي انتقلت فيما بعد إلى غرفة أبي السابقة، وفرشتها بمصطبة من القش، وفي حجرها استمعت إلى حكايات وخرافات ملهمة وقرأت عليها أولى محاولاتي في كتابة القصص. ومن يومها أصبحت مدينًا لمصطبة القش في اختيار مهنة الكتابة. وفي الجدار الفاصل بين غرفتها ومندرة جدي فُتحت كوة صغيرة لا تزيد عن 40سم كانت "بهية" لا تستعمل أي إضاءة في غرفتها، وتكتفي بالنور المنبعث من الكوة لو كان جدي مستيقظًا. وكانت بالطبع تسمع نحنحته وربما أنفاسه في الليل. ومن الكوة ذاتها تناديه وتصبح عليه كي يلحق صلاة الفجر. كانت تلك الكوة من أجمل قصص الحب رغم أنهما كانا يتبادلان الصمت أكثر من الكلام. كانت تسمع صوته وتهدئه إذا انفعل وتسمع ما يستمع إليه من تلاوات. وحين أسلم الروح مساء يوم سبت من سبتمبر عام 1987 تشجعت وجلست بجوار رأسه أتلو عليه القرآن الكريم وتسحبت "بهية" على عكازها وجلست على الناحية الأخرى من جثمانه وظلت طول الليل تدلك أعضاءه وتمسد جبينه كي لا يشعر بالبرودة إلى أن يحين ميعاد الجنازة في صلاة الظهر واكتفت بجملة واحدة ترددها: "مع السلامة يا حاج".

كان جدي قد تزوج ثلاث مرات قبلها، وهي أيضًا سبق لها الزواج والإنجاب قبله، لكنها كانت أصغر منه سنًا، وكانت ذات بشرة بيضاء نقية وشفتين رقيقتين وعينين واسعتين مكحولتين كحلًا ربانيًا، وكان شعرهًا طويلًا ناعمًا، شعرة بيضاء وشعرة سوداء، على عكس شعر جدتي السيدة الأحمر من كثرة الحناء، والملفوف مثل كرة خشنة.. فكانت تبدو من دون غطاء الرأس في عتمة غرفتها مثل ساحرة شريرة تثير الخوف والضحك في آن.

تلفزيون تليمصر

من الأحداث التي لا أنساها عندما سافر عمي الأكبر إلى مصر "القاهرة" واشترى لنا تلفزيون "تليمصر" بإطار خشبي بني. وكان من أوائل التلفزيونات في حارتنا.. وعلى ما أذكر تم وضعه في المندرة حيث يتاح للعديد من جيراننا أن يشاركونا الفرجة عليه.. ومن المسلسلات التي أذكرها آنذاك "أحلام الفتى الطائر" وكنا نسميه مسلسل "إبراهيم الطاير" وبسبب الإقبال الشديد حطم جمهور الجيران طاولة خشبية بجلوسهم عليها.. وكذلك مسلسل "عيلة الدوغري".

لكن إلهام وسحر الراديو كان أقوى بالنسبة لي، خصوصًا بعد انتقالنا إلى الدار الجديدة، حيث كان لدى أبي راديو باناسونيك أسود، وكانت أمي تتركه مفتوحًا وهي تعمل في المطبخ.. كان الراديو محرضًا لخيالي بعشرات البرامج مثل دراما "عيلة مرزوق" والقصص البوليسية في برنامج "أغرب القضايا" وأصوات فؤاد المهندس وشقيقته صفية المهندس وعلي فايق زغلول وجلال معوض وفاروق شوشة وإيناس جوهر.. والأوبريتات الموسيقية.. وبالطبع تعرفت على أصوات أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد وعبد الحليم ونجاة ووردة وفايزة من خلاله.

استغرقت العائلة بعد وفاة عمي الأكبر، قرابة عشر سنوات، كي تتفتت "الدار" القديمة إلى أربع بيوت متجاورة للأعمام، وفي تلك الأثناء مات الجد وزوجتاه تباعًا.. وتباعدت زيارات الأقارب، وتشكل مفهوم الأسرة الصغيرة بأسرارها ومشاكلها الخاصة، مع الإبقاء على صلة الرحم بطبيعة الحال. هذا التفتت لم يمنع مثلًا من إعادة بناء فرن في الجرن المفتوح أمام الدار تستعمله زوجات الأعمام.

كانت هناك أشياء كثيرة تختفي تباًعا، مثل الأرانب التي كانت تربيها الجدة بهية أسفل سريرها وكانت تقرض أحذيتنا البلاستيكية، والزير والقلل والطسوت النحاس وزلع المش والطواجن الفخارية، وكذلك مخازن الحبوب التي كانت تبني من الطين وتشبه أبراج الحمام، فوق السطوح وتغلق من أعلى لعدم دخول الفئران ومياه المطر، ويكون لها فتحة من أسفل تسهل عملية سحب الحبوب منها.

في المقابل كانت هناك أشياء كثيرة تظهر منذ مطلع الثمانينيات مثل الثلاجة والبوتاجاز والتلفزيون الملون والغسالة.

العثور على كتاب

كنا أسرة فلاحين نموذجية، نجح بعض أفرادها في تعلم مبادئ القراءة والكتابة منهم أبي، وبعضهم كان يحفظ بعض الآيات التي تساعد على أداء الصلاة.. لكن لا أحد من جيل الأبناء حصل على شهادة دراسية. صحيح أن بعض أحفاد جدي ـ من بناته ـ حصلوا على شهادات عليا، لكن الحال لم يكن كذلك مع أحفاده ـ من أبنائه الذكور ـ فبنات عمي الأكبر مني سنًا حصلن على شهادات متوسطة، وكان تشجيعهن لي مفيدًا لأصبح أول حفيد لجدي يحصل على شهادة جامعية.

وبطبيعة الحال لم يكن في "الدار" كتاب واحد عدا "القرآن الكريم". لذلك تشكلت معرفتي، وخيالي، من حكايات وخرافات جدتي بهية، ثم الراديو والتلفزيون، إضافة إلى الخبرات المهمة والمباشرة من الفلاحين الذين كانوا يحملون في جيناتهم خلاصة حضارة عمرها آلاف السنين. ولم أنتبه إلى أهمية الكتاب إلا بعدما استعان أبي لمساعدته في إدارة دكانه على ناصية الشارع، فكنت أجلس بالساعات لا أجد ما أفعله سوى تصفح الكتب التي كانت يشتريها بالكيلو كي يلف فيها طلبات الزبائن. كانت كتبًا متنوعة، أحدها مثلًا كان يشرح الرتب العسكرية والآخر عن سيرة خديجة بنت خويلد.. عدا عن الصحف والمجلات القديمة التي كانت تأخذني في جولة سحرية إلى زمن آخر.. إلى أن عثرت على نسخة متهالكة من "ألف ليلة وليلة" في بيت عمتي.

ومع اكتمال استقلال الأعمام في بيوتهم المجاورة، فعلت مثل جدي، استوليت على "مندرة" بيتنا كغرفة خاصة بي، وضعت بها أول مكتبة جمعتها في حياتي، وبدأت أكتب بانتظام منذ المرحلة الثانوية. ثم استوليت على "نملية" المطبخ وأعدت طلاءها لتصبح مكتبة كبيرة من عدة أرفف وخزائن.

في تلك المرحلة من حياتي توارت متاهة الدار من ذاكرتي، بكل الحنين إلى من كانوا فيها يومًا ما، ودخلت متاهة الكتب والأفلام... وعندما بلغت الثامنة عشرة وسافرت لأول مرة إلى القاهرة أصبحت "الدار" القديمة التي تهدمت.. ذكرى شاحبة.. بل القرية كلها التي كنت أحفظ كل بيوتها وأسماء سكانها وعاهراتها وجميلاتها.. هي نفسها غدت ذكرى متلاشية.. وإن كنت أزورها على فترات متباعدة جدًا.. وأرى تحولاتها الفادحة.. وانقراض الفلاحين منها.. وأطلال مدرستي الابتدائية القديمة التي تأسست عام 1939 لكنها أيضًا لم تصمد أمام الزمن.

الفطام

"الدار" هي أم.. تمنحنا الأمان والحنان والدفء وأبجدية الكلام وخبراتنا الأولى في الحياة.. وربما يستغرق الأمر سنوات كي يفطمنا الزمن عنها بقسوة. وساعتها لن نبكي ونحن نغني "راحوا فينا حبايب الدار؟!".. بل حتى سنفتش في ذاكرتنا عن الطفل الذي كان فيها يومًا ما فلن نعثر عليه.

مقالات من نفس القسم