ما يصنعه الكاتب وسط الدجاج والديكة

غربان
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

حسن عبدالموجود

ربما يكون أول شيء يفعله طارق إمام حينما يستيقظ، نافضاً أحلامه، وبقايا هواجس المساء، وقبل أن يُفكِّر في حبْك مؤامراته الصغيرة على نفسه وعلى الآخرين، الدخول إلى عالم "الفيسبوك" الأزرق موزعاً عشرات اللايكات والقهقهات والدمعات والقلوب الحمراء، كيفما اتفق، على الجميع وبدون تمييز، يوزعها على كتاب يراهم تافهين، وآخرين لطالما قال إنهم يسرقونه، وآخرين يكرهونه، يوزعها على مواقف متناقضة، وأشخاص يصوبون بنادقهم ومسدساتهم باتجاه رؤوس بعضهم البعض، وبالطبع لا ينسى أصدقاءه. أصدقاؤه لهم النصيب الأكبر من القلوب الحمراء، لو كنت صديقاً له ستحصل على نصيبك أياً كان ما تكتبه، وسواء كان متفقاً معه أم مخالفاً لطريقة تفكيره. يشبه طارق إمام مربِّي الدجاج الذي يقبض على حفنة غلال، ويلقيها على الأرض، فتتبعثر في جميع الاتجاهات، كل واحدة أو اثنتين أو ثلاث أو مجموعة تستقر بالقرب من دجاجة أو ديك.

حسن عبدالموجود

ربما يكون أول شيء يفعله طارق إمام حينما يستيقظ، نافضاً أحلامه، وبقايا هواجس المساء، وقبل أن يُفكِّر في حبْك مؤامراته الصغيرة على نفسه وعلى الآخرين، الدخول إلى عالم “الفيسبوك” الأزرق موزعاً عشرات اللايكات والقهقهات والدمعات والقلوب الحمراء، كيفما اتفق، على الجميع وبدون تمييز، يوزعها على كتاب يراهم تافهين، وآخرين لطالما قال إنهم يسرقونه، وآخرين يكرهونه، يوزعها على مواقف متناقضة، وأشخاص يصوبون بنادقهم ومسدساتهم باتجاه رؤوس بعضهم البعض، وبالطبع لا ينسى أصدقاءه. أصدقاؤه لهم النصيب الأكبر من القلوب الحمراء، لو كنت صديقاً له ستحصل على نصيبك أياً كان ما تكتبه، وسواء كان متفقاً معه أم مخالفاً لطريقة تفكيره. يشبه طارق إمام مربِّي الدجاج الذي يقبض على حفنة غلال، ويلقيها على الأرض، فتتبعثر في جميع الاتجاهات، كل واحدة أو اثنتين أو ثلاث أو مجموعة تستقر بالقرب من دجاجة أو ديك.

طارق ليس مهموماً بالقطع بشخص يمكن أن يلومه على تناقض مواقفه هذا، ليس مهموماً بأن يفسِّر للآخرين إقدامه على تلك الأمور، فليس مديناً لأحد بشيء، ربما أصلاً لا يملك إجابة إن سألته عن هذا، ربما يفعلها بدافع مجاملة الجميع، حتى ولو كان يجامل شخصاً كريهاً، ربما يفعلها بدافع الاعتياد لا أكثر ولا أقل. قال لي مرة: “أنا متناقض، محدش له حاجة عندي”. لو ركزت مع طارق إمام، لو أردت أن تفسر تصرفاته فلن تصل إلى إجابة، أنت من سيصيبه الملل والصداع والضيق، وربما الغضب. لو أردت أن تكون صديقاً له فعليك أن تقبله “على علَّاته”، فلو أخبرته، على سبيل المثال، بسر ما، فلا تنتظر طويلاً حتى تسمعه من آخرين. فى إحدى المرات التي أذاع خلالها سراً أخبرتُه به كان يجلس هادئاً مطمئناً بينما كان الغضب يجتاحني، ليس الغضب فقط، ولكن الإحراج الكبير بسبب الشخص الذي يخصه السر ويجلس معنا. كنت أتوقع أن يحاول تهدئتي، أن يقول شيئاً لطيفاً، أن يقول حتى شيئاً عادياً، أو جملة مكررة ومحفوظة، أن يقول لي: لا عليك، أن يقول: عادي، أن يقول: “معلش”، أن يقول: آسف، ولكنه عوضاً عن ذلك نظر إليَّ بغضب مصطنع، وكأنني من أجرمتُ في حقه قائلاً: “بقولك إيه.. أنا معنديش أسرار، عايز تقول حاجة يبقى الكل يعرفها”. بمرور الوقت اعتدت الأمر، كان الغضب يتضاءل في كل مرة يذيع فيها سراً، حتى أتقنت تماماً التمرين القاسي الذي أدرب نفسي عليه، ألا أخبره بأي شيء يخص آخرين. لو كان طارق إمام يعيش في قرية لأذاع أسرار رجالها ونسائها في ميكرفون الجامع.

أعرف طارق جيداً، أعرف أنه شخص طيب، ويحب أصدقاءه، بل إنه يفضلهم على نفسه في بعض الأوقات، أعرف تماماً أنه يقدس الأخوة، ويحترم الكتابة الجيدة حتى ولو كان يكره صاحبها، أعرف أنه متسامح، وأن عنفه مجرد قشرة خفيفة جداً يمكن نفخها بكلمة واحدة جميلة، لتنقشع تماماً عن عقله، أعرف كل ذلك وأكثر، أعرف أن كلامه ضد شخص ما قد يكون لسبب إنساني تافه، وأعلم أيضاً أنه لو انتفى السبب سيعود طارق للحديث عنه بشكل جيد، وفي جميع الحالات لن يخسر العالم شيئاً من الشر الصغير الذي يمارسه، لأنه يمارسه وسط مجموعة صغيرة جداً من الأصدقاء، أعرف كل ذلك، وأعاني من تصرفاته الصغيرة. وعلى سبيل المثال يكون طارق متحمساً للغاية لمقابلة معي، يتصل ويلح ويزيد في إلحاحه، وأستجيب له أخيراً، أنهض مرتدياً ملابسي، ثم أنزل من المهندسين إلى وسط البلد غالباً، وأصل في الموعد المحدد بالضبط، وأفاجأ بأنه لم يأت بعد، وحينما أتصلُّ به أجد هاتفه مغلقاً. كان ذلك في العصر الغابر بالطبع، إذ أنه الآن مطالب بتقديم كثير من الضمانات لنتقابل، أولها أن أستمع عبر هاتفه إلى كلاسكات السيارات، لأتأكد أنه في الشارع، وعليه أيضاً أن يصل أولاً إلى المكان قبل أن أبدأ التحرك. إنني أفكر أيضاً في تطوير الضمانات، في المستقبل، لتصل إلى مكالمة أشخاص بجانبه في مقهى أو مطعم ما.

يطيب له أن يقول لي إنه توقف عن الكتابة منذ عرفني، وهذا ليس صحيحاً، ويطيب لي بأن أذكره بأن حياتي تنهار منذ عرفته، وهذا ليس صحيحاً كذلك، كل منا يحاول أن يُثبِّت أمام الآخرين، في أضيق الحدود، صورة كاريكتورية للآخر، على عكس الحقيقة، وبعيداً عن كل الأمور الصغيرة، فإن ظهور طارق في حياتي أفادني كثيراً، إنه أحد الكتَّاب القلائل المحرضين على الكتابة، وهو كذلك أحد القلائل غير المشغولين بشيء في الحياة إلا بها، خُلق فقط لأجلها، يتنفسها، لدرجة أن كل شيء يبدو هامشياً بالنسبة لها، هامشياً حتى إذا تعلق الأمر بحياته نفسها. إن عالمه يبدو مخلوقاً بالكامل من عوالم أخرى اكتشفها وربما زارها في أحلامه. إنه نموذج للكاتب الذي يعرف موطأ أقدامه، ولا يبدله ما يجري من حوله ولا يُغيِّر من قناعاته. إنه يشيِّد بتأن عالمه بيتاً إلى جوار بيت، وكائناً إلى جوار كائن، ويشبك علاقة مع أخرى ومع ثالثة إلى ما لانهاية، حتى يصنع مدنه، وحتى تبدو تلك المدن في كثير من أعماله كأنما امتدت وتلاحمت صانعة كوكباً يخص طارق إمام نفسه.

طارق ليس كاتباً منغلقاً، ويؤمن بالتجاور، يتفهم تماماً ما تفكر فيه، وسيجد طريقة لفتح الحوار معك، ومخاطبتك بلغتك، والتماس معك في نقطة وربما في عدد من النقاط. إنه واحد من الذين أحب أن أستمع إليهم وهم يتحدثون عن الكتابة وفيها وحولها، جملة منه قد توحي لك بعالم كنت تبحث عنه، كأن جملته المفتاح السحري الضائع الذي كنت تبحث عنه طويلاً. إنه قادر كذلك بثقافته الرفيعة على أن يريك مناطق جديدة من أشياء وعوالم وكتابات وملامح أشخاص، إنه مندهش طوال الوقت، ودهشته البريئة والطازجة قادرة على منحه تلك الدهشة الرائعة التي تسم عوالمه الغرائبية، ولو كنت محظوظاً بأنك من أصدقائه ربما تمسُّك هذه الدهشة وتعيدك شخصاً قادراً على التقاط ما لا يراه الآخرون في كل شيء حولك.

أغمضُ عينيَّ عن شرِّ طارق الصغير المحبب، لا أغضب، حالياً، بسببه إلا نادراً، لكنني لا أتصور الحياة بدونه، هو أخي الذي لا يمكن لمحبتنا أن تفتر مهما جرى من حولنا، هو أخي الذي يصغرني بعام، أخي الذي غيَّر القاعدة الشهيرة فصارت “الصغير عنك بيوم يعرف أكتر منك بسنة”. 

 

عودة إلى الملف

 

   

مقالات من نفس القسم