ما الذى تريده الكتابة؟

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 30
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

 محمد الفخرانى

ما الذى تريده الكتابة؟

من هو كاتبها المفضل؟ ومكانها المحبوب فى العالم؟ أفضل وقت تحب أن تتمشى فيه أو تقابل أصدقائها؟ تحب الليل أكثر أم النهار؟ الشروق أم الغروب؟ أم تفضل وقتًا آخر غيرهما؟ ما لونها المفضل؟ كيف تمارس الحب واللعب؟ متى تخرج للصيد؟ كيف تمارسه؟ كيف يمكن اصطيادها، مصاحبتها؟ وما أفضل الأوقات لذلك؟ ماذا سترتدى الليلة؟ أين ستسهر؟ مع من؟ ستجلس على المقهى القريب أم ستكمل حتى المقهى الموجود بنهاية الشارع، أم فقط ستتمشى فى الشوارع؟ لمن تمنح نفسها الليلة؟ ومن تتمنع عنه؟ كم من المخلوقات ستطلق عليهم الموت، وكم ستمنحهم حياة جيدة؟ هل ستبيت بالخارج؟ سترقص وتغنى؟ أم تجلس وحيدة فى الركن الأزرق الشجى؟ ستقضى ليلتها مع المشردين والجن والعفاريت والشوارع السفلية والخلفية أم تحلق وتطير للسماء؟ لا أحد يعرف، ولن يعرف أحد.

ما الذى تفضله الكتابة لنفسها؟

فى كل وقت، سيظهر كاتب منحاز للكتابة الواقعية، ولا يفوّت فرصة إلا ويؤكد أنها الكتابة الأقوى والأجمل، وفى نفس اللحظة والمكان يظهر كاتب منحاز للكتابة التخييلية، ليؤكد أنها الكتابة الأقوى والأجمل، بينما الكتابة نفسها ستكون فى مكان آخر، ولن يعنيها ما يؤكده كلٌ منهما، ستنظر لهما باستغراب، لأن ما يقولانه يمكن أن يكون عن أىّ أحد فى العالم عداها، الكتابة أكثر ذكاء وطموحًا وشجاعة من هذين الكاتبين، من الطبيعى أن يحب كاتب نوعًا أو طريقة ما للكتابة، لكنه عندما يقول أنها “الأروع”، فهذا يبعده عن طموح وذكاء وتمرد الكتابة. 

الكتابة تنفتح على ما لا نهاية من الاحتمالات، وما لا نهاية من “الأروع”، الورقة البيضاء هى أحد الأماكن القادرة على استيعاب العالم، وأفضل مكان يمكن أن نمارس فيه الحرية والجنون والحكمة والأمان والخوف والحب والابتكار والاختراع وكل المشاعر والاحتمالات، وأن نسكب فيه كل الألوان والأشكال، هى من أكثر الأماكن ملائمة للمغامرة، وتزداد اتساعًا كلما سكنتها عوالم وأفكار ومخلوقات وأحلام ورؤى جديدة، الكتابة تقبل ذلك، وتسعى إليه دون شرط أو طريقة محددة، أكثر ما يعنيها أن تكون كتابة طموح، تضيف جديدًا، وتأخذ منعطفات مغامرة، وأن تصل لأبعد من المتوقع، وتمارس فى كل ظهور لها مغامرة إبداعية وفنية جديدة، ودائمًا هناك مناطق جديدة للكتابة، ومساحات لم يدخلها أحد، وإلا فأين المتعة، ولماذا العالم مستمر حتى الآن؟

ما الذى تريده الكتابة؟

لم ولن يعرف أحد، وهذا واحد من أسرار جمالها وسحرها، أنها غير متوقعة، ليست صعبة المراس مثل بعض كائنات العالم، وإنما مستحيلة المراس، لذا لا يملك أحد معها إلا أن يُجرّب ويغامر، ويتعامل معها بنفس فكرتها الأساسية كونها غير متوقعة، هى لا تحب الأفكار القديمة المكررة، أو التنويع على أفكار أخرى، أو العوالم التى دخلتها من قبل، تحب من يفاجئها، يقفز بها إلى المجهول، ويمارس معها نفس لعبتها “ألا يكون متوقعًا”، ولن يكون هذا إلا بالتجريب والمغامرة.

ما الذى تريده الكتابة؟

موت الكتابة أن تكون متوقعة، ومقتل الكاتب أن يكون متوقعًا، الكاتب الذى لا يغامر، هو صياد عادى، غير طموح، لا يتطلع لأفق البحر، لا يسمع صوته، ولا يشعر باتساعه، صياد محدود لا يغامر فى العمق، يكتفى بأن يرمى شباكه فى مياه ضحلة قريبة من الشاطئ، وبذلك لن يحصل إلا على شيئًا متوقعًا أو أقل من المتوقع، شىء حصل عليه قبله مئات الصيادين، فليس من المتوقع أن يحصل على لؤلؤة، أو سمكة غريبة، أو صندوق ملىء بالمفاجآت، أو خريطة تدله على أماكن بعيدة مسحورة، وغالبًا ستعلق بشبكة هذا الصياد أشياء من مهملات البر، هو صياد/ كاتب لن يرى جنيّة البحر أبدًا، أما الكاتب المغامر، فهو بحار يذهب بعيدًا فى البحر، عيناه معلقتان بالأفق، قلبه شغوف بالتجربة والاكتشاف والمتعة، وجهه متلهف للارتطام بأسرار العالم، هو بحار مشغول باكتشاف جزيرة جديدة، والحصول على لؤلؤة لا شبيه لها، أشيائه التى يحصل عليها من البحر نقية، صافية، أصيلة، وجديدة تمامًا، هو من يحصل على الصندوق والخرائط، ويصل حيث لن يصل غيره، هو بحار/ كاتب سيحصل بالتأكيد على جنيّة البحر.

المغامرة هى أجمل وأقوى ما يمكن أن يفعله إنسان فى حياته، هى أجمل وأقوى ما يمكن أن يفعله كاتب فى كتابته، فلا يكون متوقعًا، ولا مكررًا، ولا شبيهًا لأحد، هو يبحث لنفسه عن حلوله الخاصة مع الحياة والعالم والكتابة، فيطلق بحرًا باسمه، ويبنى جبله الخاص، أو يترك قصاصة ورق بها سطرًا واحدًا يخصه، لا يشبه أحدًا غيره، ولا يتوقف عن الحياة.

أفكر أن لو كان ممكنًا أن أحصل من نفسى على أكثر من نسخة، تفعل كلٌ منها شيئًا مختلفًا، نسخة تكتب، وأخرى تغامر فى الحياة، وثالثة تخترع أشياء لتفعلها.

ما الذى تريده الكتابة؟

العالم مكان للكتابة، والكتابة مكان لاحتواء العالم، وكل الموجودات فى جزء كبير وهام من حقيقتها تجارب، والمختلف المميز منها هو ما يصنع الفارق فى العالم، كذلك الكتابة فى جزء كبير وهام منها تجريب، والتجريب الجميل المختلف الذى يحمل رؤيا للعالم هو ما يصنع الفارق فى الكتابة، فتسقط كل التجارب المتشابهة والمستنسخة والعادية، فقط التجارب الإبداعية التى تأتى بجديد يمثل فارقًا، ويترك كلمة، ويضع علامة، هى ما سيبقى.

ولا يمكن أن يحدث شىء من هذا كله إلا بالتجريب الذى يحمل رؤية للعالم، وبالمغامرة الإنسانية والإبداعية، وبالثقة تمامًا بأنه لا أحد يستطيع، ولن يستطيع أحد أن يجيب عن سؤال: ما الذى تريده الكتابة؟

عودة إلى الملف

مقالات من نفس القسم