لُفَافَةٌ مِن حرير

صورة فكرى عمر
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

فكرى عمر

أوقفني بنظرة وإشارة. كان يقف أعلى سلم منزله الخارجي. تقدمت ناحيته. ثنى ساقيه ليقعد. صارت رأسه فى مستوى رأسي، قال لي:

– سيدي، طمئنني سمتك، وقلت لنفسي إنك الشخص الوحيد الذي يمكنني الوثوق فيه من كل الذين مروا من أمامي، فهل خانني حدسي؟!

قلت مدفوعًا بالحياء، وبالرغبة في المساعدة:

– لا، لم يخنك حدسك، وإراداتي رهن أمرك.

دفع إليَّ لفافة من حرير قائلًا:

– ها هنا كنز حياتي وحياة قبيلتي، فلا تُضيّعنا.

تناولتها. تحسست نعومة الحرير في يدي، وبشيء كالكرة، أو البلُّورة داخلها. شيء صغير، لكنه ثقيل ثقل حجر كبير من الجرانيت. وضعت يدي اليسرى؛ كي تؤازر اليمنى في حملها، وقلت له بينما ألهث:

– وما المطلوب منى بالضبط؟

– لا شيء سوى الوقوف هنا دقيقة، أو أقل حتى أخرج لك مرة أخرى.

قلت مطمئنًا إياه:

– الأمانة كنز لا يفنى.

كان قد دفع الباب، واختفى من أمامي. اللفافة الثقيلة جدًا دفعتني للنظر حولي؛ لأخفف عن نفسي هذا الإحساس بالضعف. نظرت لأعلى فإذا السماء غائبة تحت سيل من ظلام دامس لا يطرقه هلال صغير، أو نجمة تومض في البعيد. في الوقت نفسه كان الشارع يحيا تحت إضاءة قوية من ألوان مختلطة عجيبة. عدت للباب الغريب الذي تتلألأ ألوانه فتخطف انتباهي.

عاودت النظر إلى الشارع متمنيًا أن ينظر لي أحدهم ويصمني بالجنون، وأن ما وقعت فيه الآن هو مقلب من صاحب الدار الذي فعلها مع الكثيرين. حينها سألقى ما بيدي، وأمضى غير مبتئس، أو عابئ بشيء، لكن أحدًا لم ينظر في وجهي وهو يمضى أو يحدثني.. ومرة واحدة ضربني يقين قاتل بأنني سقطت في فخ؛ لأن كائنات الشارع كانت تمضى مسرعة دون أن تلتفت نحوى، وأحيانًا كانت تتلاشى من أمامي في لحظة. عدت ببصري بسرعة للشيء الوحيد الذي أعرفه.. إلى باب الدار الفخم الملون؛ لأمسكه بعيني فلا يفلت. كان قلقي قد بدأ يتزايد. وطوَّح بي قلق هائل حين فكرت في كل الاحتمالات التي لا تسيطر عليها إرادتي الهشة. لكن لمَ أنا مرتبك، وخائف هكذا في أمر لو تركته فلن أموت نتيجة لتركه؟!

هل أُلَام على ما لا أقدر على السيطرة عليه؟! لكن ها هنا رجل خائف استأمنني على كنز حياته، وحياة قبيلته، وأنا قبلت بمحض إرادتي في وقت لم أكن أدرك فيه أنني لا أستطيع التحمل، فهل أخون الأمانة مدعيًا أن معرفتي بواقع حالي جاء متأخرًا؛ لذا فلست مسئولا عن أي شيء يحدث لي، أو حولي؟!

قلت لنفسي: لو تركتكِ نهبا للاحتمالات ستتلاشى إرادتي، وسأجد أنني في مواقف شبيهة وقد فقدت الثقة بقدرتي على التحمل، أو الإيفاء بالوعود. ساعتها سأؤنب نفسي على عدم بذلي أي مجهود لتحمل ما اخترته.

قلت أيضًا: ما يضيرني لو فعلت أقصى ما يمكن أن أفعله. أن أقف مصلوبًا هكذا أمام الباب الفخم الملون ممسكًا اللفافة بيدي، منتظرًا صاحبها الذي قد يخرج في أية لحظة منقذًا إياي من ورطة بطلها ضميري الذي لا يكف عن تأنيبي. هنا شيء حقيقي وأكثر قسوة من مشهد جثة ملقاة في الشارع. لقد قال الرجل قبيلتي ولم يقل أسرتي. ألا يدفعني هذا؛ للتفكير في مصائر عدد من البشر يتجاوز المائة فرد.. رجال، ونساء، وأطفال. أماني، وخطوات، وأحلام قد تُقصف في لحظة لو مضيت في طريقي غير عابئ بالآخرين.

قلت بعد قليل: فلأصعد لأطرق الباب، حتى يفتح لي أحدهم. ألقى إليه باللفافة، وأمضى كما تُقدِّر لي المصادفات الغريبة، أو أضعها بجانب الباب، إلا أن شيئًا ما منعني. الغريب أنني ظللت لوقت طويل أراقب كل ما يتبدل أمامي، وأعاود النظر إلى باب الدار فأجده كما هو. أنا شحيح البكاء وجدتني أنهنه فجأة، ثم تنفرط دموعي مدرارًا كأنه تسيل من مخزن لا ينضب، واتكأ على السلالم لاعنًا الدار، وصاحبها، وبابها الملون.

لم يأت أحد ليطبطب على، أو يشاركني همومي التي لا تخصني مباشرة، بل تخص آخرين تورطت فيها بمصادفة بحته، وفى واقع غريب لن يحاكمني أحد بسبب مغادرته. لما ضبطت نفسي في موقف ضعفها ذاك قلت: وما ذنب الرجل؟! الذنب ذنب من حمل الوعد ولا يستطيع أن يتحمل حتى النهاية.

فكرت في الهرب، وأحسست بدافع يقف بمواجهتي، ويقول لي: قف وكن إنسانًا حتى النهاية. ورغمًا عنى التزمت مكاني مختزلًا كل أمنياتي في باب الدار الذي سيفتح حتمًا ذات لحظة عن وجه الرجل الغريب الذي سيمد يده؛ ليسترد لفافته، ويعتقني.

 

مقالات من نفس القسم